مقالات ادبية واجتماعية وفنية
د. بشرى اقليش
كاتبة وباحثة | مغربية
آمن المفكر "محمد عابد الجابري"، بدور ابن خلدون التجديدي ومساهمته في تجاوز واقع النكبة التي عاشها الفكر العربي نتيجة عوامل عدة؛ فالنزعة الواقعية التي طبعت فكره، يؤكد ناقد العقل العربي، نزعة إصلاحية انسجمت مع نزعة عقلانية ميزته، خاصة في مقاربته لأبرز الإشكاليات التي واجهت العقل العربي- سؤال النقل والعقل مثلا- فهو لم يرفض النبوة وإمكانية إدراك الغيب باعتبارهما "عطاء إلهيا خاصا"، ولم ينكر دور العقل. فهذا الأخير له مجاله، وللوحي ميدانه، وهما لا يتعارضان إلا حين يتعدى أحدهما نطاقه ويدخل في نطاق اختصاص الآخر. يقول محمد عابد الجابري بهذا الصدد:"إن عقلانية ابن خلدون على الرغم من إيمانه بالنبوة والوحي، ذات جوانب إيجابية هامة. لقد انتقد العقل وأعلن عن إبطال الفلسفة وفساد منتحلها، ولكنه لم ينح منحى الغزالي الذي أقام المعرفة الصوفية مقام المعرفة العقلية، وأحل التصوف محل النظر العقلي، ولم يسلك مسلك ابن تيمية الذي هدم المنطق لحساب نزعة حسية مفرطة، ورفض التأويل العقلي لحساب تمسك بالنص شديد. بل إن "ابن خلدون"، حينما يعلن أن البحث في ماوراء الطبيعة لا يجدي، عمل في الوقت ذاته على توسيع دائرة عمل العقل في ميدان الطبيعة ميدان العمران الأرحب. وهكذا، إذا كانت الفلسفة قد فشلت في مهمتها، مهمة البحث في الوجود بما هو موجود، البحث في المبادئ الأولى والغايات القصوى، فإن هذا لا يعني إخفاق العقل، واستحالة العلم، بل يعني فقط أن المهمة كانت فوق طور العقل البشري وتتعدى إمكانياته وتتجاوز حدوده. ومن ثمة فإن المهمة الحقيقية للفكر، وبالتالي للفلسفة هي البحث في ماهو موجود وقابل للمشاهدة، أي في ذلك الموجود الكلي ظواهره وأعراضه الذاتية، وليس هذا الموجود الكلي إلا العمران البشري. وبهذا يكون ابن خلدون قد أنزل الفلسفة من سماء العقول الفلكية إلى أرض العمران، أرض الإنسان والاجتماع الإنساني ". ثم سيخلص "محمد عابد الجابري" بعد هذا القول إلى أن "ابن خلدون" كان واقعيا، حينما حول البحث من وراء الطبيعة إلى طبيعة العمران، كان واقعيا عندما أدرك أن المشكل الحقيقي الذي تعانيه الأمة هو"مشكلة الحكم"، واتجه نحو العمران، متجاوزا بذلك الخلافات الدينية القديمة حول الخلافة وتوابعها، لينظر إلى شؤون الحكم والاجتماع نظرة علمية. فالخلاف حول الخلافة انتهى لأن دواعيه زالت بزوال الخلافة ذاتها، وانتهى الجدال في أمور العقيدة(ذات الله وصفاته) لأن علم الكلام قد انتهت مهمته بانقراض الملحدة والمبتدعة، كما توقفت المناظرات الفقهية، بعد اكتمال المذاهب واستقرارها، لكن الشيء الذي لم يستقر فهو الحكم، من هنا كانت دعوته لضرورة استنطاق الماضي والحاضر، بغية الوقوف على العوامل التي كانت وراء قيام الدول وسقوطها. هذه الخطوة يراها الجابري خطوة تجديدية، إنها رؤية جديدة لأسباب النكبة وسبل تجاوزها، فعلى خلاف جل المفكرين والفلاسفة الغرب والمسلمين، انطلق ابن خلدون نحو إنشاء وإرساء دعائم نظرة سوسيولوجية إن جاز القول.ليجعل من التاريخ نقطة بداية المشروع الخلدوني الذي سينتهي بعلم العمران، وهو العلم الذي سيجمع بين ثناياه مقومات الدراسة النقدية للتاريخ، وآليات البحث السوسيولوجي.
ولأهمية التاريخ سينطلق ابن خلدون في مشروعه الفكري/التجديدي من التاريخ، لفهمه وأخذ العبر، واقفا في الآن ذاته عند طبيعة العمران. لهذا فعلم التاريخ الخلدوني ليس سردا لأحداث مضت وانقضت، بل هو وقفة تأمل للوقوف على أخطاء المؤرخين، والاعتبار وتحليل الحاضر تحليلا موضوعيا، ومن ثمة استشراف المستقبل. يقول ابن خلدون في مقدمته:"اعلم أن فن التاريخ فن عزيز المذهب جم الفوائد شريف الغاية إذ هو يوقفنا على أحوال الماضين من الأمم في أخلاقهم، والأنبياء في سيرهم، والملوك في دولهم وسياستهم، حتى تتم فائدة الاقتداء"
استوعب ابن خلدون إذن إشكالية عصره، إنه ذاك الكم من التزييف الذي طال الأحداث وشوه الوقائع، وجعل من التاريخ صناعة تابعة لأجهزة الدول القائمة. وإذا كانت الصراعات السياسية العنوان الأبرز لتاريخ الأمة، فإن ابن خلدون سيعي خطورة ما تعيشه الأمة من انحطاط فكري نتيجة تراجع ما سماه"فن التاريخ". وهكذا، يقول محمد عابد الجابري، أصبح التاريخ الذي أريد منه أن يكون شاهدا، أصبح متهما، وأحداث الماضي التي أريد منها أن تكون معينة على فهم الحاضر ومشاكله أصبحت هي ذاتها تطرح مشاكل يجب أن يبحث لها عن حل. فقد اكتشف ابن خلدون الحوار الجدلي القائم أبدا بين الماضي والحاضر، ومن هنا قفزت إلى وعيه تلك الملاحظات التي كانت تختزن في ذهنه أثناء تجربته السياسية والاجتماعية، وهي الملاحظات التي ستتبلور لتصبح نظريات اجتماعية وسياسية عظيمة، ستلهمه لإرساء دعائم علم جديد، إنه علم العمران.
كانت خطوة "ابن خلدون" هذه حسب "محمد عابد الجابري"،نقلة إبيستيمولوجية في مجال علم التاريخ عبر الانتقال به من السرد إلى النظر والتعليل. لذلك كان لابد في ميدان الكتابة التاريخية من"تمحيص الأخبار"، من خلال عرضها على"طبائع العمران". لقد جعل ابن خلدون من التاريخ "علما يرتفع بالتاريخ من مجرد سرد أخبار عن الأيام والدول والسوابق من القرون الأول تنمو فيها الأقوال وتضرب بها الأمثال، إلى ممارسة علمية قوامها نظر وتحقيق وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق".
...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي