loader
MaskImg

المقالات

مقالات ادبية واجتماعية وفنية

ندوة على دكّة إسمنتية في العشّار: حين تمنحنا المصادفات ما تعجز عن منحه المكتبات

breakLine
2026-10-20

 

عبد الكريم حمزة عباس |ناقد عراقي

 


في إحدى جولاتي بين المكتبات الأهلية في البصرة، وتحديدًا في شارع المطابع المتفرّع من شارع الكويت، كنت أبحث عن كتابٍ يروي شيئًا من ظمئي المتزايد إلى المعرفة الأدبية، ويمنح روحي ما تتطلّع إليه من متعة الاكتشاف ولذّة القراءة.
كنت أتجوّل بين الرفوف، أتصفّح العناوين، وأتأمّل الأغلفة، لعلّي أعثر على كتابٍ يستحق أن أصطحبه معي، ويستحق أن أفتح له نافذةً في ذاكرتي، لكنّ البحث طال، والخيبة بدأت تتسلّل إلى نفسي، فلم أجد ما يوافق شغفي أو يلامس ما أبحث عنه.
ولأنّ المرء لا يحبّ أن يعود من رحلته خالي الوفاض، فقد ابتعت كتابًا لم يكن اختياري له نابعًا من شغفٍ حقيقيّ أو قناعةٍ أدبية، بقدر ما كان محاولةً لستر خيبة البحث، وإيهام النفس بأنّ الرحلة لم تذهب سدى.
حملت الكتاب وانصرفت، وأنا أُحدّث نفسي بأنّ بعض الكتب قد تخبّئ في صفحاتها ما لا تكشفه عناوينها، وإن لم يكن هذا الكتاب، في تلك اللحظة، من الكتب التي تُثير الفضول أو تستفزّ الأسئلة.
غادرت شارع المطابع، ومضيت أتجوّل في الشوارع الفرعية لمنطقة العشّار، تلك المنطقة التي تختزن في أزقّتها وحركتها اليومية شيئًا من ذاكرة البصرة وروحها الشعبية، وبينما كنت أمشي، شعرت برغبةٍ شديدة في احتساء كوبٍ من الشاي، فثمة لحظات لا يحتاج فيها المرء إلى أكثر من استراحةٍ صغيرة، وكوب شاي ساخن، وفسحةٍ من الهدوء يستعيد فيها أنفاسه وأفكاره.
ولم يطل البحث حتى عثرت على بسطةٍ متواضعة لبيع الشاي، وإلى جوارها دكّة إسمنتية تصلح للجلوس.
جلست، وطلبت كوبًا ورقيًا من الشاي، وتهيّأت لقضاء دقائق عابرة قبل مواصلة الطريق إلى البيت، لم يكن في المشهد ما يوحي بأنّ شيئًا استثنائيًا على وشك الحدوث، بسطة بسيطة، ودكّة إسمنتية، وشوارع تمضي في إيقاعها المعتاد، وكوب شاي تتصاعد منه خيوط البخار.
لكنّ الحياة، في كثيرٍ من الأحيان، تُخبّئ أجمل مفاجآتها في أكثر الأمكنة تواضعًا.
فما إن استقررت في مكاني، حتى وقعت عيناي على رجلٍ يجلس بالقرب مني، وإذا به أحد الأدباء الذين أكنّ لهم احترامًا خاصًا، وأجد متعةً في الحديث معهم عن الأدب وشؤونه، وما يثيره من أسئلةٍ وهموم، كانت مفاجأةً جميلة لم أكن أتوقّعها، وكأنّ المصادفة أرادت أن تعوّضني عن خيبتي في المكتبات، ولكن بطريقتها الخاصة.
تبادلنا الحديث، ثم وقعت عيناه على الكتاب الذي كنت أحمله، فسألني عنه وطلب أن يطّلع عليه.
ومن هنا بدأت الحكاية تأخذ مسارًا آخر، إذ لم يعد الكتاب مجرّد غنيمةٍ متواضعة أشتريها كي لا أعود خالي اليدين، بل أصبح مدخلًا إلى حديثٍ أدبيّ لم أكن قد خطّطت له، ولم أكن أعلم أنّه سيكون أثمن ما أحمله معي من تلك الجولة.
بدأ الحديث من الكتاب، ثم اتّسعت دائرته شيئًا فشيئًا، وانتقلنا بين موضوعات الأدب والنقد، وتوقّفنا عند قضايا الكتابة والنشر والطباعة، وما يواجهه الكاتب البصري من صعوباتٍ حين يحاول إخراج نتاجه الأدبي إلى النور، وكان الحديث، في كلّ منعطفٍ من منعطفاته، يفتح بابًا جديدًا للتأمّل، ويقودنا إلى أسئلةٍ لا تنتهي عند حدود الكتاب الذي بين أيدينا.
تحدّثنا عن الكاتب الذي يقضي أشهرًا وربما سنواتٍ في كتابة نصّه، ويظلّ يراجعه وينقّحه، ويمنحه من روحه ووقته الكثير، ثم يجد نفسه أمام معضلة النشر، إذ لا يكفي أن يمتلك المرء موهبة الكتابة، ولا أن تكون لديه فكرةٌ تستحقّ أن تُقال، ما لم يجد الطريق الذي يوصل بها إلى القارئ. فالكتاب لا يولد كاملًا بمجرّد أن يفرغ صاحبه من كتابته، إنّه يحتاج إلى عينٍ تحرّره، ويدٍ تُحسن إخراجه، ومطبعةٍ تحترم تفاصيله، وجهة نشرٍ تؤمن بقيمته، قبل أن يحتاج إلى قارئٍ يمنحه الحياة من جديد.
وكانت معاناة الكاتب في البصرة، في ظلّ قلّة دور الطباعة المتخصّصة فعلًا في المجال الأدبي، واحدةً من أبرز القضايا التي استأثرت بنقاشنا،فليس كلّ من يمتلك مطبعةً يمتلك بالضرورة الخبرة التي يحتاج إليها الكتاب الأدبي، وليس إخراج الصفحات في هيئة مجلّدة كافيًا ليكون العمل قد نال حقّه من العناية،إذ ثمة فرقٌ بين طباعة كتابٍ كيفما اتّفق، وصناعة كتابٍ يحفظ للنصّ هيبته، وللكاتب جهده، وللقارئ حقّه في أن يتلقّى عملًا يليق بما بُذل فيه من وقتٍ وتعب.
وما أكثر ما يعتري الكاتب من إحباطٍ حين يصطدم حلمه بواقعٍ لا يُنصفه،فهو يكتب بدافع الحاجة إلى التعبير، وبإيمانٍ خفيّ بأنّ للكلمة أثرًا، ثم يجد نفسه مضطرًّا إلى خوض معارك جانبية لا تمتّ إلى الكتابة بصلة، معارك تتعلّق بالتكاليف، وجودة الطباعة، والتحرير، والتوزيع، وإمكانية وصول الكتاب إلى من يستحقّ أن يقرؤه. وهكذا، بدلًا من أن ينصرف الكاتب إلى مشروعه الإبداعي، يجد جزءًا من طاقته مستنزفًا في البحث عن سبيلٍ لإيصال ذلك المشروع إلى الحياة.
لم يكن حديثنا مجرّد تبادلٍ للآراء، ولا دردشةً عابرة بين اثنين جمعتهما مصادفة الجلوس، كان الحديث أقرب إلى جلسةٍ من جلسات الندوات الأدبية، بما فيها من نقاشٍ وتبادلٍ للخبرات، واستعادةٍ للتجارب، وطرحٍ للأسئلة التي تظلّ معلّقةً في أذهان المشتغلين بالأدب، وربما كانت ميزته الأجمل أنّه لم يكن محكومًا ببرنامجٍ معدّ سلفًا، ولا بوقتٍ محدّد، ولا بمكانٍ تتطلّب رسميّته شيئًا من التكلّف،بل حديثًا حرًّا، تتقدّم فيه الفكرة بما تملكه من قوّة، ويأخذ فيه الكلام مساره الطبيعي، من دون حواجز أو مجاملاتٍ زائدة.
مرّت الدقائق، ثم مضت ساعة، وتبعتها أخرى، ونحن مستغرقان في الحديث، حتى أدركنا أنّ الوقت قد تجاوز ما كنّا نتوقّع، بدأ اللقاء عند الساعة العاشرة صباحًا تقريبًا، ولم نشعر بانقضاء الوقت إلا حين اقترب موعد أذان الظهر، ساعتان كاملتان انقضتا من دون أن نشعر بثقلهما، وكأنّ الحديث قد انتزعنا من ضجيج الشارع، ووضعنا في فضاءٍ آخر، لا يُقاس فيه الوقت بعدد الدقائق، بل بمقدار ما تمنحه الأفكار من متعةٍ وفائدة.
وحين نهضت مودّعًا، وحملت كتابي الذي رافقني منذ الصباح، شعرت بأنّ شيئًا ما قد تغيّر في نظرتي إلى تلك الجولة، كنت قد خرجت من البيت باحثًا عن كتابٍ يضيف إلى معرفتي، ولم أجد في المكتبات ما يقنع شغفي، حتى ظننت أنّني سأعود بخيبةٍ صغيرة وكتابٍ لم أختره عن اقتناع.
لكنّني عدت محمّلًا بما هو أبعد من الكتاب، عدت بأفكارٍ جديدة، وتأمّلاتٍ تستحقّ أن أعود إليها، وبذكرى لقاءٍ أدبيّ جاءني من حيث لم أحتسب.
لقد علّمتني تلك المصادفة أنّ المعرفة لا تسكن الكتب وحدها، وإن كانت الكتب من أوسع أبوابها، فهي تسكن أيضًا في العقول التي خبرت الحياة، وفي الحوارات التي تتيح لنا أن نرى ما لم نكن نراه، وفي اللقاءات التي تأتي من دون موعد، فتمنح اليوم العاديّ معنى استثنائيًا.
وأدركت أنّ الندوة الأدبية لا تحتاج دائمًا إلى قاعةٍ مضاءة، ومنصّةٍ مرتفعة، وصفوفٍ من المقاعد، وإعلانٍ يدعو الجمهور إلى الحضور، قد تبدأ الندوة من سؤالٍ عابر، أو من كتابٍ في يد أحدهم، وقد تنعقد على دكّةٍ إسمنتية بجوار بسطة شاي في أحد شوارع العشّار. وقد يكون الحاضرون شخصين فحسب، لكنّ ما يدور بينهما من أفكارٍ صادقة يوازي في قيمته جلساتٍ كثيرة لا يتجاوز الكلام فيها حدود المجاملة.
ولعلّ أجمل ما في الأمر أنّ المكان المتواضع لم ينتقص من قيمة الحديث، بل منحه عفويّةً وصدقًا،فلا جدران تحاصر الفكرة، ولا أضواء تخطف الانتباه، ولا ألقاب تفرض على المتحدّثين مسافةً مصطنعة، هناك كوب شاي، وكتاب، وأديب، وشغفٌ مشترك بالكلمة، وهذا كلّ ما كان يلزم كي تتحوّل استراحةٌ قصيرة إلى تجربةٍ ثقافية متكاملة.
أمّا الكتاب الذي اشتريته في بداية الرحلة، فلم يعد يهمّني كثيرًا إن كان قد أضاف إلى مكتبتي شيئًا يستحقّ الاحتفاء، فقد أدّى، من حيث لا يدري، وظيفةً لم تكن في الحسبان، لقد كان سببًا في فتح باب الحديث، والحديث قاد إلى المعرفة، والمعرفة منحتني شعورًا بأنّني لم أعد من جولتي خالي الوفاض، وإن لم تكن الغنيمة هذه المرّة بين دفّتي كتاب.
فكم من كتابٍ نشتريه ولا يترك فينا أثرًا، وكم من مصادفةٍ عابرة تظلّ صفحاتها مفتوحةً في ذاكرتنا زمنًا طويلًا!
عدت إلى البيت وأنا أشعر بأنّني حضرت ندوةً أدبية حقيقية، لكنّها ندوة لم تحتج إلى دعوةٍ مسبقة، ولم تُدوَّن فقراتها في برنامج، ولم تُختتم بتوصياتٍ مكتوبة، كانت ندوةً صنعتها المصادفة، وأدارها الشغف، واحتضنتها دكّة إسمنتية في أحد شوارع العشّار، فيما كان كوب الشاي شاهدًا بسيطًا على ساعتين من الحوار الممتع.
ومنذ ذلك اليوم، صار في وسعي أن أنظر إلى جولاتي في المكتبات والشوارع نظرةً مختلفة، فربما لا أجد الكتاب الذي أبحث عنه بين الرفوف، لكنّني قد أجد فكرةً تنتظرني في مكانٍ لم يخطر ببالي، أو ألتقي إنسانًا يفتح أمامي أفقًا جديدًا، أو أخوض حديثًا يجعلني أعود إلى البيت وأنا أكثر غنىً مما كنت عليه حين خرجت.
وهكذا، لم تكن خسارتي في البحث عن كتابٍ يروي عطشي إلى المعرفة خسارةً كاملة، فقد عوّضتني الحياة عنها بدرسٍ جميل:
ليس كلّ ما نبحث عنه نجده في المكان الذي نتوقّع، وليس كلّ ما نظنّه مصادفةً عابرة يمرّ في حياتنا عابرًا.
ففي بعض الأيام، لا نحتاج إلى أكثر من كتابٍ بين أيدينا، وكوب شاي ساخن، ودكّة إسمنتية في شارعٍ قديم، كي نكتشف أنّ الأدب ليس حبيس المكتبات، وأنّ المعرفة قد تجلس إلى جوارنا ببساطة، وتنتظر منّا أن نبدأ الحديث.

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي