loader
MaskImg

المقالات

مقالات ادبية واجتماعية وفنية

ما جاء على(فَعَّاي) مثل: گصَّاي_عَدَّاي_غَزَّاي_سَرَّاي_بَدَّاي... ما قصّتُه؟. وكيف يُعرَب؟

breakLine
2026-08-20

 


د.سعد سرحت/باحث لغوي عراقي


    صِيغتْ هذه الأسماء على زنة(فعَّال) التي الأصل فيها الكثرة والمبالغة, وقد يراد بها الوجاهة والطبع والحِرفة, والوجهُ فيها الهمزة بعد الألف لا الياء, غير أنّ العامة دأبًا تُخفِّف الهمزة المتطرفة, فجاءت كلّها بالياء.
   كان الأصل في هذه الـأسماء الوصف أولًا, إذ أريدَ بها الوجاهة والمراكز والأدوار الاجتماعية والحِرف والطِّباع، فقد كانت المراكز والأدوار تكاد لا تتعدّد ,بل تأتي موزّعة في الجماعة على قلّة من الذوات وفق مبدأ الوجاهة والحظّ , فمَثَل هذه الأسماء مِثل ألقاب ذوي الحِرَف والصناعات والطِّباع: القَصّاب، والقَمَّاش، والبزَّاز،والسَحَّار,عالَتّال,و الشَّيال,  والمَنَّاع, وبكَّاء ...إلخ.
   وهكذا حين يصفون أحدًا ب(حجّاي) فهم يعنون بهذا دوره في الجماعة بوصفه متحدّثًا عنهم يحترف الكلام, وحين يصفونه ب(غَزَّاي) فهم يريدون الذي يحترف الغزو في الجماعة, أو الذي أصبح فيه الغزو طبعًا وعادة. وفي السّوق حين يقدّم أحدهم نفسه اليوم: (آني شَرَّايْ) تراه عدل عن(شاريْ) إلى(شرّاي) ليلفِتَ البائع، ويثبت أنّه مضمون متمرّس عند كلمته في البيع والشّراء, فهو بهذا يقدّم طَبْعه حيث يقدّم نفسه. وعند قولنا(شوَّاي) كذلك لا نريد المبالغة والكثرة فحسب، بل نريد الحرفة.
   وعند الجمع يؤتى بتاء فيقال: الشرّاية, والحجَّاية, والمشَّاية, ومقامات الكلام كفيلة بدفع الشركة في حال التبس أيُّ منها بالمؤنث, على الرَّغم من غلبة التّذكير على هذه الأسماء نظرًا لسيادة الرِّجال على المراكز والأدوار والوظائف في المجتمع, لكنَّنا نقول هذا احتراسًا من أنْ يرد بعض منها مؤنَّثًا, مثل:(حَجَّاية), أي المرأة المتمرّسة في الكلام. كذا المقام والمقال كفيلانِ بدفع الشِّركة في حال التبس باسم الآلة, ففي العراق كثيرًا ما نصوغ اسم الآلة على(فَعَّالة) مثل: شوَّايَة.
     الأصل في هذه الأسماء ,إذن, التوصيف الاجتماعي قبل انتقالها إلى العلميّة، فلا يراد ب(فعّال)هنا الكثرة بذاتها، ولا الانطباع إثر الكثرة بذاته, بل المراد المركز والدور والوظيفة والوجاهة والحرفة في المجتمع، ألَا ترى أنّ هذه الأسماء تغني عن ياء النسب؟.
       لهذه الأسماء حظًّا من العجمة, وحقّ يائها أنْ تكون همزة، فسواء أكانت أفعالها من ذوات الياء أم من ذوات الواو، أو كانت لازمة أم متعدية، حقّها أنْ تقلب همزة لوقوعها بعد ألف، وإلّا فثبوت الياء في آخرها يُكلِّفها الوقوع في باب المنع من الصّرف، إذ يجعلها غريبة عمّا ألفته العرب وعهدته.
   لكن أيُعدّ تغريب اللفظ عن معهود العرب سببًا لدخوله دائرة العجمة؟.                          
     لو غُرِّب الاسم صحيح الآخر عن معهود العرب لأصبحَ مولّدًا, وقد لا يحول هذا دون تمكُّنه ، أمّا الأسماء ذوات الواو والياء فشأن آخر، نظرًا  لحساسية هذين الحرفين، ففي وقوعها آخرًا مشقّة, على ما بيّنا ذلك في حديثنا عمّا جاء على(فعّولي_ فعلاوي_ فَعَّو_ فَعلو)، إذ أوقعتها الواو والياء المتطرّفتان في دائرة العجمة لخروجها عن المعهود من جهة، ولوجود نظائر لها في اللغات الأجنبيّة من جهة أخرى. 
  وعليه، فالمعهود في صيغة(فَعّال) إذا جاءت عليها الألفاظ من فعلٍ معتلّ بالواو والياء أنْ تقلبا همزة، فالمبالغة من(بنى_ يبني) بَنّاي, قبل أنْ تقلب الياء همزة لوقوعها طرفًا بعد الألف. والمبالغة من (غزا_يغزو) غزَّاو، قبل أنْ تقلب الواو همزة لوقوعها طرفًا بعد الألف أيضًا.
    لكنّ ورود الاسم على هذه الصيغة محتفظًا بالياء ليس له وجه في العربيّة, إذ إنَّ ثباته على(فَعَّايْ) يورثه العجمة _كما قلنا_ على غرار(مكَّاي_شناي_ تُناي_توكاي_ صوناي، موساي _أديباي,  مومباي, شنغهاي) فما لنا إلّا أنْ نحكم بعجمته ونمنعه من الصَّرف, ونعامله كما نعامل هذه الأسماء الأجنبيّة, لذا آثرنا كتابة الصّيغة بالياء (فَعَّايْ) بدلًا من اللام,وذلك إشعارًا بغرابتها .
    وعند الإعراب :(جاء غَزَّايُ, رأيتُ غَزَّايَ, مَرَرْتُ بِغَزَّايَ) لا نقدِّر الحركة على الياء للثِّقل, بل تظهر الحركة, لأنّ الألف تُشَهِّي بإظهارها دون التَّنوين الذي لا يظهر إلَّا عند إرادة التنكير: (مَرَرْتُ بِغَزَّايْ وغَزَّايٍ آخر !.), فهو مرفوع وعلامة رفعه الضَّمة الظاهرة على الياء, ومنصوبٌ وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على الياء, ومجرور وعلامة جره الفتحة الظاهرة بدل الكسرة, لأنّه ممنوع من الصَّرف.
   وعند النّسب كذلك لا حاجة  لتشديد الياء, فصيغة الاسم ودلالته  تغنيانِ عن النّسب كما قلنا شريطة إظهار الحركة على الياء, اللّهمَّ إلَّا عند بنائها على الوقف كما بيّنا في مقامات ذكر الاسم الثنائي فما فوق .
 ولا ننسى أنَّنا قد نريد بهذه الأسماء التَّحَبّب أيضًا, ف(عَدَّاي) تَحَبُّبٌ ل(عُدَي) أو عادي, و (بَدّاي)تحبّب ل(بَدّيّ) أو (بادي), و(غَزَّاي) تحبّب ل(غازي), وهكذا على ما تسمع كلّ ذلك اليوم على لسان العراقيين.
    لعلّ أحدنا يشكل عليه معنى هذه الأسماء(گصَّايْ_عَدَّايْ_غَزَّايْ_سَرَّايْ_بَدَّاي) فينبغي الوقوف عند كلٍّ منها.
 نبدأ ب(گصَّايْ) الذي سئلتُ عنه قبل يومين. لك في گصَّايْ وجهان:
١_ إمّا من(قَصَا يَقْصُوْ) وهو لازم بمعنى بَعُد، والصفة المشبّهة منه على فَعِيْل (قَصِيٌّ) أي البعيد، والبعيد هنا ذو حمولة معنوية، بمعنى التفرُّد والتميّز عن الآخرين, وتصغيره(قُصَيٌّ). لا يُستبعد أنّهم حبَّبوا قُصَيًّا فقالوا: گصَّايْ بعد قلب القاف كافًا مجهورة, بدليل أنّهم يجرون هذا على نظيره ومُلازمه(عُدَي). فيقولون عند التَّحبب: عَدَّاي.
٢_وإمّا من (قَصِيَ يقصَى) وهو متعدٍّ، أي الرامي يطلب البعيد عند الرمي، والمبالغة منه على فَعِيل(قَصِيٌّ) وتصغيره(قُصَيٌّ).
   في العراق نقول: (فلان يِرمي گِصي), و(فلان يِگصي)، وهو وإنْ كان اشتمل على معنى الرّمي، إلّا أنّ صورة (الگُصة= الجبين) تزاحم الرّمي في الذّهن، فبين الجبين والرّمي تلازم ضروري، وإطلاق (گُصة) على الجبين قد يكون من القصّ, فالجبين موضع يُتحرَّج فيه من تدلّي الشّعر عليه, فينبغي أنْ يُقصّ. وقد يكون مأخوذًا من القَصي في الرّمي, إذ الرُّماة يتبارون اليوم في الرّمي على استهداف الجباه موطن الفأل والشؤم مثلما كان التَّباري قديمًا على القلب و الصّدر موطني الكتمان, ولا يخلو الوصف هنا من دلالات معنويّة فقد يُطلق مجازًا على من يواجِه بالكلام ولا يخفيه, فتسمع من يصف سلاطة لسان أحدهم, فيقول: (فلان يخليها بالگُصة) أي يواجه بكلمته فيضعها في الجبين وجهًا لوجه, وفي هذا استعارة, أي يضع الكلمة بالجبين مشبِّهًا إياها بالرّصاصة, ولك أنْ تحمله على التّمثيل, أي كمن يضع الرّصاصة بالجبين, فمثلما آختِ العرب قديمًا بين النبال والكلام, آخت اليوم بينه وبين الرَّصاصة .
  وعمومًا, فعند بنائه على(فَعَّال) القياس أنْ نقول(قَصَّاء) لكنَّنا استغنينا عن الهمزة بالياء، فقلنا :(قَصَّاي) بقلب القاف كافًا مجهورة(گصَّاي). لذا يبدو لك أنّ الاسمَ گصَّايَ ذو مرجعيّة حربيّة ,لعلَّه كان وصفًا يُعرف به أحد فرسان القبيلة ماهرٌ في الرَّمي أو القنص, ومع تقادم الزَّمن انتقل إلى العلميّة استبشارًا وتيمّننًا.
  وأمّا(عَدَّاي)فمعناه الذي يعدو إلى القتال، ومنه(عَدِيّ القوم) أي أسبقهم حملًا على العدو وأوّلهم إغارةً. فهو من(عدا يعدو) واسم الفاعل منه(العادي) والمبالغة منه(عَدِيٌّ) وتصغيره على(عُدَيٌّ) محكوم عليه في الفصيح بالندرة, والعامّة تكاد لا تورده إلّا مصغّرًا. ولكنّ بناءه على (فعَّال) غريب، وإن يكنْ فالقياس(عَدَّاء) والأصل(عَدَّاو) قبل قلب الواو همزة بعد الألف(عَدَّاء). وأمَّا(عَدّاي) فعاميّ جرى حملًا على أشباهه. وعلى ما تقدّم كثيرًا ما يراد بعَدَّاي عندنا في العراق التحبّب لعُدَيّ, وهذا لا يُخفّف من وقعِه الحربيّ ولا من جرسه الفاقع, ولا يضفي عليه من الرقّة شيئًا.
  وأمّا(غَزّايُ) فوصف من(غزَا_ يَغزُوْ) والأصل فيه الإرادة والطلب، ومنه(غزَا القومَ) أي سار إليهم يَطلُبُ الحرب. و(غَزُوَ) على صيغة فَعُلَ الدالّة على الإجادة، أي جادَ غزْوُه. واسم الفاعل منه (الغازِيّ) ويُجمعُ على غُزاة وغَزِيّ وغُزَّاء، والمبالغة منه(غُزَيّ) إذ مرّ على سمعي اسم (اغْزَيْ).  وإذا أُريد بناؤه على (فَعّال)، فالوجه أنْ يُقال: (غَزَّاء) وليس غَزَّايْ. ولك هنا أنْ تقول إنّ أصله قبل العلميّة وصفٌ لمن يمتهن الغزو أو لمن هو منطبع عليه , أو هو تحبُّب لغازي أو غُزَيّ, على الرَّغم من أنّ اسمَ غازيْ خضع للتَّرقيق والتَّمدّن في الوعي العراقي , فلا تلتمس فيه ما يبعث على الغزو والنَّفخ الحربيّ, إذ المسمَّون  بغازي عندنا سُموا  حبًّا وتيمّنًا بالملك غازي أو إشفاقًا عليه بعد رحيله, أمَّا الخال (غَزَّاي)  فيتطاير الشّرر من عينه والعياذ بالله!.

  وأمّا(سَرَّاي) فمن(سَرُوَ) على زنة(فَعُلَ). وهو من مادة(سرو) التي تحيل على أشياء، كالسخاء، والمروءة، والشرف، والارتفاع , والعلو ومعاني أخرى. فمعنى(سَرُوَ_ يسرو) سَخِي أو أصبح ذا مروءة، أو شَرُف. وأمّا(سَرِي) فمعناه ارتفع قدرًا، ومنه(سَراة القوم) أي أسيادهم وعِليتهم. فهو فعل لازم في الحالين، والصفة المشبهة منه (السَّاري) و(السَّريّ). ولعلّ العامّة حملوه على(سار يسير) المتعدي بالظرف وحرف الجرّ، فيفهم منه السّير إلى الحرب، فبنوه على (سَرَّايْ) والقياس(سَرَّاء).
    غير أنّه يلتبس بالاسم التركيّ(سَرَايْ)الذي يعني القصر, وسمعت من يقول إنّ (سَرَّاي) أُخِذ منه وصفًا على رجالات القصر, أو الذي يتردّد عليه بكثرة. لا أدري, ما أحاول أنْ أدريه هو أنّ (سَرَايْ) التركيّة قد تكون مأخوذة من مادة (سَرِي) الدالّة على الارتفاع, وإنْ شئت فمن مادة( سور) الدالّة على الإحاطة, ففي القصور ارتفاع ورِفعة, وسور يحيط بها.

  وأمَّا(بَدّاي) فلك فيه وجهان:
١_ إمّا من(بدَي_يبدي) إذا ظهر ووَضُح، والبَدِيُّ صفة مشبهة على(فَعِيل) أي الظاهر الواضح. و(بادي)أيضًا صفة مشبهة وإنْ جاء على صيغة اسم الفاعل، ومعناه ظاهر الرأي، ومنه قوله تعالى: ﴿بَادِيَ ٱلرَّأۡيِ﴾ (هود 27): أي ظاهر الرأي دون ما يبطن.
٢_ إمّا من(بدأ يبدأ) خاصًّا بالرأي والمشورة، فبه يُبتدَأ الرأي في المجالس، وأوّل من تُطلب منه المشورة, واسم الفاعل منه(بادِئ) أي الذي يتصدّر بالرأي لوجاهته، والمبالغة منه(بَدِيء) لكنّ العامة تخفّف, فتقلب الهمزة ياءً(بَدِيْي) عندئذٍ تُدغم الياءان(بَدِيٌّ). وعند بنائه على(فَعّال) نقول(بَدَّاء) وعند التخفيق(بدَّاي) كأشباهها عند العامة.
وقد يسأل سائل: لِمَ جعلنا ما جاء على(فعّوليْ_ فعلاويْ_ فَعَّوْ_ فَعلوْ)موقوفًا عليه وأعربناه بالحركات المقدّرة, على حين أظهرنا الحركة على ياء(فَعَّايْ) غير موقوفٍ عليها؟.
نجيب: إنّ علّة منع هذه الأسماء من الصّرف هي أنّ في صرفها إقرار بجواز تخفيف همزة ما جاء على(فَعَّال),وهذا لا يَصِحّ, فالوجه أنْ نُشْعِرَ بغرابته ونحكم بعجمته  خشية أنْ يطّرد استعماله . هذا من جانب. 
  ومن جانب نرى أنّ الياء هنا تلي الألف فيلتقي ساكنانِ, والحركة على الياء بعد الألف غير مستثقلة, هاك جَرِّب:( عَدَّايُ_ عَدَّايَ). وجَرِّب مع الإضافة إلى الضمائر المتصلة: (عَدَّايُه_ عَدَّايَه_ عَدَّايِه). أجرَّبت؟. لم تستثقلها, أليس كذلك؟!.
   ولكنّ الحركة في(علّاوِيُ_عَلَّاويَ/حمُّودِيُ_حمُّوديَ/عَلَّوُ_عَلَّوَ)) مستثقلة, وإنْ لم تستثقلها هنا فستستثقلها عند الإضافة:(علَّاويُه_حمُّوديَه_عَلَّوِه).. أجَرَّبتْ؟. ألست تستثقلها, وتشتهي أنْ تُشَدِّدَ الواو والياء للنطق بالحركة عليهما؟.

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي