مقالات ادبية واجتماعية وفنية
أ.د حسين عبيد شراد
ناقد وأكاديمي | عراقي
ليس كل من يشتغل بالثقافة مطالبًا بأن يكون فيلسوفًا، ولا كل من يقرأ الأدب مطالبًا بأن يكون أديبًا، ولا كل من يعرض الأفكار ملزمًا بأن ينتج نظرية جديدة. فالثقافة منظومة واسعة من الأدوار؛ فيها الكاتب والمفكر والناقد والباحث والمترجم والمعلّم، وفيها كذلك القارئ الذي يقرأ وينقل ما قرأه ويقرّب المعرفة من الناس.
ومن هذا المنظور يمكن النظر إلى الانتقاص من حسين سعدون بوصفه «قارئًا فقط»، لأنه يعرض اقتباسات وأفكارًا من دون أن يتدخل دائمًا بالتحليل أو إبداء الرأي. فهذا الحكم يفترض، ضمنًا، أن القيمة الثقافية لا تتحقق إلا بإنتاج معرفة جديدة.
لكن هل كل قيمة ثقافية مشروطة بإنتاج المعرفة؟
لو قبلنا بذلك لضيقنا مفهوم الثقافة إلى حد كبير؛ لأن المعرفة لا تنتقل من الكتاب إلى المجتمع انتقالًا آليًا. فبين المؤلف والجمهور توجد وظيفة لا تقل أهمية، هي وظيفة الوسيط الثقافي: ذلك الذي يقرأ ويختار ويعرّف ويقرّب، ويجعل ما هو موجود في الكتب حاضرًا في دائرة الاهتمام العام.
وهنا يظهر اعتراض آخر: ما يفعله هذا القارئ متاح اليوم في التطبيقات ومحركات البحث؛ فالكتب والاقتباسات وأسماء المؤلفين يمكن الوصول إليها في ثوانٍ. فما الحاجة إلى شخص يعرض علينا ما نستطيع العثور عليه بأنفسنا؟
والجواب أن هذا الاعتراض يخلط بين إتاحة المعرفة وخلق الاهتمام بها.
فالوسيط الإلكتروني يستجيب، في الغالب، لطلب موجود مسبقًا: تسأل فيجيب، وتبحث فيعرض النتائج، وتكتب اسم كتاب فيقودك إليه. أما الإنسان فقد يسبق السؤال نفسه؛ إذ يلفت انتباهك إلى كتاب لم تسمع به، أو فكرة لم تكن تفكر في البحث عنها.
الوسيط الإلكتروني يساعدك على الوصول إلى ما تعرف أنك تبحث عنه، أما الإنسان القارئ فقد يعرّفك بما لم تكن تعرف أنك تبحث عنه أصلًا.
يمكن لمحرك البحث أن يقدم لك كل شيء عن كتاب تعرف اسمه، لكنه لا يستطيع بالضرورة أن يجعل كتابًا لم تسمع به حاضرًا في اهتمامك. ويمكن للتطبيق أن يمنحك آلاف الاقتباسات، لكن الاقتباس وحده لا يصنع قارئًا. وقد تكون طريقة تقديم الفكرة، والحماس لها، والسياق الذي توضع فيه، هي ما يحوّل المعلومة إلى فضول، والفضول إلى رغبة في القراءة.
إن وفرة المعرفة لا تعني بالضرورة وفرة الرغبة في المعرفة. فالمكتبات ممتلئة بالكتب، والمعلومات متاحة أكثر من أي وقت مضى، ومع ذلك لم تتحول وفرة الوسائط إلى وفرة مماثلة في القراء.
ومن هنا يمكن فهم ما يقدمه حسين سعدون، بصرف النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع طريقته. فقد لا يكون فيلسوفًا ينتج مذهبًا، ولا ناقدًا يقدم جهازًا نقديًا، ولا أديبًا يكتب نصًا إبداعيًا، لكن هذا لا يعني أنه بلا وظيفة ثقافية. فقد تتمثل قيمة ما يقدمه في إعادة الكتاب إلى دائرة الحديث، واستدعاء أسماء المؤلفين، وإثارة الفضول تجاه أفكار وكتب ربما لم تكن لتصل إلى بعض الناس من دون هذا النوع من الحضور.
وهنا ينبغي أن يكون الدفاع منصفًا؛ فهذا لا يعني أن حسين سعدون يمثل الصورة المثالية للقارئ أو المثقف. فمن حق الناقد أن يلاحظ أن القراءة، في صورتها الأكمل، لا ينبغي أن تقف عند الحفظ والاستدعاء والعرض، بل تتجاوزها إلى الفهم والتحليل والمقارنة والنقد وتكوين موقف خاص. وهذه ملاحظة مشروعة لا ينبغي إنكارها.
لكن الخطأ لا يقع في القول إن حسين سعدون قارئ يحتاج إلى مزيد من التحليل والتعليق، وإنما يقع في تحويل هذه الملاحظة إلى حكم ينفي عنه كل قيمة ثقافية. فبين «القارئ المثالي» الذي نطمح إليه، و«القارئ الذي لا قيمة له» مسافة واسعة.
قد لا يكون قارئًا نقديًا بالمعنى الذي يحلل كل ما يقرأه ويعيد إنتاجه في رؤية خاصة، ومن حقنا أن نطالبه بذلك إذا أراد أن يتقدم في تجربته. لكن من الإنصاف أن نحاكمه وفق ما يقدمه فعلًا، لا وفق صورة مثالية نريد أن نفرضها عليه.
فليس المطلوب أن نزعم أن ما يفعله هو أعلى درجات القراءة، وإنما أن نعترف بأن للقراءة درجات ووظائف: قارئ يكتشف، وقارئ يحفظ، وقارئ يعرض، وقارئ يشرح، وقارئ يحلل وينقد. ولا يصح أن ننفي قيمة مرحلة أو وظيفة لأننا نفضل وظيفة أخرى.
إن وصف شخص بأنه «قارئ» لا ينبغي أن يكون تهمة.
نعم، قارئ الفلسفة ليس فيلسوفًا بالضرورة، وقارئ الأدب ليس أديبًا بالضرورة. لكن الفيلسوف نفسه يحتاج إلى قارئ، والفكرة تحتاج إلى من ينقلها من دائرة الاختصاص إلى دائرة الاهتمام. فالثقافة لا تحتاج إلى منتجي الأفكار وحدهم، بل تحتاج أيضًا إلى جمهور يتلقى هذه الأفكار ويتداولها.
ولا يعني ذلك أن العرض المجرد هو الغاية النهائية. فمن حقنا أن نطالب بالتدقيق في المصادر، وأن نناقش الاختيارات، وأن نطمح إلى مزيد من التحليل والتركيب. لكن الخطأ هو أن نضع أمام القارئ شرطًا تعجيزيًا: إما أن تنتج فلسفة أو لا قيمة لما تفعل.
فليس كل تعليق تحليلًا، وليس كل رأي إضافة. وقد تكون الأمانة، في بعض الأحيان، في عرض فكرة صاحبها كما هي، وترك مساحة للمتلقي كي يفكر فيها، بدل تحويل كل نص إلى مناسبة لاستعراض الذات.
وقد يبدأ إنسان بالاستماع إلى حديث عن كتاب، ثم يبحث عنه، ثم يقرأه، ثم ينتقل إلى كتاب آخر، ثم يتعلم بمرور الوقت أن يناقش ويحلل ويختلف. وليس من المنطقي أن نحتقر هذه البداية لأننا ننتظر من الجميع أن يصبحوا مثقفين نقديين منذ اللحظة الأولى.
ولهذا فإن الانتقاص من «القارئ» بوصفه مجرد ناقل للمعرفة يتجاهل حقيقة أساسية: أن المعرفة لا تصبح قوة ثقافية بمجرد وجودها في الكتب، بل حين تصبح جزءًا من دائرة الاهتمام والقراءة والتداول.
وحسين سعدون مثال مناسب لهذه الفكرة. فقد لا يكون منتجًا لنظرية، وقد لا يكون القارئ النقدي المثالي الذي يعلّق ويحلل ويعيد تركيب كل ما يقرأه، لكن السؤال الأهم قبل الانتقاص منه هو: كم شخصًا سمع منه باسم كتاب لم يكن يعرفه؟ وكم إنسانًا دفعه حديثه إلى البحث؟ وكم قارئًا وجد في ما يقدمه بداية طريق أطول؟
فربما لا تتمثل القيمة الثقافية لبعض الناس في أنهم يكتبون الكتاب، بل في أنهم يجعلون آخرين يريدون قراءته.
التطبيق يسهّل الوصول إلى المعرفة، لكنه يجيب غالبًا عن سؤال موجود. أما الإنسان القارئ فقد يثير السؤال نفسه.
فليس كل قارئ فيلسوفًا، وهذه حقيقة.
لكن ليس كل فيلسوف قادرًا على أن يصنع قارئًا.
وربما كانت قيمة بعض القراء أنهم لا يكتبون الكتب التي نقرأها، لكنهم يجعلوننا نلتفت إلى أنها موجودة أصلًا.
...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي