loader
MaskImg

المقالات

مقالات ادبية واجتماعية وفنية

هل نقتلُ دوستويفسكي وبيسوا كلَّ يوم؟

breakLine
2026-08-20

 

 


عمر حورانية/كاتب سوري

 

أنا عبقري ولا احد يعرف ذلك سواي.

تشارلز بوكوفسكي


اليوم عدتُ لقراءة بيسوا.
تركتُ كتاب اللاطمأنينة في منتصفه قبل أعوام، ولم أجرؤ على العودة إليه.
ذلك الشعور الرمادي أصابني بالذعر والقلق يومها، بيسوا يُسكنك في عالمٍ رمادي من صنعه النفسي. يصفُ أشد المشاعر اضطراباً وحيرةً ولا طبيعية. يكتب عني، بقلمٍ يميلُ إلى رماديةً شعورية، بدلَ أسودي وأبيضي المطلقين.

غرقتُ قبلها لأيامٍ طويلةٍ داخل شعرِ ورواية تشارلز بوكوفسكي، والذي يشكلُ نقيضَ بيسوا.
بيسوا مليءٌ بعالمه الداخلي المضطرب، وحياتهِ الروحية الغنية والمضطربة. بوكوفسكي في المقابل، يفيضُ حسيةً وجسمانيةً وبساطةً ولا مبالاةً وبذاءة.
بيسوا وبوكوفسكي نقيضين، كذلك أنا.

أنا نقيضان.
أنا مجموعةٌ من الثنائيات المتناقضة.
أنا مجموعة أضداد، كلها أنا.

وجدتُ نفسي في هذين النقيضين، لا على المستوى النفسي والإنساني فحسب، بل على المستوى الأدبي أيضاً.
رأيتُ تجربتي الأدبية في كتاباتٍ متناقضة، والأهمُ من ذلك؛ وجدتُ استعصاء ما أكتبهُ على النشر في كتاباتهما.
أزعمُ أن بيسوا لو كان كاتباً عربياً اليوم، وكتب كتاباته نفسها، لما وجدَ ناشراً لأعماله.
لا أشبِّهُ جودة ما أكتب بعظمة ما كتبه بيسوا، لستُ مهرطقاً.
لكنّ استعصاء كتابات بيسوا على التصنيف الأدبي، كان سيواجَهُ اليوم بإعراضٍ عن النشر لهُ، بل وأكثر من ذلك؛ كان سيقابل بتحطيمٍ معنوي ونصائحَ نقدية تتعلق بالجنس الأدبي وهوية النص والإفراط في الذاتية!!
باتَ الإفراطُ في الذاتية تهمةً.
الذاتية تهمة؟ من أين ينبعُ الفن؟

أزعمُ أنني اليوم لو أخذتُ نصوص بيسوا نفسها، وقدمتها لناشرٍ يقدس عبقرية بيسوا، لرفضَ نشرَ النصوص ولاعتبرها طفولةً أدبية.

لطالما أحبطتني هذهِ القضية، قضية استيراد التقديس، وتقزيمِ ما قد يكون عظيماً ومقدساً لو أخذ نصيبهُ المستحق من القراءة والنقد.
ماذا لو كان بيننا دوستويفسكي يرفضُ الناشرون نشر أعماله؟ ماذا لو أحبطَ كاتبٌ ما بيسوا شاب؟ ماذا لو أعرضوا عن نشر أعمال سيوران عربي ما؟
أؤكدُ أن كلّ ذلك يحدثُ دائماً.

تفتقرُ بعضُ كتابتي للجنس الأدبي حسب البعض، لكنّها لا تفتقرُ للجنس الأدبي حقاً. كلّ ما في الأمر أنّهم ما عادوا يرونَ الشذرةَ جنساً أدبياً.
يا لتعاسةِ الأدب والعالم.
إنكم تمنعون ولادة بيسوا وسيوران ونيتشه وغاليانو وأنسي الحاج.
ولا أتحدث هنا عن نفسي، بل عن كثيرين قد أكونُ منهم وقد لا أكون.

إننا اليوم في عصر تقديسِ الرواية، وبدرجةٍ أقل، تقديس الشعر.
نعيشُ عصرَ جمود القوالب والأجناس الأدبية، وأي نصٍّ خارج هذه الأجناس المرسومة بالمسطرة، باتَ هذياناً، لا أدباً.
أليسَ الهذيانُ أدباً؟
أليس الهذيانُ فناً؟
أليس فناً إن صِيغَ بحرفيةٍ وعبقرية؟

وهكذا، أرى كتاباتي قابلةٍ للنشر، لكنها ولدت في الزمن الخطأ.

أشتهي البدءَ في كتابةِ كتابٍ جديد، لا أرى بعدُ جنسَهُ بوضوح، لكنني أشتهيهِ وأشمُّهُ قادماً من بعيد.
هل أكتبهُ مثقلاً بهواجس النشر، بهواجسِ شروط النشرِ الحديث؟
أم أكتبُ أدبي كما أراهُ وأحبه؟
سأكتبُ لنفسي. سأكتبُ ما أتمنى قراءتهُ يوماً في كتاب.
سأكتبُ ما أراهُ جميلاً، ولو كنتُ وحدي.

أنا أكفيني..
سأكتبُ لنفسي
أكفيني كاتباً وقارئاً.

سأكتبُ لنفسي
أنا أكفيني..
ولو كنتُ قارئي الوحيد

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي