loader
MaskImg

المقالات

مقالات ادبية واجتماعية وفنية

ملامح الأنا النسائي في مجموعة (ما تسرب من عين الشمس) للشاعرة العامرية سعد الله

breakLine
2026-10-18

عواطف محجوب
ناقدة | تونسية

 

بعد ثلاث مجموعات سابقة (عزف على أوتار الحرف 2015 – حنين إلى مرافئ الحلم 2017 – ووادي الفراشات 2020) صدرت للشاعرة  العامرية سعدالله مجموعة شعرية رابعة  موسومة بعنوان (ما تسرب من عين الشمس) عن دار نهاد للنشر والتوزيع (سوسة/تونس) بواقع 134 صفحة و46 قصيدة.
 من خلال العنوان باعتباره العتبة الأولى للكتاب، نستشعر وجود تجربة حسية حركية تتداخل فيها معاني الحواس والشعر كتركيبة فنية شعرية استخلصتها الشاعرة من نفسها لنفسها. فالتسرّب هو حركة انسيابية هادئة في معظمها صامتة وخفيّة، والتسرب حسب العنوان أيضا متّصل بعنصر الشمس وهي رمز الإشعاع والطاقة وهي الشاعرة نفسها من منظور آخر. لنجدنا أمام ثنائيات الضوء والظلام، الوضوح والغموض، العلن والخفاء…إلخ . وهو ما يفسّر حركة اللغة المتواترة بانسيابية لا تتوقف من دواخل الشاعرة وتحوّلها إلى بناءٍ ومعنى شعري خارجي.
تصنّف هذه المجموعة الشعرية ضمن فرع قصيدة النثر نظرا لغياب التفعيلة ووجود إيقاع داخلي ينظم مجازات واستعارات وتراكيب اللغة، ويوضّبها في صور شعرية منتظمة. ولقد طغت على القصائد مناخات شعرية شعورية وشاعرية أضفت خصوصية في الخطاب الشعري على المستوى الأسلوبي والدلالي. وهو ما يفسّر اعتماد ضمير المتكلم "أنا" في معظم القصائد. ويعود ذلك إلى عدة أسباب أخمّن أهمها: رغبة الشاعرة في اعتماد خطاب فرداني يعرض همومها الشخصية  غير متقيّدة بالخطاب الجمعي الذي يفرض  طرح قضايا عامة. وميلها إلى المناجاة والبثّ الشعوري لأنه يتيح لها مساحة للبوح والتفريغ النفسي وإخراج المشاعر والهموم التي يتولد عن تراكمها قلق وجودي. أيضا تقدّم لنا الذات الشاعرة المتشظية بين الماضي والحاضر، بين الواقع والخيال، بين الحركة والجمود، بين الفرح والغضب، وبين التفاؤل والتشاؤم…إلخ. وإيمانها القوي بهذه الذات المنفردة بعيدا عن الحاجة إلى الآخر الجماعي الذي يفرض نوعا من الانخراط والالتزام وبالتالي الانصهار فيه والتكلم بضمير الجمع. ولا أنسى أيضا رغبتها في ابراز مقدرتها الابداعية  ومدى تملّكها التقنيات باعتبار أن الشعر هو نتاج مهارة ذاتية.
يمكن القول هنا أن ضمير الأنا هو تلك الشخصية الفنية المبدعة التي وُلدت داخل الشاعرة، وتبنّت الدلالة على المتكلم النسائي في قصائد العامرية سعدالله، ذات واحدة مفردة تتقن الكلام عن نفسها دون تعقيدات فتبسط أمامنا تجاربها التي خاضتها لوحدها وتعرض أفكارها وآراءها دون مواربة. وبذلك سهّل الوصول المباشر إلى المتلقّي دونما حاجة إلى وسيط. فهذا الأنا هو الذي يحوّل الكلام إلى لغة تستوعب الشاعرة والقارئ معا حيث من الممكن جدا أن تتقاطع التجارب والخيال  والأفكار والرؤى ويصبح الأنا هو/هي. ومن خلال هذا الأنا نفهم  وجود تلك الذات الواعية التي تترجم وعيها إلى نص إبداعي لا يشبه نصوص الآخرين وتكون هي نفسها محوره. وتتحول بذلك إلى فضاء تحدث داخله العملية الشعرية برمّتها. وتنقل كل الاعتمالات والهوامش من نمطها العادي إلى صور شعرية مدهشة. أي أن الأنا في النهاية يقوم بتركيب وتكوين عالم الشاعرة الخاص مع كل قصيدة تكتبها، ويبوح بأسرار لغتها الخاصة وأسلوبها الشعري.
هذه الأنا النسائية الشاعرة جعلتني أتتبع أثر وجود المرأة في المجموعة الشعرية. ووجدت أن لها الكثير من التمثّلات أسوق أهمها:
-المرأة المتشظية بين الأمس واليوم، التي تبحث عن نفسها/ ذاتها/هويتها:
لم أكن أنا قبل الثلاثين/ كنت خارج السرب/أرعى وعولا/ تتقافز من وميض عيني…لم أكن أشبهني أبدا/ أوقد نارا/ وأجلس على فوهة الليل/ أربي صورتي وأشرب من كفّ بهحتها… كيف أعود إليّ/ لتخرج كنوزَ المعنى/ من قضبان القلب/ ويؤوب إليّ  سلطاني/ من عرش الصمت ص20/23
-المرأة المثقفة الواعية  التي تعتمد أحيانا على التداول في كتابة قصائدها. تلاعب اللغة وتتقن البلاغة وفنون الإنشاء. والتي تنتقل من ضميرها المتكلم إلى ضمير المخاطب دون مطبات. هي لم تكن يوما وحيدة بل أعلت من شأنها عبر اعتناق الكلام والشعر ولكنها لا تنسى رفيق الدرب تبوح له بما تراه مناسبا من قصصها المتراكمة:
سأهديك اليوم حفلا/ من مجازات الكلام…أحدّثك عن حكايا/ سقطت من سطور ذابلات…أنا آخر امرأة تحرس سحرها/ حتى آخر الليل/ تضمّد حبوب الحظ الفرغة/ من نعيق الريح/ وتملأ فراغات الليل قصائدا…أنا آخر امرأة تذيب صقيع الصمت/ على نافذة القلب. ص22/24
-المرأة الخارقة التي ترتقي إلى مرتبة الأسطورة، والتي تحول العادي إلى عجائبي سحري يتجاوز الممكن والمنطق.
سأستعير سماوات فان غوخ/وأحلق كما لم يحلق طير قبلي…لي أن أجذب محور الأرض قليلا/فيستقيم. ص28/29
-المرأة التي كانت طفلة يغزوها الحنين فتسترجع الذكريات إلى حيث:
شجرة الزيتون ال تحمل أرجوحتنا/جدّتي جالسة على الدكة / تربي فخامتها…أبي يشعل سيجارة أيامه/ يتلذذ نشوتها/ وأمي ترتّب هدوء بهجتها/ على طرف مليتها ص31.
-المرأة التي تعاني من الاغتراب تنهشها العبثية، لا تجد معنى لوجودها  تقف في منتصف المسافات لا بوصلةَ توجهها مستسلمة لمصير مجهول.
كأرجوحة للوقت/ أقف في مهبّ الزمن/ تذروني رياح…أقف كقبر يمدّ أذرعه المتشابكة/ويلتقط أرواحا أتعبها الوقوف ص35/36
-المرأة  المتفائلة المتشائمة، تبحث عن بهجة الحياة لكن قسوة الواقع توقظها
(لي) عطش للفرح/وجوع للبدايات الجديدة…أستيقظ اليوم حزينة/ وككل يوم أمهد طريقا/ لأدفن الملل المراق/ على ناصية الفراغ … أنا لم أكن غير امرأة / تربي الأمل/ وتظفر جدائلها ص 41/45/47
-المرأة والآخر، الرجل، متوجسة منه مرة، ومرة تعشقه  وتذكره برومنسية
الرجل الذي أحبني خلسة/ كان يجلس عند أطراف النص/ ويقيس درجات حرارته…كنت أفتح عينيّ/ فلا أرى غير ذئاب بعيونِ/ خرفان ص47/48
-المرأة المتصالحة مع نفسها والقوية تملك قدرة على احتواء ذاتها واقناعها بأن الحياة لا تخلو من المنغصات والتي ترفض مصيرا شبيها بمصير سيلفيا بلاث
هل جربت أن تسعى في صلح/ بينك وبينك/ تتلاشى الغربة/ وتنحني المسافات الآنية. ص93
أنا لا أهرب/ أنا أبحث في الفراغ المحتفي بالصمت/أبحث في الزوايا المركونة/ على حافة الأرض.ص99
-المرأة الشاهدة على عصرها وقد تجاوزت دور المحايد أو دور المتلقي السلبي وأصبحت واعية بالعصر الذي تعيش فيه وتبدأ بالتغيير الإيجابي لها ولمن حولها:
أنا الشاهدة/ والشهيدة على زئبقية الزمن/ وأقداح الفراغ/ وهي تهيئ لي شراب اليقين ص93.
هذه الصور بكل ملامحها المتناقضة اجتمعت في وجه واحد وشخصية امرأة واحدة، مكونة  في الأخير تلك المرأة التي ترفض الاستسلام صاحبة العزيمة الحديدية. تتغلب على المشاكل والصعوبات مهما كان نوعها. 
ما تسرّب من عين الشمش مجموعة شعرية رغم أنها عادت إلى المرحلة الأولى من وبدايات قصيدة النثر المرتبطة بتيار الرومنسية، وابتعادها نوعا ما عن الواقعية وبقائها في مجال نفسي  محدد، ولكن يمكن تعليل ذلك أنها مجموعة كتبت في مرحلة خاصة من عمر الشاعرة الأدبي بها مطبات نوعية لا تنتج عنها سوى قصائد تماما كقصائد هذه المجموعة.

 

 

 

 

 

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي