مقالات ادبية واجتماعية وفنية
رياض عبد الواحد السعد | ناقد عراقي
من بيكاسو إلى غارسيا: باريس بوصفها استعارةً للجمال والمنفى والذاكرة المهدَّدة
الجزء الاول
رياض عبد الواحد
المقدمة :
لا تستمد قصيدة (شيخ باريس) بنيتها الدلالية من باريس بوصفها مكانًا جغرافيًا أو فضاءً سياحيًا بل من تحويلها إلى علامة ثقافية تتقاطع فيها الذاكرة الفنية مع المأساة التاريخية، وتتصادم فيها حرية الجمال مع عنف السلطة ، وتتحول فيها الشيخوخة من حقيقة بيولوجية إلى لحظة مراجعة وجودية.
إن الشاعر لا يكتب عن مدينة بقدر ما يستنطق ما تراكم في صورتها من رموز ، مستدعيًا بيكاسو، والأندلس، وغارسيا، والمسيح، والمتنبي، ليؤسس فضاءً شعريًا لا تنتظم عناصره وفق التسلسل التاريخي، وإنما وفق علاقاتها المتبادلة داخل الوعي الشعري.
من هنا، لا ينبغي التعامل مع هذه الأسماء بوصفها إحالات ثقافية تزيينية، فوظيفتها الأعمق تتحدد في مقدار ما تحدثه من تحولات في معنى المكان والذات والحرية.
القصيدة، بهذا الاعتبار، ليست احتفاءً بباريس وحدها، وإنما مساءلة للكيفية التي يصنع بها الفن ذاكرته، وللكيفية التي يواجه بها الجمالُ مصائرَ القمع والنفي والفقد.
النصيص وتحويل الهوية من المكان إلى الرمز :
يحمل النصيص (شيخ باريس) توترًا دلاليًا يتجاوز ظاهره الإضافي، فالشيخوخة تحيل إلى تراكم الزمن وإلى ما يتركه في الجسد والذاكرة من آثار، بينما تحيل باريس إلى الحداثة الفنية والثقافية وإلى تاريخ من التحولات الفكرية والجمالية. والجمع بينهما لا ينتج مفارقة عمرية فحسب بل ينشئ علاقة بين ذاتٍ أنهكها الزمن ومدينةٍ تستبقي قدرتها على إغواء الوعي وإعادة تشكيله.
غير أن النصيص لا يحدد هوية الشيخ تحديدًا مباشرًا، إذ تتوزع هذه الهوية بين الشاعر وبيكاسو، وربما بينهما وبين صورة الفنان الذي يحمل شيخوخته إلى المدينة كي يستعيد فيها طفولته. هذا التداخل مهم لأن القصيدة لا تحافظ على حدود فاصلة بين الشخصية التاريخية والذات المتكلمة. فحين يقول الشاعر :
(هذا أنا طفلٌ لديكِ فحاولي أن تفهميهِ وعانقِيهِ بحبِّ)
تظهر الذات في هيئة مزدوجة: شيخٌ يحضر مثقلًا بتجربته، وطفلٌ يستعيد هشاشته أمام المدينة. ليست الطفولة هنا عودةً زمنية إلى الماضي لكنها انكشاف للذات بعد أن تتخلى مؤقتًا عن أقنعتها الاجتماعية وتواجه حاجتها العميقة إلى الاعتراف والاحتضان.
وتتأسس المفارقة بذلك على انتقالين متعاكسين: المدينة التي يفترض أن تمثل الحداثة تستقبل طفلًا آتيًا من الشيخوخة، والشيخ الذي تحاصره الذاكرة يستعيد إمكان البداية بيد أن هذه العودة لا تعني محو الماضي، فالطفل الذي يظهر في باريس هو طفل يحمل معه تاريخًا من الفقد، ولذلك لا تنفصل رغبته في الحب عن حاجته إلى أن يُفهَم.
أما وصف بيكاسو بالشيخ، فيفتح أفقًا آخر للنصيص: الشيخوخة ليست نهاية الطاقة الإبداعية إنما لحظة يصبح فيها الفنان أكثر قدرة على استدعاء تاريخ الفن وتحويله إلى مادة للتأمل. وهكذا يغدو النصيص مدخلًا إلى سؤال القصيدة المركزي: هل يستطيع الجمال أن يمنح الذات بداية جديدة، حتى حين يكون الزمن قد استنفد كثيرًا من إمكاناتها؟
بيكاسو والحمامة ، من الصورة الفنية إلى المسؤولية التاريخية:
تفتتح القصيدة بقولها:
(الشيخُ (بيكاسو) أعارَ بياضَهُ لحمامةٍ وُلِدَتْ بآخرِ حربِ).
لا تتأسس الصورة على تشبيه تقليدي بين الحمامة والسلام إنما على فعل استعاري أكثر تعقيدًا: الإعارة. فالشاعر لا يقول إن بيكاسو رسم حمامة بل إنه أعارها بياضه. وهذا التحويل ينقل البياض من كونه صفة لونية إلى كونه قيمة جمالية وأخلاقية، ثم يجعل الفنان وسيطًا يمنح الرمز إمكان ظهوره في العالم.
وتكمن أهمية الفعل (أعار) في أنه لا يفيد الامتلاك النهائي، فالبياض ليس ملكًا للحمامة إنما هو هبة مؤقتة من الفن إلى العالم. بهذا المعنى، يصبح الفن مصدرًا لإعادة إنتاج الأمل لا لأنه يوقف الحرب بل لأنه يمنح الضحايا والناجين صورةً مضادة للعنف.
أما قوله (وُلِدَتْ بآخر حرب)، فيضع الحمامة في علاقة ملتبسة مع الزمن: إنها وليدة الحرب لكنها تحمل دلالة السلام. وهنا تتشكل مفارقة القصيدة الأولى، فالسلام الذي تستحضره الصورة ليس سلامًا طبيعيًا سابقًا على العنف غير أنه أملٌ يتولد من داخله، وكأن الجمال لا يستطيع أن يستعيد شرعيته إلا بعد أن يواجه الخراب.
وتكتسب هذه الصورة عمقها من استدعاء بيكاسو بوصفه فنانًا ارتبطت تجربته بمقاومة العنف التاريخي، ومن حضور الحمامة في رمزيته الفنية غير أن الشاعر لا يكتفي باستحضار مرجعية جاهزة بل يعيد صياغتها في بنية شعرية تجعل البياض نفسه فعلًا أخلاقيًا.
ويتواصل هذا الاشتغال على الزمن في قوله:
(إذْ قالَ والأعوامُ تملأُ رأسَهُ والأمسُ هبَّ عليهِ أيَّ مهبِّ)
تتحول الأعوام هنا إلى مادة تتراكم في الرأس، بينما يتحول الأمس إلى قوة ريحية تهب على الذات.
إن الزمن لا يظهر بوصفه تعاقبًا محايدًا إنما بوصفه ضغطًا على الوعي. والأمس بدل أن يبقى خلف الإنسان، يقتحم حاضره ويعيد تشكيله.
ومن ثم، لا تكون الشيخوخة مجرد علامة على تقدم العمر ، إنها خبرة التعرّض المستمر للماضي.
فالذات التي تحمل تاريخها لا تستطيع الانفصال عنه بمجرد الانتقال إلى مدينة أخرى إنما تعيد حمله داخل المكان الجديد. وهذه الفكرة ستصبح أكثر وضوحًا حين ينتقل النص من باريس إلى الأندلس، ثم إلى غارسيا.
باريس بوصفها بنيةً للرغبة وإعادة تكوين الذات:
يقول الشاعر:
(يا ليلَ باريسَ القصيرَ، ألا انجَلِ عن صبحِ عاصمةٍ تنامُ بقربي)
لا يكتسب الليل قصره من قياس زمني وإنما من علاقته بالرغبة في انكشاف الصباح.
إن الأمر (ألا انجَلِ) يحوّل الليل إلى حجاب ينبغي رفعه، ويجعل الصباح لحظة كشف تتجاوز معناها الطبيعي إلى إمكان انكشاف المدينة أمام الذات.
لكن الصورة الأكثر إثارة هي (عاصمة تنام بقربي). فالمدينة، التي تُعرَف عادةً بكثافتها السكانية وضجيجها واتساعها، تتحول إلى كائن حميم ينام إلى جوار المتكلم. وهذا التشخيص لا يؤدي وظيفة زخرفية، إنه يعيد ترتيب العلاقة بين الذات والمكان. فباريس لا تبقى موضوعًا للنظر من الخارج، بل تصبح طرفًا في علاقة جسدية ونفسية، وتنتقل من الجغرافيا العامة إلى الحيز الحميم.
ويبلغ هذا التحويل ذروته في قوله:
(فيها النساءُ الشعرُ، كلُّ نبيّةٍ بُعِثَتْ تُبشِّرُ بالجمالِ الرحبِ)
تتأسس الصورة هنا على نقل المرأة من المجال الإنساني المحدد إلى المجال الشعري؛ فالنساء (الشعر) وليس مجرد كونهن شبيهات بالقصائد. إن حذف المسافة بين المرأة والشعر يجعل الجمال صفةً وجودية، لا صفةً خارجية تُضاف إلى الجسد.
ثم تأتي استعارة (النبيّة) لتمنح هذا الجمال وظيفة تبشيرية. فالمرأة لا تُختزل في موضوع للرغبة بل تتحول إلى حاملة رسالة، ويصبح الجمال الذي تبشر به أفقًا يتجاوز الإغراء الحسي المباشر.
ومع ذلك، لا تخلو الصورة من توتر دلالي يستحق الانتباه: فالمرأة ترتقي إلى مرتبة الرمز لكنها قد تفقد في المقابل بعض خصوصيتها الإنسانية لصالح الوظيفة التي يسندها إليها الخطاب الشعري.
إن النص يرفع الجمال الأنثوي إلى مستوى القداسة لكنه يفعل ذلك من منظور الذات المتلقية لهذا الجمال.
ويتابع الشاعر:
(وبها العيونُ البحرُ والخُلجانُ حيثُ عثرتُ مفتتنًا بأولِ هُدبِ)
تتحول العيون إلى بحار وخلجان، أي إلى فضاءات لا تُستنفد بالنظر لكنها تستدعي الدخول والتيه. واللافت في الفعل (عثرتُ) أنه يزيح معنى القصد، فالافتتان لا يقع نتيجة بحث واعٍ بقدر ما يحدث مصادفةً كأن الذات تقع في الجمال قبل أن تتمكن من تفسير ما حدث لها.
أما (أول هدب) فيختزل المشهد الواسع في تفصيل جسدي بالغ الصغر. وهذه النقلة من البحر والخليج إلى الهدب تنشئ مفارقة بين اتساع المجال البصري ودقة العلامة التي تستوقف النظر. فالجمال، وفق منطق الصورة، لا يحتاج إلى اكتمال المشهد؛ قد يكفي أثرٌ جزئي كي يفتح تجربةً كاملة.
غير أن باريس لا تُبنى هنا بوصفها مكانًا واقعيًا بتناقضاته اليومية بل بوصفها مدينةً منتقاة داخل المخيلة: نساؤها شعر، وعيونها بحار، ولياليها قصيرة، وصباحها وعدٌ بالخلاص. وهذه المثالية ليست عيبًا في ذاتها، فهي جزء من صناعة الفضاء الشعري. لكن أهميتها النقدية تظهر حين نقارنها بما سيكشفه النص لاحقًا من فقر ورصاص وغياب، إذ يتبين أن القصيدة لا تستطيع الاكتفاء بجمال المدينة إنما تحتاج إلى اختبار هذا الجمال أمام التاريخ.
منطق الاحتمال ، الورد في مواجهة الجدب:
يقول النص:
(فيها احتمالاتٌ لوردٍ قادمٍ سيضوعُ لم يُفجَعْ بلحظةِ جدبِ)
تنتقل القصيدة من وصف الموجود إلى استشراف الممكن. فالمهم ليس أن الورد موجود بالفعل بل أن المدينة تحتفظ باحتمالات ظهوره. وهنا يصبح المستقبل عنصرًا بنائيًا في الصورة، لا مجرد زمن لاحق.
إن (الاحتمالات) لفظة تنقل الجمال من مرتبة الحقيقة المستقرة إلى مرتبة الإمكان المفتوح.
والورد، بما يحمله من إيحاءات الحياة والتجدد، لا يُقدَّم بوصفه نقيضًا للجدب فحسب بل بوصفه إمكانيةً لم تُصب بعد بصدمة الفقد. ولهذا فإن عبارة (لم يُفجع) تتجاوز الوصف النباتي، إذ تنقل إلى الورد تجربةً نفسية هي الفجيعة.
تتجاور هنا حقول دلالية مختلفة: الاحتمال، والورد، والفجيعة، والجدب. ومن هذا التجاور تتشكل رؤية ترى أن الجمال لا يكتسب قيمته من تحققه وحده إنما من قدرته على مقاومة ما يهدد تحققه.
ثم يقول الشاعر:
(كم قالَ للشعراءِ حينَ تذوَّقوا طُرقاتِها مجدًا لكم من صحبِ)
تظهر باريس هنا بوصفها فضاءً ينتج التجربة الشعرية، لا خلفيةً محايدة لها. واختيار (تذوقوا) بدلًا من (سلكوا) أو (عبروا) ينقل المرور في الشوارع من الفعل المكاني إلى الخبرة الحسية والجمالية، فالطريق يُتذوق كما تُتذوق القصيدة.
لكن المدينة لا تمنح الشعراء مجدًا جاهزًا بالضرورة؛ فالصورة تحتمل أن يكون المجد ناشئًا من تفاعل الشاعر مع المكان، ومن قدرته على تحويل تفاصيله إلى خبرة لغوية.
وبهذا المعنى، لا يصبح المكان مصدرًا للإبداع إلا حين تعيد الذات إنتاجه داخل الكتابة.
ويتأكد ذلك في قوله:
(أنتم أدلّاءُ الطيورِ إلى غدٍ والواعدونَ الذكرياتِ بشطبِ)
تنتقل وظيفة الشاعر من التعبير عن الجمال إلى الدلالة على المستقبل. فالطيور لا تُقاد إلى الماضي وإنما إلى (غد)، أي إلى زمن لم يتحقق بعد. وهذه الاستعارة تمنح الشعر وظيفة استشرافية، تجعل الشاعر دليلًا لا مالكًا للطريق.
غير أن الشطر الثاني يثير تعقيدًا مهمًا: (الواعدون الذكريات بشطب). فالشاعر الذي يقود الطيور إلى المستقبل هو نفسه الذي يعد الذكريات بالمحو. هنا يتجاور فعل التذكر وفعل الشطب، ويتحول الإبداع إلى قدرة على إعادة كتابة الماضي أو التحرر من سلطته.
لكن هل يستطيع الشاعر شطب الذكريات فعلًا؟ يبدو أن النص لا يقدم إجابة نهائية، لأن بقية القصيدة ستعيد استحضار تاريخ لا يمكن محوه بسهولة. وهكذا يصبح هذا الشطب وعدًا أكثر منه إنجازًا، إنه رغبة في التحرر من الماضي، سرعان ما تختبرها القصيدة أمام الذاكرة التاريخية.
غارسيا؛ حين تنكسر صورة المدينة الجميلة أمام التاريخ:
بعد المقطع الأول، يتغير مسار القصيدة تغيرًا جوهريًا. فباريس التي ظهرت فضاءً للرغبة والورد والشعر تصبح نقطة انطلاق لاستدعاء تجربة أندلسية مثقلة بالخوف والغياب.
يقول الشاعر:
(غادرتُ أندلسَ اليمامِ وكانَ مرتاعًا بها سربًا يلوذُ بسربِ)
لا تعود الأندلس هنا مكانًا تاريخيًا محددًا بقدر ما تتحول إلى ذاكرة رمزية؛ فإضافتها إلى (اليمام) تنقلها إلى عالم الطيور التي تتخذ من الألفة والتجمع وسيلةً للحماية لكن هذه الحماية ليست كاملة لأن اليمام مرتاع، والسرب لا يجد ملاذه إلا في سرب آخر.
إن التكرار في (سربًا يلوذ بسرب) لا يؤدي وظيفة إيقاعية فقط بل يجسد حركة الاحتماء المتكرر. فالخوف يدفع الجماعة إلى طلب جماعة أخرى لكن هذا التضاعف لا يلغي مصدر الرعب. وبذلك تتشكل صورة للمجتمع الذي يبحث عن الأمان داخل بنية اجتماعية مهددة من خارجها.
ويتابع الشاعر:
(لم يكتشفني الحارسُ الليليُّ حينَ مررتُ والأضواءُ تملأُ قلبي)
تتجاور هنا علامتان متعارضتان: الحارس، بوصفه أداة مراقبة وضبط، والأضواء، بوصفها امتلاءً داخليًا. فالذات تمر من دون أن يكتشفها الحارس، لكنها لا تمر في حالة فراغ أو محايدة، إن قلبها ممتلئ بالأضواء.
تتيح هذه الصورة قراءة العبور بوصفه محاولةً للنجاة من سلطة تراقب الحركة، فيما تحتفظ الذات في داخلها بما لا تستطيع السلطة إخضاعه بسهولة. لكن (الأضواء) لا تضمن النجاة الفعلية، فهي تنتمي إلى المجال الرمزي الذي يحفظ للذات إمكان الحلم، في حين تظل حركتها الخارجية معرضةً للخطر.
ثم تأتي صورة الفقراء:
(لا وقتَ كي يتأكدَ الفقراءُ فيها من مواقيتِ الشروقِ العذبِ / فتداولوا أقدامَهم في ليلةٍ والأفقُ يحتضنُ الرصاصَ برعبِ)
هنا تتصدع الصورة المثالية التي سبق أن بناها النص عن باريس.
فالفقراء لا يملكون حتى الوقت اللازم للتأكد من مواقيت الشروق وكأن الزمن نفسه لم يعد حقًا متاحًا لهم.
إن الشروق، الذي مثّل في البداية انكشاف المدينة وبداية يوم جديد، يصبح في هذا السياق حدثًا مهددًا لا يمكن الاطمئنان إلى مجيئه.
ويكتسب التعبير (تداولوا أقدامهم) أهمية خاصة، إذ يستبدل الحركة الفردية بحركة موزعة بين جماعة، ويجعل الأقدام موضوعًا للتداول. وقد يوحي ذلك بتعاقب الهاربين أو انتقال الحركة بينهم لكنه لا يحدد فعلًا واقعيًا واحدًا تحديدًا قاطعًا. وهذه المساحة من الالتباس تمنح الصورة كثافتها، وإن كانت تجعل مرجعها السردي أقل استقرارًا.
أما قوله (الأفق يحتضن الرصاص برعب)، فيقلب الدلالة المألوفة للاحتضان. فالأفق، الذي يرتبط عادةً بالاتساع والانفتاح، يصبح حاضنًا للرصاص، أي إن المجال الذي يفترض أن يفتح المستقبل يغدو محاصرًا بالعنف. والمفارقة أن فعل (يحتضن) يستبقي إيحاء الحميمية، لكنه يضعه في علاقة مع الرصاص؛ فتتلوث لغة الألفة بمنطق القتل.
بهذا الانتقال، لا يعود العنف حادثةً خارجية تعترض الجمال بل يصبح قوةً تعيد تشكيل دلالاته من الداخل. فالشروق لم يعد وعدًا مطلقًا، والأفق لم يعد حريةً مطلقة، والمدينة لا تستطيع حماية من يلجؤون إليها بمجرد كونها مدينةً للفن.
غارسيا وغياب الشاعر:
يبلغ هذا المسار ذروته في قوله:
لكنَّ (غارسيا) الفتى ما عادَ ثانيةً ولم تُلمحْ خُطاهُ بدربِ
إن اسم (غارسيا) يحيل، في سياق الأندلس والرصاص والغياب، إلى ذاكرة الشاعر الإسباني فيديريكو غارسيا لوركا، وإلى المصير العنيف الذي ارتبط به في الحرب الأهلية الإسبانية. وهذه الإحالة ليست مجرد استحضار لسيرة شاعر، بل هي نقطة ارتكاز تتحول عندها القصيدة من خطاب في جمال المدينة إلى خطاب في استهداف الصوت الشعري نفسه.
واللافت أن النص لا يصرح بمشهد الموت، وإنما يكتفي بالغياب: (ما عاد ثانية)، و(لم تلمح خطاه). إن الغياب هنا أكثر اتساعًا من الخبر المباشر؛ فهو يترك الموت محتملًا، ويجعل عدم العودة علامةً مفتوحة على القتل أو الاختفاء أو انقطاع الطريق.
لكن ما الذي يجعل استحضار غارسيا ضروريًا داخل قصيدة عن باريس؟
الجواب أن غارسيا يؤدي وظيفة الوصلة بين الشعر والتاريخ. إنه الشاعر الذي لا يمكن فصل مصيره عن العنف السياسي، وبذلك يفضح هشاشة التصور الذي يجعل الجمال ملاذًا كافيًا للإنسان.
فالفن يستطيع حفظ الذاكرة، لكنه لا يستطيع ضمان سلامة الفنان؛ والشعر يستطيع أن يواجه النسيان، لكنه لا يمنع بالضرورة وقوع المأساة.
ويقول النص:
(قالوا: تورَّطَ بالحدوسِ وقيلَ: بل هو كانَ منشغلًا بحلمٍ صعب)
يتوزع الغياب بين روايتين: التورط في الحدوس، والانشغال بحلم صعب.
وهذا التوزع ليس مجرد اختلاف في تفسير المصير بل يكشف آلية اجتماعية في التعامل مع الغائب؛ إذ تحاول الجماعة إنتاج تفسير لما لا تستطيع استعادته.
فالحدوس، بما تحمله من إيحاءات المعرفة غير المألوفة، تجعل الغائب متورطًا في شيء يتجاوز الواقع المباشر، بينما يجعل (الحلم الصعب) مصيره مرتبطًا بإمكان لم يتحقق. وفي الحالتين، لا يفسر الكلام الغياب بقدر ما يضاعف المسافة بين الحقيقة وما يمكن قوله عنها.
ومن المهم هنا ألا نختزل الصورتين في حقيقة تاريخية واحدة ،فالنص لا يقدم تحقيقًا في مصير غارسيا بل يبني خطابًا شعريًا عن استحالة استعادة الغائب وعن تعدد التأويلات التي تحيط بمصيره.
ثم يطرح السؤال:
(هل يعرفُ الجنرالُ عنوانَ الشحاريرِ التي سكرتْ بغصنٍ رطبِ؟)
هذا السؤال هو من أكثر مواضع القصيدة دلالةً على صراعها الداخلي. فالجنرال يمثل سلطةً قادرة على فرض الخوف وتحديد المصائر، في حين تمثل الشحارير كائنات صغيرة تغمرها نشوة الغصن الرطب.
إن المواجهة ليست بين قوتين متكافئتين؛ إنها بين سلطة تعرف كيف تستعمل العنف، وكائنات لا يبدو أنها تمتلك سوى الحياة والغناء.
لكن السؤال لا يتعلق بمعرفة العنوان الجغرافي وحده.
فـ(عنوان الشحارير) يمكن أن يُقرأ بوصفه سؤالًا عن قدرة السلطة على فهم عالم الجمال الذي لا يخضع لمنطقها.
هل يعرف الجنرال مكان الطيور؟ وهل يستطيع أن يدرك طبيعة نشوتها؟ وهل يمكن للسلطة أن تستوعب معنى الحياة التي لا تبحث عن غاية سياسية، وإنما عن غصن رطب وحيز صغير للغناء؟
إن فعل (سكِرت) ينقل الطيور إلى حالة من الانتشاء، في حين يضعها (الغصن الرطب) داخل عالم حسي يتناقض مع جفاف العنف. فالبلل هنا ليس تفصيلًا نباتيًا فحسب، بل علامة على استمرار الحياة في فضاء يتهدده الرصاص.
ومع ذلك، لا ينبغي المبالغة في تحويل كل مفردة إلى رمز سياسي مغلق.
قوة الصورة تكمن في بقائها صورةً حيةً للطيور، وفي الوقت نفسه قابلةً لأن تُقرأ بوصفها تمثيلًا للشعراء والمهمشين والكائنات التي تسعى إلى الحياة خارج إرادة الجنرال.
النص الأصلي
( شَيْخُ باريس)
الشيخُ ( بيكاسُو ) أعارَ بياضَهُ لِحمامةٍ
وُلِدَتْ بآخِرِ حَرْبِ
إذْ قالَ والأعوامُ تَمْلَأُ رأسَهُ
والأمْسُ هَبَّ عليهِ أيَّ مَهَبِّ
: يا لَيْلَ باريسَ القصيرَ ،
( ألا انجَلِ )
عنْ صُبْحِ عاصمةٍ تنامُ بِقُرْبي
فيها النساءُ الشِّعْرُ ،
كُلُّ نَبِيَّةٍ
بُعِثَتْ تُبَشِّرُ بالجَمالِ الرحْبِ
وبِها العُيونُ البحْرُ والخُلْجانُ
حيثُ عَثَرْتُ مُفتَتِنًا
بأوَّلِ هُدْبِ
فيها احتمالاتٌ لِوَرْدٍ قادمٍ سيَضُوعُ
لَمْ يُفجَعْ بِلحظةِ جَدْبِ
كَمْ قالَ لِلشعراءِ
حِينَ تَذوَّقُوا طُرُقاتِها
: مَجدًا لَكُمْ مِنْ صَحْبِ
أنتُمْ أدِلّاءُ الطُيورِ إلى غَدٍ
والواعِدُونَ الذكرياتِ بِشَطْبِ
****
باريسُ ,
يا صَحنَ المَواعيدِ امنحيني مَوعدًا
عِندَ احتفالِ الشَّيْبِ
هذا أنا طفلٌ لَدَيْكِ
فحاولي أن تَفهميهِ
وعانقِيهِ بِحُبِّ
سأقولُ عنكِ حبيبتي مُتَهَجِّدًا
ما لَمْ يَقُلْهُ يَسُوعُ قَبْلَ الصَّلْبِ
أنا فيكِ قِدِّيسٌ يُحِبُّ ذُنوبَهُ
كُوني على شفتَيهِ أجْمَلَ ذَنْبِ
غادرْتُ أندَلُسَ اليَمامِ
وكانَ مُرتاعًا بها
سِرْبًا يَلُوذُ بِسِرْبِ
لَمْ يكْتشِفْني الحارسُ الليليُّ حِينَ مَرَرْتُ
والأضواءُ تَملأُ قلبي
لا وقْتَ كيْ يتأكَّدَ الفقراءُ فيها
مِنْ مَواقيتِ الشُّرُوقِ العَذْبِ
فتَداولُوا أقدامَهُمْ في لَيلةٍ
والأفْقُ يحتضِنُ الرصاصَ بِرُعْبِ
لكنَّ (غارِسْيا ) الفَتى ما عادَ ثانيةً
ولَمْ تُلمَحْ خُطاهُ بِدَرْبِ
قالُوا : تَورَّطَ بالحُدُوسِ
وقِيلَ : بَلْ هُوَ كانَ مُنشَغِلًا بِحُلْمٍ صَعْبِ
هَلْ يَعرِفُ الجَنرالُ
عُنوانَ الشَّحاريرِ التي سَكِرَتْ
بِغُصْنٍ رَطْبِ ؟
****
باريسُ قُدّاسُ اخضرارٍ
لوْ يضيعُ
لِمَنْ ستَلْجَأُ أرمَلاتُ العُشْبِ ؟
هيَ لَوْحَةٌ فَرِحَتْ بِلَمْسِ أصابعي
كقصيدةٍ تَتزَوَّجُ المُتَنَبِّي
...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي