مقالات ادبية واجتماعية وفنية
شوقي الصليعي
ناقد | تونسي
يُعدّ العنوان في العمل الروائي عتبةً نصيةً أساسية، إذ لا يقتصر دوره على تسمية العمل وتمييزه، وإنما يضطلع بوظيفة دلالية وإيحائية تفتح أمام القارئ مسالك متعددة لفهم المتن وتأويله. ومن هذا المنظور، يبدو عنوان الرواية الموجهة إلى اليافعين «حرّاس حدود الحياة» عنوانًا كثيف الدلالة، تتفاعل مكوناته اللغوية مع أحداث الرواية وشخصياتها وفضائها البيئي، بحيث لا يُفهم العنوان بصورة كاملة إلا بالعودة إلى المتن، كما أن المتن يكتسب جزءًا من دلالته من خلال العنوان
يتكون العنوان من ثلاثة عناصر أساسية: «حرّاس» و«حدود» و«الحياة» وتستوقفنا أولًا كلمة «حرّاس»، وهي جمع «حارس»، بما تحمله من دلالة على الحماية والمراقبة واليقظة وتحمل المسؤولية. والحارس لا يكون مجرد حاضر في المكان، بل يتولى وظيفة الدفاع عنه وصون ما اؤتمن عليه. وهذه الدلالة تجد امتدادها في المتن من خلال مجموعة الحيوانات التي تتحول، بصورة رمزية، إلى مدافعين عن بيئاتها: فالنحام يرصد تدهور البحيرة، والفنك يكشف مأساة الصحراء والصيد الجائر، والغزال يقود نحو الجبال، والوعل يكشف ما تتعرض له البيئة الجبلية من اعتداءات. وهكذا يتحول الحيوان من كائن يعيش في الطبيعة إلى شاهد على اختلال التوازن البيئي وحارس لذاكرة المكان
أما لفظة «حدود» فتبدو أكثر تركيبًا من الناحية السيميائية؛ فهي لا تحيل بالضرورة إلى الحدود الجغرافية والسياسية، وإنما يمكن تأويلها باعتبارها حدودًا فاصلة بين الحياة والموت، وبين حماية الطبيعة واستغلالها، وبين الإنسان المسؤول والإنسان المعتدي. وتتنقل الرواية عبر فضاءات تونسية متعددة البحيرة، والجنوب، والصحراء، والجبال، وبذلك تصبح «الحدود» كذلك حدودًا مكانية تتقاطع معها حدود بيئية وأخلاقية. فكل فضاء يكشف وجهًا من وجوه الأزمة، إلى أن يتضح للقارئ أن الخطر لا يهدد منطقة واحدة، بل يمتد إلى مختلف المنظومات الطبيعية
وتبلغ الدلالة ذروتها في كلمة «الحياة»، وهي أكثر ألفاظ العنوان شمولًا. فالرواية لا تدافع عن حيوان منفرد أو غابة بعينها، وإنما عن منظومة متكاملة تشمل الإنسان والحيوان والماء والنبات والأرض. لذلك فإن «الحياة» في العنوان تتجاوز معناها البيولوجي لتصبح قيمةً مركزيةً تتأسس عليها الرواية كلها. عندما تتلوث البحيرة، لا يموت السمك والطير فقط، بل يتضرر الإنسان أيضًا؛ وعندما يُستنزف الجنوب بالبلاستيك والمخلفات البتروكيميائية، لا تكون القضية قضية مكان معزول، وإنما قضية مستقبل؛ وعندما يتعرض الفنك للصيد الجائر وتُسلب صغاره، يصبح الاعتداء على الحيوان اعتداءً على التوازن الطبيعي نفسه
وهنا يأتي السياق ليفرض قانونه على الدال والمدلول، وتخرج الكلمات من معانيها الضيقة إلى فضاء رحب أولم يقل عز وجل تلك حدود الله فلا تقربوها. فالعنوان ببرهان الخلف الكانطي يحيلنا على الجهة المخفية من المعنى، ويجعلنا وجه لوجه مع المعنى المحذوف. فأي خطر يهدد هذه الحدود المجاوزة للمعنى الحرفي والجغرافي. وهنا تكمن تقنية التشويق السردي التي يحيلنا عليها العنوان. باعتباره يوهم بشيء ما قد يكسر أفق التلقي
ومن ثمّ، فإن العلاقة بين العنوان والمتن تقوم على التدرج من الدال إلى المدلول فالعنوان يقدم للقارئ وعدًا بوجود «حراس» وبوجود «حدود» تستوجب الحراسة، بينما يقدم المتن تفسيرًا عمليًا لهذا الوعد. ومع تقدم الأحداث يتضح أن الحراس ليسوا بالضرورة حراسًا بالمعنى التقليدي، وإنما كائنات وشخصيات تتقاسم مسؤولية الدفاع عن الحياة. وفي هذا السياق، يؤدي الشاب الذي يوثق الأضرار وينشرها عبر وسائل التواصل الاجتماعي دورًا محوريًا؛ إذ ينتقل فعل الحراسة من عالم الحيوان إلى الإنسان. فالكاميرا تصبح أداة مقاومة، والتوثيق يتحول إلى فعل حماية، ووسائل التواصل الاجتماعي تتحول من مجرد فضاء للتواصل إلى وسيلة لكشف الاعتداء على الطبيعة.
وتزداد أهمية هذا البعد عندما تتكاتف جهود الحيوانات والشاب والإعلام والمجتمع، فتتدخل الدولة في نهاية المطاف لمعالجة المشكلات ووضع حد للاعتداءات. وهنا تتسع دلالة «الحراس» لتشمل جماعةً كاملة، فلا يعود الحارس فردًا منعزلًا، وإنما يصبح وعيًا جماعيًا وبذلك ينتقل النص من فكرة البطولة الفردية إلى فكرة المسؤولية المشتركة، وهي قيمة مناسبة جدًا لأدب اليافعين؛ لأن الرواية لا تقدم للناشئ شخصية خارقة تنقذ العالم وحدها، بل تعلمه أن حماية البيئة فعل جماعي يبدأ بالوعي وينتهي بالمشاركة
كما أن تركيب العنوان بصيغة الجمع «حرّاس» يحمل دلالة مهمة؛ فاختيار الجمع بدل المفرد ينسجم مع تعدد الشخصيات والأدوار في المتن. هناك النحام والسلحفاة والفنك والغزال والوعل والشاب، ثم الإعلام والمجتمع والدولة. وكل شخصية تؤدي وظيفة في مسار الإنقاذ. ومن ثم يصبح الجمع في العنوان بنية دالة على التعدد والتكامل، في مقابل تعدد أشكال الاعتداء على الطبيعة
ومن الناحية التقابلية، يبني المتن مجموعة من الثنائيات التي يعكسها العنوان بصورة ضمنية الحراسة في مقابل الاستغلال، الحياة في مقابل الموت، الطبيعة في مقابل التدمير، الوعي في مقابل اللامبالاة، والتعاون في مقابل الجشع. فالمنتجعات ورأس المال والمصالح التي تسعى إلى الاستيلاء على الأراضي بعد الحرائق تمثل الوجه المناقض لفكرة الحراسة. وإذا كان «الحراس» يمثلون إرادة حماية الحياة، فإن المعتدين يمثلون إرادة تحويل الطبيعة إلى سلعة ومجال للربح
وتكتسب عبارة «حدود الحياة» دلالة رمزية قوية أيضًا؛ فالحدود هنا هي النقطة التي لا ينبغي للإنسان أن يتجاوزها في علاقته بالطبيعة. فحين يتحول الاستثمار إلى تدمير، والصيد إلى إبادة والعمران إلى ابتلاع للفضاء الطبيعي، والتخلص من النفايات إلى تلويث للماء والأرض، يكون الإنسان قد تجاوز «حدود الحياة». ومن هنا يمكن فهم الرواية بوصفها محاولة لإعادة رسم هذه الحدود، ووضع معيار أخلاقي للعلاقة بين الإنسان والبيئة
وإذا كان العنوان يقوم بوظيفة استشرافية، فإن المتن يقوم بوظيفة تفكيك دلالاته وإعادة تركيبها فالقارئ يدخل الرواية وفي ذهنه سؤال ضمني: من هم «حرّاس حدود الحياة»؟ ومع تطور الأحداث تتعدد الإجابات، إلى أن يتبين أن الحراسة ليست امتيازًا لفئة معينة، بل مسؤولية كل من يرفض تدمير الطبيعة. وهكذا يظل العنوان مفتوحًا على التأويل حتى نهاية الرواية، حين تتدخل الدولة وتتكامل الجهود الإعلامية والمجتمعية، فيتحول العنوان من مجرد تسمية إلى خلاصة رمزية للمشروع القيمي الذي تنهض عليه الرواية
وهكذا ينجح العنوان في أداء وظيفتين متكاملتين: وظيفة إغوائية تستثير فضول القارئ وتدفعه إلى التساؤل عن هوية الحراس وما الذي يحرسونه، ووظيفة تأويلية تتضح أبعادها كلما تعمق القارئ في أحداث الرواية. وبذلك تصبح «حرّاس حدود الحياة» عبارة تلخص الرحلة كلها:رحلة من اكتشاف الخراب إلى الوعي به، ومن الوعي إلى التوثيق، ومن التوثيق إلى التضامن، والنجاح.
.jpeg)
.jpeg)
...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي