loader
MaskImg

المقالات

مقالات ادبية واجتماعية وفنية

مَنْ يتذكر محمود عبد الوهاب؟!

breakLine
2026-10-17

 

رياض عبدالواحد السعد |ناقد وكاتب عراقي

 


جلست على حافة الليل الطويل، أتنفس عبير غيابك المتكرر، يمرّ بين أصوات الشوارع القديمة وحفيف النخل وخرير مياه الشط، بين همسات الحيطان المهجورة وأبواب المقاهي المغلقة، بين أضواء الشموع التي تلتمع على أطراف الأزقة. كنت هناك، بين الكلمات، تصنع من الصمت لحنًا، ومن الألم شعاعًا، ومن الغياب حضورًا ينساب بلا صراخ، بلا دموع، كهمس يمرّ على جدران البصرة  ، كصدى المطر على النوافذ، كخفقان الشط بين أحجار المدينة العتيقة، يوقظ ذاكرتنا الممزقة، يوقظ وجداننا العميق.
كنت روحًا تهيم بين الأزقة، ترتفع فوق الأسطح، تسير على أرصفة مبللة بالمطر، تسمع صدى خطواتنا، أصوات الباعة، كل ضحكة مكسورة، كل دمعة مكتومة، فتجمعها في قلبك، فتعيدها في نصوصك كألوان تتشظى على صفحات الورق، كأمواج تتلاعب على شطٍ بعيد، كوميض خاطف في نافذة مهجورة. كنت كالسهم في سماء البصرة ، صامتًا ودقيقًا، يخترق الظلمة ليلتقط نورًا لم نكن نجرؤ على رؤيته، تبحث عن الإنسان الذي لا يراه إلا قلبك، عن الحكاية التي لم تُحكَ بعد، تبحث، تبحث، تبحث… كنت تصنع الواقع بحبر صامت، فتراه يزهر في أعيننا، يظهر في خطواتنا، يصرخ بصمت في الأماكن المهجورة، بين المقاهي القديمة والأبنية المتداعية، بين النخل العتيق ومياه الشط، بين الغبار والندى، بين صخب النهار وهدوء الليل، بين صوت المدينة وصوت الغياب، بين الحقيقة والخيال.
كنت عميقًا كالبحر، هادئًا على السطح، عاصفًا في الأعماق، ومن رحيلك بقيت موجات الحزن تتقاذفنا بلا رحمة، تتسلل بين جدران القلب، إلى كل حجر في الأزقة، إلى كل ورقة شجر تتساقط في حديقة مهجورة، إلى كل نافذة تُفتح على ذكراك. لم تكتب لتسلّي أو لتمرح، بل لتكشف الحقيقة الخفية في صمتنا اليومي، لتعلن عن وجعنا من دون صراخ، لتعلّمنا كيف يكون الألم جمالًا، وكيف يكون الحزن لغة. أستعيدك الآن بين حفيف المطر الذي يعلّم الأرض الصبر، بين حفيف النخل الذي يهمس بأسمائك، بين ألوان الغروب التي تتشظى على جدران المنازل القديمة، بين بقايا القناديل التي تضيء أزقة البصرة العتيقة، بين ضحكات الأطفال التي تتسرب عبر الحيطان، بين خطوات المسافرين فوق الجسور، بين رائحة الورق القديم، بين كل شذى وذكرى وصدى.
كنت معلمًا صامتًا تزرع فينا سؤالًا لا ينتهي، تفتح نوافذ على أفق لا نراه إلا بعينيك، كنت الطقس الشعري الذي يمرّ فوق بغداد والبصرة صلاة خفية، شعاعًا خافتًا في عتمة العالم، يكتب بلا جمهور، بلا شهرة، بلا تصفيق، وكأنك تعلم أن الخلود لا يكون في الأسماء بل في صدى الحروف بعد رحيلك.
رحلت، وتركْت لنا البحر كله بلا شواطئ، بلا أفق محدد، نسير في نصوصك كمن يمشي على خيط رفيع بين الوجع والفرح، بين الواقع والحلم، بين الأسى والحنين، بين صمت الليل وصرخة المدينة، بين ضحكات الأطفال الذين يلعبون فوق أطلال المدن القديمة، وبين صدى خطوات المسافرين على جسور النهر، نسير نسير نسير، نتلو صدى  حضورك في كل زاوية من المدينة، في كل شبر من الحنين، في كل نبضة قلب، في كل نفسٍ يرتجف باسمك.
أحنّ إليك أيها الغائب، ليس لأنك رحلت، بل لأنك علّمتنا كيف نعيش الغياب، كيف نصنع من الفراغ حياة، من الصمت صوتًا، من الحزن لغة، من الذكرى حضورًا. كل كلمة لك نبضة، كل قصة صدى، كل نص نافذة نحو ما كنا نجهله في أنفسنا، نحو عوالم داخلية لم تُكشف إلا بوجودك. كنت الناقل بين الضمير والمشهد، بين الحلم والواقع، بين الحنين والوجع، بين المدن القديمة والمياه التي لا تهدأ.
كنت في رحيلك الطيف الذي لا يزول، كل قارئ يلتقط كلماتك يجد نفسه أمام مرآة بلا إطار، كل تجربة أدبية تبدأ من حضورك، وكل فهم للعراق يبدأ من نصوصك، كنت تعلمنا كيف يكون الكتاب حياة، وكيف يكون الغياب حضورًا أبدياً.
والآن، في كل ليلة طويلة أعود إليك، أستمع لصوت المطر على الأسطح، على الزجاج، على صفحات الكتب، أشم رائحة الورق القديم، أتنفس دفء روحك الغائبة، أقرأ قصصك وأكتشف في كل سطر جديد ألمًا قديمًا وفرحًا صغيرًا، وكأنك لم تغب قط، وكأنك تجلس معي هنا تراقبني وأنا أكتب عنك، عن رحيلك، عن حضورك المستمر بيننا.
محمود عبد الوهاب، إن رحلت الجسد فإن الروح باقية في كل نبضة لغة، في كل قارئ يبحث عن الحقيقة، في كل قلب يحنّ إلى البصرة التي عرفتها 
 بألمك، بأملك، بعمقك، كنت وستبقى صامتًا في ضوضاء العالم، حاضرًا في غيابك، نورًا في صمت الكلمات، ظلًا يتسلل بين أصابع الزمن، يعلّمنا كيف يكون الموت بداية للحياة، وكيف يكون الرحيل إعلانًا للأبدية، كيف يكون الحزن قصيدة، وكيف يكون الغياب حضورًا لا يموت. كل حرف لك يهمس للروح، يطهر القلب، يعيد للأمل معناه فينا.
أنت الآن نبض الكلمات ووميض الضوء في العتمة، صديق الليل الطويل، رفيق المطر، ورياح النخل، وصدى المياه التي لا تتوقف عن الحركة. غيابك صار موسيقى الروح، رحيلك صار قصيدة بلا نهاية، حضورك صار ظل المدينة التي تتنفس الحكاية، تتذكرك، تهيم بك، وتعلّمنا كيف يكون القلب حيًا حين يغيب الجسد، وكيف يكون الشعر ملحمة لا تنتهي.
أراك في انعكاس مياه الشط، في ضوء الفجر على جدار الحي القديم، في ظل النخيل المتأرجح، في صوت الباعة وهم يعلنون عن خبزهم، في خطوات الأطفال فوق الأطلال، في صمت المقاهي المهجورة، في الغيم الذي يمر فوق سماء بغداد والبصرة، في رذاذ المطر الذي يبلل الورق والذكريات، في كل شيء يهمس باسمك، في كل شيء يعلّمنا كيف يكون الغياب حضورًا لا يزول، كيف يكون الحزن حياة، وكيف يكون الكتاب قلبًا نابضًا، وكيف يكون الشعر ملحمة طويلة جدًا، طويلة كالعمر، طويلة كالعراق، طويلة كرحيلك الذي أصبح حاضرًا في كل مكان.
كل حرف منك أصبح موسيقى خفية، كل كلمة ارتجافًا في الليل، كل جملة صدى في الزوايا المظلمة، كل قصة نافذة على المدينة والسماء والمطر، كل نص صرخة حنين للمفقود، كل سطر يعيدنا إليك، كل كلمة تهز الروح، كل لحظة قراءة تجعلك حيًا بيننا، كل نفس في هذه المدينة المتعبة يذكرك، وكل قلب يحنّ إليك يعلم أن الغياب أصبح حضورًا مستمرًا، وأن السرد الذي كتبته صار ملحمة أبدية، لا نهاية لها، لا موت فيها، لا رحيل.

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي