مقالات ادبية واجتماعية وفنية
حسين شراد |ناقد وأكاديمي عراقي
لا تبدو قصيدة (على خد خال) للشاعرة وحيدة حسين نصًا عن الغياب بمعناه العاطفي المباشر، ولا مجرد تسجيل لعلاقة انتهت أو لقاء تعذر. فالغياب فيها يتجاوز فقدان الآخر ليصيب صورة الذات نفسها؛ إذ يبدو الآخر جزءًا من الطريقة التي تشكلت بها الأنا ورأت بها وجودها والعالم من حولها. ولهذا فإن انكسار العلاقة لا ينتج حزنًا عابرًا، وإنما يفتح أزمة في تعريف الذات وموقعها، قبل أن تتحول الذاكرة والكتابة إلى وسيلتين لإعادة تنظيم التجربة.
وفي الوقت نفسه، لا تبقى هذه التجربة محصورة في المجال الفردي؛ إذ تتسع الذاكرة في النص لتستوعب المكان والزمن والذاكرة الثقافية، ولا سيما مع استدعاء “تشرين”، بما تحمله هذه الإشارة من دلالة احتجاجية مرتبطة بصرخات الرفض للظلم والفساد والسياسات التي دفعت المحتجين إلى الشارع. ومن هنا تتجاور التجربة الشخصية مع ذاكرة جماعية، من غير أن تفقد القصيدة مركزها النفسي.
يمكن، لذلك، قراءة النص بوصفه رحلة تبدأ من التماهي مع الآخر، وتمر بالغياب والاغتراب عن الذات وأزمة الهوية، ثم تستعيد الذاكرة الشخصية والثقافية، لتصل إلى لحظة “رفع ياء” التي تمثل استعادة الأنا لموقعها في اللغة والعالم. فالذات في نهاية القصيدة ليست هي ذات البداية، وإنما ذات أعادت تشكيل نفسها من آثار التجربة.
الغياب بوصفه أزمة في تشكل الأنا:
تفتتح الشاعرة النص:
“ما زلت تغيب.. وأنا أُشعل لك نجمة
على جبين صمت”
يجعل الفعل “تغيب” الغياب حالة مستمرة ومتجددة، لا حادثة مكتملة. وفي المقابل تأتي الذات وهي “تشعل” نجمة للغائب، وكأنها تحاول أن تصنع في فضاء الغياب علامة على استمرار الصلة.
لكن اللافت أن النجمة لا تضيء الذات، وإنما تُشعل “لك”. فالذات ما تزال توجه فعلها إلى الآخر، وكأن وجوده هو الذي يمنح أفعالها وجهتها. وهذا يكشف علاقة تتجاوز التعلق العاطفي إلى ما يمكن قراءته في ضوء مفهوم التماهي؛ إذ يصبح الآخر جزءًا من الصورة التي ترى الذات نفسها من خلالها.
ولهذا فإن الغياب لا يؤدي مباشرة إلى الحزن، وإنما يبدأ بإرباك البناء الداخلي للأنا. فالذي يغيب ليس شخصًا فقط، وإنما مرآة كانت الذات تستمد منها شيئًا من صورتها.
أولًا: الأنا في مرآة الآخر
تقول الشاعرة:
“فترسمني ألفة.. على أسارير كحل في شرخ ظهيرة”
إن فعل “ترسمني” بالغ الدلالة؛ فالذات لا ترسم نفسها، وإنما تُرسم من خلال الألفة. إنها تستمد صورتها من العلاقة، فيصبح الآخر جزءًا من عملية تشكلها. ويتأكد هذا الاضطراب في قولها:
“أريدُ أن أثرثرني.. على ذراع هاتفك المشغول”
الفعل “أثرثرني” يحول الذات إلى موضوع للكلام، وكأنها تبحث عن وجودها في خطاب موجه إلى الآخر. والهاتف المشغول يزيد المفارقة حدة؛ فوسيلة الاتصال موجودة، لكن الوصول إلى الآخر متعذر.
ثم تقول:
“وأنا أتلفظني متوحدة”
إن “أتلفظني” تجعل الذات موضوعًا لفعلها اللغوي. إنها تنطق نفسها، وكأن وجودها يحتاج إلى أن يثبت باللغة. ومن هنا تبدو اللغة نفسها عاكسة لأزمة الأنا: الذات التي كانت تجد صورتها في الآخر بدأت تبحث عن صورتها داخل كلامها.
وهكذا يتأسس التحول الذي ستبني عليه القصيدة مسارها اللاحق: من ذات تتشكل في علاقة بالآخر إلى ذات مضطرة إلى مواجهة نفسها بعد غيابه.
ثانيًا: من الغياب إلى اغتراب الذات
إذا كان الغياب في البداية غيابًا للآخر، فإنه يتحول تدريجيًا إلى غياب الذات عن ذاتها:
“على خد أيام تشرّدت مني..
في شارع بخيل يميل لحذفي”
عبارة “تشرّدت مني” لا تصف ضياع الأيام في العالم فحسب، بل تجعل الذات نفسها موضعًا للتشرد. لقد انفصل ما ينتمي إليها عنها، وكأن الأنا فقدت قدرتها على الإمساك بعناصرها.
ويتجسد هذا الشعور بالمحو في صورة الشارع:
“شارع بخيل يميل لحذفي”
فالمكان هنا ليس خلفية للأحداث، بل يتحول إلى صورة نفسية. الشارع الذي “يميل لحذفي” يجسد شعور الذات بأنها مهددة بفقدان أثرها وموقعها.
ثم تقول:
“وهي تنهش في وجهي السؤال”
لا يأتي السؤال بوصفه بحثًا هادئًا عن جواب، وإنما بوصفه فعلًا جارحًا. إنه يصيب “الوجه”، أي العلامة التي يظهر بها الإنسان للآخرين، ولذلك يمكن أن يُقرأ بوصفه سؤالًا عن الهوية والمصير والموقع في العالم.
ويبلغ هذا التحول ذروته في:
“أنا أشبه الندم
وهو يسيل في ثوب انطفاء”
لا تقول الشاعرة إنها تشعر بالندم، وإنما تجعل ذاتها شبيهة به. وهنا يتحول الانفعال من حالة عابرة إلى عنصر في تعريف الأنا نفسها. فالانكسار لم يعد شيئًا يحدث للذات، بل أصبح جزءًا من صورتها عن نفسها.
لكن القصيدة لا تستقر عند هذا التفكك؛ إذ تبدأ الذات بعد ذلك في استعادة العناصر التي أسهمت في تكوينها.
ثالثًا: الذاكرة من الشخصي إلى الثقافي
تستعيد الشاعرة في هذا المقطع عالمًا تتداخل فيه الذاكرة الشخصية مع المكان:
“كثيرًا ما جرحتُ السقف
في تعويذة أمي..
واندس الشارع في جينية أوراقي”
تحضر الأم بوصفها علامة على الذاكرة الأولى، ويحضر الشارع بوصفه فضاءً للتجربة، بينما تتحول الأوراق إلى المكان الذي تتجمع فيه آثار هذه الذاكرة.
والتعبير “يندس الشارع في جينية أوراقي” يكشف أن المكان لم يعد خارج الذات؛ لقد صار جزءًا من تكوينها ومن كتابتها. إن الذات تكتب عالمًا سبق أن أسهم في تشكيلها. ولهذا لا تكون الكتابة تسجيلًا للماضي فقط، وإنما إعادة تركيب لعناصره.
ومن هنا تتخذ الذاكرة في القصيدة بعدًا ثقافيًا. فالذات لا تستعيد علاقتها بالآخر فحسب، وإنما تستعيد الأم والمكان والزمن والرموز التي كونت حساسيتها تجاه العالم. إنها ذاكرة تتجاوز الفرد إلى ما يمكن تسميته الذاكرة الثقافية، حيث تختزن التجربة الخاصة آثار البيئة والزمن والوعي الجمعي.
ويتضح هذا البعد بصورة أكثر مباشرة في قولها:
“لم أشأ الخروج عن ضمير تشرين
لكن الدخول في ذمة الرمل
لم يطابق نسخة قلبي”
إن “تشرين” هنا يتجاوز دلالة الشهر والزمن إلى دلالة ثقافية واحتجاجية. إنه يحيل إلى الذاكرة الجمعية لاحتجاجات تشرين، بما رافقها من صرخات في مواجهة الظلم والفساد والسياسات العامة، وبما جعل الشارع مساحة للتعبير عن رفض واقع لم يعد مقبولًا.
ولهذا فإن تعبير “ضمير تشرين” بالغ الأهمية؛ لأنه لا يشير إلى حدث خارجي فحسب، وإنما يستدعي حالة من الوعي الجمعي. فالضمير هنا يمكن أن يكون ضمير جيل وجد نفسه في مواجهة واقع سياسي واجتماعي مضطرب، واختار الاحتجاج بدل الصمت.
أما “الرمل” فيمثل عالمًا متحركًا غير مستقر، لا يحتفظ بصورة ثابتة، ولذلك لا تتطابق “ذمته” مع “نسخة القلب”. ثمة مسافة بين ما يجري في الخارج وما تحتفظ به الذات في داخلها. ومن هذه المسافة يتشكل الاغتراب، لكنه في الوقت نفسه يفتح الطريق أمام الكتابة لإعادة صياغة التجربة.
رابعًا: الكتابة وإعادة تنظيم الانكسار
تقول الشاعرة:
“وعقارب قلم لم تستدرك.. لي استراحة ساعة”
يتحول القلم هنا إلى وسيلة لمواجهة زمن لم يمنح الذات استراحة. فالكتابة لا تأتي بعد التجربة بوصفها وصفًا لها، وإنما تصبح جزءًا من طريقة التعامل معها.
ويمكن قراءة ذلك في ضوء مفهوم إعادة تنظيم الخبرة النفسية؛ إذ تتحول التجربة من حالة متشظية إلى مادة قابلة للصياغة. فالقصيدة لا تلغي الألم، لكنها تمنحه شكلًا، ولا تمحو الاغتراب، لكنها تحوله إلى لغة يمكن للذات أن تنظر من خلالها إلى ما حدث.
وهنا تؤدي الكتابة وظيفة تتجاوز التفريغ؛ فهي تجمع الذاكرة الشخصية والثقافية في بنية واحدة. فالأم والشارع وتشرين والقلم والقافية ليست عناصر منفصلة، وإنما تدخل في إعادة بناء عالم الذات بعد أن اهتزت علاقتها بالآخر.
ومن ثم يصبح فعل الكتابة انتقالًا من مجرد معايشة الانكسار إلى إنتاج معنى له. وهذا ما يمهد للمقطع الأكثر مركزية في القصيدة.
خامسًا: “رفع ياء” وولادة الأنا الجديدة
تصل القصيدة إلى ذروتها:
“ولهذا جمعتُ حاصل انكساري
في رفع ياء..
تلتئم في تعريفي للشجر”
يحدث هنا انقلاب واضح في موقع الذات. ففي البداية قالت:
“تشرّدت مني”
أما الآن فتقول:
“جمعتُ حاصل انكساري”
الفارق بين العبارتين ليس شكليًا؛ ففي الأولى كانت الذات مجالًا للتشرد، وفي الثانية أصبحت فاعلًا في الجمع. لقد انتقلت من التفكك إلى محاولة بناء وحدة جديدة.
أما “رفع ياء” فهي العبارة الأكثر كثافة في النص. ويمكن قراءة الياء بوصفها علامة على الأنا، وعلى حضور المتكلم داخل اللغة. وإذا كانت صيغ مثل “أثرثرني” و”أتلفظني” قد كشفت اضطراب موقع الذات بين الفاعل والمفعول، فإن “رفع ياء” يأتي في نهاية الرحلة ليمنح الأنا علامة أكثر ثباتًا.
وفي الوقت نفسه، لا يمكن فصل هذه العبارة عن “ضمير تشرين” السابق. فالرفع يمكن أن يستدعي، على مستوى الإيحاء، فعل الهتاف والاحتجاج ورفع النداء والشعار. وهنا تلتقي الذاكرة العامة بالتجربة الفردية: ما كان في الشارع فعلًا جماعيًا في مواجهة الظلم، يتحول في القصيدة إلى صورة لاستعادة الذات لموقعها.
لكن الأهم أن “رفع ياء” لا يعني مجرد إعلان الذات عن وجودها، بل يمثل إعادة بناء الهوية بعد الأزمة. فالشاعرة لا تستعيد أناها القديمة، وإنما تبني أنا جديدة من “حاصل انكسارها”.
ويتأكد ذلك في:
“تلتئم في تعريفي للشجر”
فبعد أن كانت الأزمة منصبة على تعريف الذات، تصبح الذات قادرة على تعريف شيء من العالم. وهذا انتقال مهم: استعادة الذات لا تكتمل بالنظر إلى الداخل، بل باستعادة علاقتها بالأشياء من حولها. إن “الشجر” هنا علامة على عالم يمكن النظر إليه وتسميته من جديد.
سادسًا: من تعريف الذات إلى استعادة العالم
تختتم الشاعرة:
“أكرر البرد عن قافية أصابعي
وهي تندلع في رئة شعاع”
تتصل “الأصابع” بفعل الكتابة، بينما تمنح “القافية” التجربة شكلها الفني. أما “الشعاع” فيمنح النهاية حركة مضادة للانطفاء الذي ظهر في مقطع سابق:
“أنا أشبه الندم
وهو يسيل في ثوب انطفاء”
وهكذا لا تبقى الذات عند حدود الانطفاء؛ فالكتابة تفتح لها إمكانًا آخر لرؤية العالم. ولا يعني ذلك أن الجرح قد اختفى، بل إن التجربة أصبحت قابلة للاندماج في وعي جديد.
وتبدو النهاية، بهذا المعنى، أقل اهتمامًا بعودة الآخر وأكثر اهتمامًا بما حدث للذات نفسها. لقد تغير مركز القصيدة: لم تعد المسألة كيف يعود الغائب، وإنما كيف تستعيد الذات قدرتها على أن تكون موجودة رغم الغياب.
ولادة الذات من أثر التجربة
تكشف “على خد خال” عن تجربة تتحرك من الخاص إلى العام من دون أن تفقد مركزها النفسي. تبدأ القصيدة بالآخر بوصفه عنصرًا في تشكل الأنا، ثم يؤدي غيابه إلى اغتراب الذات عن نفسها وأزمة في هويتها. وبعد ذلك تستدعي الذاكرة عناصر التكوين الأولى: الأم والمكان والزمن، قبل أن تتسع هذه الذاكرة لتلامس الذاكرة الثقافية والاحتجاجية في استدعاء “تشرين”.
ومن خلال الكتابة تعيد الذات ترتيب ما تفرق منها، إلى أن تصل إلى العبارة المركزية: “جمعتُ حاصل انكساري/ في رفع ياء”. هنا لا تستعيد الشاعرة ذاتها السابقة، بل تعيد تشكيلها. فالياء تصبح علامة على حضور الأنا، و”رفعها” يستفيد إيحائيًا من دلالة الهتاف والاحتجاج، من غير أن يفقد وظيفته الأساسية في سياق القصيدة: تثبيت الذات بعد اهتزازها.
وتتضح النتيجة في “تعريفي للشجر”، حيث لا تعود الذات منشغلة فقط بتعريف نفسها، بل تستعيد قدرتها على النظر إلى العالم ومنحه أسماءه ودلالاته. وهكذا ينتقل النص من أزمة الهوية إلى إمكان بناء هوية جديدة، ومن الذاكرة بوصفها أثرًا للجرح إلى الذاكرة بوصفها مادة لإنتاج المعنى.
إن القصيدة، في جوهرها، لا تحكي عن غياب الآخر بقدر ما تكشف ما يفعله هذا الغياب في بنية الأنا، وكيف تستطيع الذات أن تحول الانكسار إلى معرفة بنفسها وبالعالم. فالآخر كان بداية الأزمة، والذاكرة كانت مساحة استرجاع، والكتابة كانت أداة إعادة ترتيب، أما “رفع ياء” فكان لحظة اكتمال التحول.
لهذا يمكن اختزال الحركة العميقة في القصيدة في جملة واحدة:
ولدتُ ذاتي من انكساري
...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي