مقالات ادبية واجتماعية وفنية
د. نداء يونس
كاتبة وباحثة | فلسطينية
تكشف مظاهرات باريس، وما سبقها من احتجاجات شبابية في دول مثل نيبال وإندونيسيا والفلبين ومدغشقر والمغرب، عن ظاهرة "طريفة" تتمثل في ارتداء المتظاهرين أزياء شخصيات الأنمي والأبطال الخارقين، أو رفع أعلام مستوحاة من عوالم كرتونية، في تحوّل يستحق القراءة بوصفه صراعًا على المعنى، وعلى الخيال، وعلى من يمتلك الحق في تعريف الواقع وتحديد ما هو ممكن داخله.
فخلال احتجاجات فرنسا في أكتوبر 2026، ظهرت شخصيات مثل لوفي من One Piece، وغوكو من Dragon Ball، وناروتو، وباتمان، وكابتن أمريكا، إلى جانب رموز أخرى من الثقافة الشعبية. ولم تكن هذه الإشارات معزولة عن سياق الاحتجاج؛ فقد تزامنت مع تحركات شبابية على خلفية غلاء المعيشة وأوضاع المدارس والتفاوت الاجتماعي. والسؤال الأهم هنا ليس: لماذا يرتدي الشباب أزياء شخصيات خيالية؟ بل: كيف تحوّلت شخصيات صُنعت للترفيه إلى أدوات رمزية لمواجهة السلطة في الواقع؟ ولماذا قد يقلق ذلك السلطة أكثر مما يقلقها شعار سياسي تقليدي؟ تنفتح هذه الأسئلة على السيميائيات، ونظريات الهيمنة، وسياسات الثقافة الرقمية، وعلاقة القوة بالخيال الجماعي.
من الشاشة إلى الشارع
في التحليل السيميائي، لا نتعامل مع العَلَم أو القناع أو الزي باعتباره شيئًا ماديًا فقط، بل منتجًا للمعنى، تستدعي به هذه الأشياء شبكة من القيم والذكريات والانفعالات. فعندما يرفع متظاهر علمًا حزبيًا، فإنه يعلن غالبًا انتماءً سياسيًا معروفًا. أما حين يرفع علم طاقم قبعة القش من One Piece، فهو يستدعي عالمًا سرديًا كاملًا من الحرية، والصداقة، والوفاء، والتمرد على الظلم، ومواجهة الحكام الفاسدين. وبالاستناد إلى ثنائية فرديناند دو سوسير، يمكننا التمييز بين الدال، أي الصورة المرئية، مثل الجمجمة المبتسمة التي ترتدي قبعة القش، أو قناع باتمان، أو زي لوفي؛ والمدلول، أي الحرية والشجاعة والعدالة والتضامن ورفض الاستبداد. ويضاف إليهما المرجع السياسي، أي الواقع الذي يريد المتظاهرون إعادة تفسيره من خلال هذه الرموز. ثم يأتي رولان بارت، خصوصًا في كتابه “أسطوريات“، ليبيّن أن العلامة (الدال والمدلول معًا) قد تتحول في مستوى ثانٍ إلى دالّ جديد ينتج “أسطورة“، أي نظامًا ثقافيًا يجعل المعنى يبدو طبيعيًا وبديهيًا.
لكن ما يحدث في الشارع يضيف مستوى آخر، هو تحويل العلامة إلى فعل. فالمتظاهر لا يكتفي بمشاهدة لوفي وهو يواجه سلطة ظالمة داخل عالم خيالي، بل يرتدي زيه، ويرفع رايته، ويخرج إلى الشارع، ما يعيد تمثيل القيمة التي يربطها بالشخصية داخل واقع مختلف تمامًا. فالشخصية لم تخرج حرفيًا من الشاشة؛ بل خرج معناها، عبر جسد المتظاهر وحركته وموقعه في الفضاء العام. وهنا تكمن أهمية التحول، فلم يعد الخيال شيئًا يستهلكه الفرد في عزلته، بل أصبح مادة لبناء هوية احتجاجية مشتركة.
لماذا لوفي تحديدًا؟
لفهم هذه الظاهرة، ينبغي أن نتوقف عند شخصية لوفي، بطل One Piece، لا باعتباره شخصية كرتونية محبوبة فحسب، بل باعتباره نموذجًا سرديًا يتيح للشباب تخيّل علاقة مختلفة بين الفرد والسلطة. ففي عالم المسلسل، يواجه لوفي وطاقمه سلطات فاسدة، ونظمًا للقهر، وممارسات تقوم على الاستعباد والتمييز، ويخوضون معارك لتحرير جماعات واقعة تحت الظلم. ولهذا اكتسب علمهم دلالات تتجاوز الانتماء إلى جمهور المسلسل، وأصبح يُستخدم في احتجاجات شبابية دولية بوصفه رمزًا للحرية والتضامن ومقاومة الاستبداد. لكن ماذا يحدث عندما ينتقل هذا الرمز إلى الشارع؟ يمكن قراءة ذلك من خلال ثلاثة مفاهيم.
أولها القوة بوصفها قدرة على التحرر. ففي المنظور السياسي التقليدي، ترتبط القوة بالجيش والشرطة والمؤسسات والموارد الاقتصادية، لكن عالم الأنمي يقدم صورة أخرى: قوة الجماعة المتضامنة، والإرادة، والقدرة على تحدي خصم يبدو أقوى منها ماديًا. وهذه الصورة تمنح الشاب لغة بديلة للتعبير عن عجزه الواقعي؛ فقد لا يستطيع تغيير قرار حكومي بمفرده، لكنه يستطيع أن يعلن انحيازه إلى قيم يرى أنها أقوى أخلاقيًا من أصحاب القرار. وثانيها إعادة تعريف الشر. ففي القصص الخيالية يكون الشر في كثير من الأحيان ظاهرًا: طاغية، أو مؤسسة فاسدة، أو قوة تسلب الآخرين حريتهم. أما في الواقع، فالظلم أكثر تعقيدًا، إذ يمكن أن يُقدَّم القرار غير العادل بوصفه ضرورة اقتصادية، أو إجراءً أمنيًا، أو تضحية لا بد منها. وهنا تؤدي القصة وظيفة نقدية، إذ تمنح الشباب مخططًا أخلاقيًا يساعدهم على طرح أسئلة عن الفساد والتمييز والعدالة، حتى عندما تكون هذه القضايا متشابكة في الواقع. وثالثها تحويل القوة الفردية إلى قوة جماعية. فلوفي ليس مجرد بطل خارق منفرد؛ الطاقم جزء أساسي من حكايته. وهذه نقطة سيميائية مهمة: رمز القبعة أو العلم لا يشير إلى شخص واحد، بل إلى “جماعة متخيَّلة“ بالمعنى الذي استخدمه بنديكت أندرسون، تتجاوز حدود الدولة واللغة والجغرافيا. وهكذا يصبح رفع العلم إعلانًا ضمنيًا: لسنا أفرادًا متفرقين، بل نستطيع أن نتعرّف إلى بعضنا عبر قيم مشتركة. وبالطبع، لا يعني ذلك أن كل من يرفع العلم يتبنى برنامجًا سياسيًا متكاملًا أو يفسّر المسلسل بالطريقة نفسها؛ فقوة الرمز تأتي جزئيًا من قابليته لتجميع أشخاص مختلفين حول معنى واسع، وهنا تكمن خطورته وميزته.
إعادة توظيف الواقع البديل
لعقود، تعاملت صناعات الترفيه الرقمية مع الشباب بوصفهم جمهورًا مفعولًا به، في عصر وصفه آلان دونو بـ"نظام التفاهة“، حيث يسود التسليع والتهجين الثقافي. لذلك تعمل مختلف الجهات على استقطابه وتوجيه استهلاكه. وعليه، تشارك الألعاب، والأنمي، والمنصات الاجتماعية، والشخصيات الافتراضية، في بناء عوالم يعيش فيها المستخدم انفعالات قوية، ويكوّن صداقات وانتماءات، ويختبر إحساسًا بالقدرة والإنجاز، بعيدًا عن الواقع. وهنا ينبغي التمييز بين السلطة السياسية، والسلطة الاقتصادية للمنصات، والهيمنة الثقافية؛ فليست هذه الجهات سلطة واحدة متجانسة، ولا يوجد ما يكفي لافتراض وجود خطة موحّدة تتعمد إغراق الشباب في الخيال لإبعادهم عن السياسة. مع ذلك، يمكن تحليل أثر هذه المنظومة من خلال مفارقة واضحة؛ فقد يوفّر الترفيه ملاذًا نفسيًا من البطالة، والتفاوت، وانسداد الأفق، والأزمات السياسية، وقد تحوّل الصناعات التجارية هذا الملاذ إلى استهلاك مستمر تُقاس قيمته بوقت المشاهدة والتفاعل والمبيعات، لكن القصص نفسها قد تمنح الشباب مفردات أخلاقية ورموزًا مشتركة يستخدمونها لاحقًا في نقد الواقع الذي يعيشونه. إذن، ليست النتيجة أن الترفيه ينجح في تخدير الشباب ثم يفشل ببساطة؛ الأصح أن الفضاء الذي يُنتج للاستهلاك يمكن أن يتحول إلى فضاء لإنتاج المعنى والمقاومة، وهذا ما يجعل العلاقة بين الثقافة والسلطة علاقة متناقضة، لا علاقة سيطرة كاملة.
من غرامشي إلى الشارع
يقدّم أنطونيو غرامشي مفهوم الهيمنة الثقافية لفهم كيف تستمر علاقات القوة، ليس بالإجبار وحده، بل أيضًا عبر جعل تصورات معينة عن العالم تبدو طبيعية ومقبولة. فالهيمنة لا تقول للناس “أطيعوا" فقط؛ إنها تسهم في تحديد ما يعتبرونه ممكنًا ومعقولًا وواقعيًا، وما يعتبرونه ضربًا من الخيال. فعندما يقتنع الشاب بأن السياسات الاقتصادية لا يمكن تغييرها، أو أن صوته لا قيمة له، أو أن البدائل السياسية مستحيلة، فإن الهيمنة تعمل على مستوى أعمق من القانون؛ إنها تضيّق حدود الممكن في مخيلته. لكن ماذا لو كانت القصص التي يشاهدها تقول له إن السلطة ليست معصومة، وإن المؤسسات قد تفسد، وأن الجماعات الصغيرة يمكنها تحدي القوى الكبرى؟ من الجدير ذكره أن مشاهدة هذه القصص لا تؤدي تلقائيًا إلى الوعي السياسي، غير أنها قد توفر مادة ثقافية يمكن إعادة توظيفها عندما تتقاطع مع تجربة اجتماعية مؤلمة أو شعور متراكم بالظلم. وبهذا المعنى، لا يخرج الشاب من عالم الخيال بالضرورة هاربًا من الواقع؛ فقد يخرج منه حاملًا تصورًا بديلًا عنه.
من الهيمنة إلى “الثقافة المضادة“: المن لحق في تعريف الواقع؟
يمكن هنا الاستفادة من مفهوم “الاستحواذ على العلامة“ أو إعادة ترميزها، كما تناولته دراسات الثقافات الفرعية عند ديك هيبديج، وكما تصوّره أمبرتو إيكو في فكرة “حرب العصابات السيميولوجية“. فالرمز الذي يُنتَج داخل صناعة تجارية عالمية لا يبقى ملكًا لمعناه التسويقي وحده عندما يستخدمه الجمهور في سياق احتجاجي. يقدم علم One Piece مثالًا واضحُا، فهو في الأصل علامة مرتبطة بعمل ثقافي تجاري، لكنه حين يظهر وسط متظاهرين يكتسب إحالات سياسية جديدة.
تطرح هذه الظاهرة سؤالًا عن كيفية تغيّر وظيفة الرمز، إذ يمكن الحديث عن مراحل: تشكل السلعة الثقافية المرحلة الأولى، حيث تُقدَّم الشخصية بوصفها مادة للترفيه والاستهلاك وبناء هوية المعجب؛ ثم تأتي العلامة المشتركة مرحلةً ثانية، حيث يصبح الرمز لغة يفهمها الشباب وتختصر معاني الانتماء والتضامن والرفض؛ وينتقل الرمز في مرحلة ثالثة إلى الفعل السياسي، حيث ينتقل المعنى من الاستهلاك إلى إنتاج المعنى والفعل عبر الجسد: الجسد في الشارع، والعَلم في المجال العام، والصورة المنتشرة عبر الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي.
ومن هنا، يمكن ربط هذا التحول بمفهوم “التكتيكات“ عند ميشيل دي سيرتو في “ابتكار الحياة اليومية“، حيث يستخدم الأفراد، وهم الطرف الأضعف، منتجات الثقافة السائدة بطرق لم تُصمَّم أصلًا من أجلها، فيعيدون تشكيل وظيفتها ومعناها، في مقابل “الاستراتيجيات" التي تمتلكها المؤسسات القوية. كما يمكن الاستفادة من فكرة “تعدد التأويلات" عند ستيوارت هول في نموذج “التشفير وفك التشفير“؛ فالمنتج الثقافي لا يضمن استجابة واحدة، ولا يستطيع صانعوه التحكم الكامل في الطريقة التي سيقرأه بها الجمهور. وهنا تصبح المسألة سياسية: من يملك حق تفسير الرمز؟ هل تحدده الشركة المنتجة؟ أم الدولة؟ أم جمهور المعجبين؟ أم المتظاهرون الذين يضعونه داخل سياق جديد؟ فعلى الرغم من أن السلطة قد تمتلك أدوات إنتاج الخطاب الرسمي، فإنها لا تملك بالضرورة السيطرة الكاملة على المعنى الذي ينتجه الناس من مواد الثقافة اليومية.
لماذا تخشى السلطة هذا النوع من المقاومة؟
الخطر المحتمل أعمق من مسألة هل الرمز أقوى من السلطة؛ فهناك خطورة أن يفقد الخطاب الرسمي احتكاره لتعريف البطولة والشرعية والعدالة، ولتحديد من هي السلطة الفعلية. ويمكن تفسير ذلك عبر أربعة مستويات مترابطة. أولها تفكيك احتكار الشرعية الرمزية؛ فالمؤسسات السياسية تسعى عادة إلى تقديم نفسها باعتبارها الضامن للنظام والاستقرار والمصلحة العامة، لكن المتظاهر حين يستدعي شخصية تحارب الظلم، يطرح ضمنيًا سؤالًا عن علاقة السلطة بالظلم والعدالة: هل كل ما تفعله الدولة مشروع لمجرد أنها الدولة؟ والرمز لا يجيب عن هذا السؤال وحده، لكنه يجعله مرئيًا وقابلًا للتداول. وثانيها تجاوز الحدود الوطنية؛ فقد ظهر علم One Piece في احتجاجات شبابية في إندونيسيا ونيبال والفلبين ومدغشقر وفرنسا وغيرها خلال موجات 2025، ثم عاد إلى واجهة الاحتجاجات الفرنسية في 2026. ولا يعني هذا أن هذه الحركات متطابقة أو أن أسبابها واحدة، لكنه يبيّن كيف تستطيع علامة ثقافية مشتركة أن تنتقل بين مجتمعات مختلفة، وأن تخلق قابلية للتعرّف المتبادل خارج الرموز الحزبية والوطنية التقليدية. وثالثها كسر الحدود بين المشهد الواقعي والخيالي؛ فالاحتجاج لا ينتهي بانتهاء الحدث الاحتجاجي، إذ يمكن لصورة واحدة لعلم أو زي غير مألوف أن تنتشر على المنصات، وتُعاد صياغتها في مقاطع ساخرة وميمات، ثم تصل إلى أشخاص لم يشاركوا في التظاهرة أصلًا. وبذلك يصبح الشارع مصدرًا للصور، وتصبح المنصات امتدادًا للمجال العام، بالمقابل، تتغير سرعة انتشار الرسالة، والجهات القادرة على إنتاجها، والجمهور الذي يصل إليها. ورابعها صعوبة السيطرة على معنى الاحتجاج؛ فقد تتمكن السلطة من منع تجمع، أو إزالة لافتة، أو إغلاق موقع، لكن يصعب عليها أن تتحكم بالكامل في شبكة المعاني التي أنتجتها صورة انتشرت بالفعل.
والأهم أن الرمز قد يجمع أشخاصًا لا يتفقون على حزب أو قيادة أو برنامج سياسي، لكنهم يتشاركون رفضًا معينًا، وهذا يمنح الاحتجاج قابلية للانتشار، وإن كان يجعل بناء تنظيم سياسي مستدام أكثر صعوبة. ومن منظور الهيمنة، فإن التحدي لا يقتصر على مطالبة الحكومة بتغيير سياسة معينة، بل قد يصل إلى التشكيك في التصنيفات التي تستخدمها السلطة لتبرير سياساتها: فمن هو المواطن المسؤول؟ ومن هو المتمرد؟ وما الذي يُعدّ نظامًا؟ وما الذي يُعرَّف باعتباره فوضى؟ لكن من الضروري عدم المبالغة: فالرمز الاحتجاجي ليس دليلًا بذاته على أن الهيمنة انهارت، ولا أن رفع علم كرتوني يؤدي بالضرورة إلى تغيير سياسي. إنه مؤشر على أن معركة المعنى أصبحت جزءًا من معركة القوة، على الأقل ببعدها السيميائي، حيث يمتلك المحتجون قدرة مماثلة لقدرة السلطة على إعادة تسمية الأشياء ومنح معانٍ جديدة للدوال القائمة، أو بمعنى فوكوي شعري: إعادة تعيين العلاقة بين الكلمات والأشياء.
احتواء أو محاربة؟
هنا نصل إلى سؤال أدوات المواجهة. الدول – من جانبها -لا تمتلك دليل استجابة واحد، لكن من منطلق علوم الاتصال، يمكن تصور مجموعة من الآليات التي قد تستخدمها السلطات في التعامل مع حركات احتجاجية مثل هذه. في البداية، ستذهب السلطات إلى محاولة نزع الشرعية عن المتظاهرين عبر اختزال الاحتجاجات في أعمال التخريب، أو وصفها بأنها فوضى يقودها مراهقون غير ناضجين، أو أنها ترتبط بالمهاجرين، بدلًا من مناقشة مطالبها الاجتماعية. ففي فرنسا، برز بالفعل خلاف حول تصوير الاحتجاجات الطلابية باعتبارها عنفًا واضطرابًا ويقودها لاجئون، في مقابل تأكيد المحتجين أن مطالبهم تتعلق بالتعليم واللامساواة وتكاليف المعيشة، وهذا ما ذهبت إليه تصريحات ألمانية رسمية تخشى انتقال الاحتجاجات إليها. وإضافة إلى ذلك، ستلجأ السلطات إلى تغيير إطار النقاش، لينتقل من سؤال: لماذا يحتج هؤلاء؟ إلى سؤال: كيف نعيد النظام؟
وبعد ذلك، ستعمد السلطات إلى تحويل المسألة السياسية إلى مسألة أمنية، إذ ستتجه الاستجابة إلى الاعتقالات، والقيود على التجمع، والتدخل الشرطي، بدلًا من فتح قنوات تفاوض فعالة. وفي هذه الحالة، يصبح الشارع ساحة لإظهار قدرة الدولة على فرض النظام. لكن الإفراط في القوة قد ينتج أثرًا معاكسًا، فصور الإصابات أو الاعتقالات قد تزيد التعاطف مع المتظاهرين وتمنح الحركة مادة إضافية للتعبئة، وقد وثقت تقارير حديثة انتقادات لاستخدام القوة في احتجاجات الطلاب بفرنسا. والمفارقة هنا أن الدولة قد تسعى إلى استعادة الهيبة بالقوة، فتتحول ممارستها للقوة نفسها إلى موضوع جديد للاحتجاج. والأخطر من ذلك أن السلطة قد تلجأ إلى السخرية من الرمز وتفريغه من معناه، فتقدّم المتظاهرين بوصفهم أشخاصًا يلعبون أو يقلدون الرسوم المتحركة، وكأن ارتداء زي لوفي ينفي القدرة على التفكير السياسي. لكن هذه القراءة قد تفشل في فهم أن الفكاهة والكارتون ليست نقيضًا للسياسة؛ فهي قد تخفف الخوف، وتخلق شعورًا بالانتماء، وتجعل نقد السلطة أكثر قابلية للتداول. ومع ذلك، ليس كل زي أو ميم رسالة مقاومة عميقة؛ فقد تكون بعض المظاهر استعراضية أو ساخرة فحسب، وقد تتعايش الدوافع المختلفة داخل التظاهرة نفسها.
ومن ثم، قد تعمل السلطة على استيعاب الرمز داخل الثقافة التجارية، فتحوّل الرمز الثائر إلى منتج تجاري، أو حملة تسويقية، أو صورة قابلة للبيع. وهكذا يمكن إعادة توجيه الانتباه من السؤال السياسي إلى الاستهلاك - رغم أن الاستيعاب التجاري لا يمحو بالضرورة المعنى الاحتجاجي؛ فالرمز قد يحمل المعنيَين في الوقت نفسه، وهذه إحدى نقاط قوة الثقافة الجماهيرية وضعفها معًا. وأخيرًا، قد تذهب السلطات إلى إدارة المجال الرقمي والتأثير في انتشار المحتوى من خلال سياسات الإشراف، أو ترتيب المحتوى، أو القيود القانونية، أو المراقبة الرقمية، بحسب السياق. غير أن انتشار الرمز عبر منصات وشبكات متعددة يجعل السيطرة عليه أكثر تعقيدًا. ومن المهم أيضًا أن نميّز بين الأدوات القمعية، التحريض الخارجي كما في خطاب ترامب حول فتح الحدود للمهاجرين، وبين الاستجابة السياسية المشروعة: الحوار مع الطلاب، ومعالجة مشكلات التعليم، وتحسين الخدمات، وحماية الحق في التظاهر السلمي، كلها وسائل قد تقلل أسباب الاحتجاج دون تجريم رموزه أو شيطنة المشاركين فيه.
الأبطال الخياليون وتشكيل الواقع
يمكن فهم هذه العملية عبر مفهوم "الأداء" في النظرية الاجتماعية والثقافية، كما صاغه إرفينغ غوفمان في تحليله للحياة اليومية، وجوديث بتلر في حديثها عن الهوية بوصفها أداءً متكررًا: فالأشخاص لا يعبّرون عن هوياتهم بالكلمات فقط، بل يجسدونها في الملابس والحركات والأعلام وطريقة احتلال الفضاء العام. وعندما يرتدي شاب زي لوفي، فهو لا يغيّر الواقع بمجرد ارتدائه، لكن حين يخرج بهذا الزي ضمن جماعة، ويستخدمه للتعبير عن موقف، ثم تنتشر صورته وتصبح موضع نقاش، فإنه يشارك في إنتاج مشهد سياسي جديد. ومن المهم التأكيد على أن الخيال لا يحل محل الواقع، بل قد يغيّر الأدوات التي يفهم الناس الواقع من خلالها، ويمنحهم مفردات لتخيله بصورة مختلفة. لكن الانتقال من الرمز إلى التغيير المؤسسي يحتاج إلى ما هو أبعد من الصورة، أي ضرورة وجود مطالب واضحة، وتنظيم، وتحالفات، ومشاركة مستدامة، وقدرة على التفاوض ومحاسبة السلطة.
القوة الحقيقية لجيل زد
لا أعتقد أن المسألة يمكن اختزالها في أن جيل زد أكثر شجاعة أو أكثر ثورية من الأجيال السابقة. الأهم أن هذا الجيل يتحرك في بيئة إعلامية مختلفة، حيث يمكن للصورة الساخرة أن تنتشر أسرع من البيان السياسي، وحيث تستطيع شخصية خيالية أن تصبح نقطة التقاء لأشخاص لا تجمعهم لغة سياسية واحدة. وتتجلى هذه القوة في ثلاثة أبعاد: القوة العاطفية، حيث تجعل القصة مفاهيم مثل العدالة والظلم محسوسة لا مجرد مفاهيم نظرية؛ والقوة الاتصالية، حيث يختصر الرمز البصري رسالة معقدة في صورة يسهل تداولها والتعرف إليها؛ والقوة التخيلية، التي تتيح للشباب تصور عالم لا تكون فيه السلطة القائمة المرجع الوحيد لتعريف الممكن والمستحيل. لكن هناك خطرًا مقابلًا يتمثل في أن يطغى المشهد البصري على المطالب، وأن يتحول الاحتجاج إلى محتوى يستهلكه الجمهور، أو أن يصبح الرمز بديلًا من التنظيم والعمل السياسي. فقد تؤدي سهولة الانضمام عبر الرموز المشتركة إلى اتساع الحركة، لكنها لا تضمن وحدتها أو استمراريتها، ولهذا لا ينبغي أن نخلط بين نجاح الصورة ونجاح الحركة، ولا بين الانتشار الرقمي والتحول السياسي.
الصراع على الواقع يبدأ أحيانًا من الخيال
ما تكشفه هذه المظاهرات هو أن الصراع على السلطة لم يعد يدور فقط حول المؤسسات والقوانين والموارد، بل يدور أيضًا حول القدرة على إنتاج المعنى، وتحديد صورة البطل، وتعريف الشر، ورسم حدود الخيال السياسي المقبول. فحين يظهر لوفي أو باتمان أو غوكو في الشارع، لا يصبح العالم الكرتوني واقعًا حرفيًا؛ الذي يحدث هو أن المتظاهرين يستعيرون من ذلك العالم لغة رمزية تساعدهم على التعبير عن إحباطاتهم وآمالهم وموقفهم من السلطة. وإذا كانت الهيمنة تعمل، كما يشرح غرامشي، على جعل نظام معين يبدو طبيعيًا ولا بديل له، فإن الخيال قد يؤدي وظيفة مضادة تتمثل في إعادة فتح السؤال عما إذا كان الواقع القائم هو الواقع الوحيد الممكن.
وهنا تكمن المفارقة: فقد تنتج الثقافة الجماهيرية شخصيات هدفها الأول الترفيه، لكنها لا تستطيع ضمان أن يظل معناها محصورًا في الترفيه. وقد تُستهلك صورة البطل في البيت، ثم تُرفع في الشارع، ثم تتحول إلى صورة عالمية تناقشها الصحافة والسلطات والجمهور. فالسلطة لا تواجه فقط من يعارض قراراتها، بل قد تواجه أيضًا من يعيد تخيل العالم الذي تستمد منه هذه القرارات مشروعيتها. ومع ذلك، فإن التحدي الحقيقي ليس في خروج الشخصيات الكرتونية من الشاشة إلى الشارع، بل في السؤال الذي قد تتركه وراءها: فإذا كان الشباب قادرين على تخيل عالم أكثر عدالة داخل القصص، فلماذا يبدو تحقيق قدر أكبر من العدالة في العالم الحقيقي أمرًا مستحيلًا؟ وعندما يتحول هذا السؤال من صورة متداولة إلى وعي نقدي وتنظيم اجتماعي وفعل سياسي مستمر، عندها فقط نكون أمام احتمال حقيقي لإعادة تشكيل الواقع، لا مجرد إعادة رسمه في المخيلة.
ومن هنا، يطرح سؤال نفسه: أي شكل خيالي سيستعيره الشباب في عالمنا العربي ثوريًا، في ظل الإصرار على ثقافة عمودية وأخرى مفرغة من المضامين؟
.jpeg)
.jpeg)
.jpeg)
.jpeg)
.jpeg)

...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي