loader
MaskImg

المقالات

مقالات ادبية واجتماعية وفنية

ما الذي تبقّى من العراق؟.. (وطن يدفع ثمن الإهمال)

breakLine
2026-08-05

شوقي كريم حسن
كاتب | عراقي

 

ليس أخطر ما في العراق وجود الفساد، هذه آفة تعرفها دول كثيرة. الأخطر  أن يصبح الإهمال عادة، وأن يتعامل الناس مع الكوارث على أنها جزء من المشهد اليومي. عندما يعتاد المجتمع على رؤية المشكلة، تتوقف  عن أن تكون صدمة، متحولة إلى روتين يومي محزن.لنبدأ من دجلة والفرات.
نهران علّما البشرية معنى الاستقرار، فإذا بهما اليوم يواجهان تحديات من التلوث، وتراجع المياه، وتصريف المخلفات في بعض المناطق، حتى صار السؤال لا يتعلق  بجمال النهر، بل بسلامة الماء الذي يلامس حياة الناس. النهر الذي كان رمزًا للحياة لا ينبغي أن يتحول إلى مرآة تعكس الإهمال. المشكلة ليست في الطبيعة وحدها، بل في غياب الإدارة الرشيدة والرقابة والالتزام البيئي.ثم نذهب إلى المستشفى.المواطن لا يدخل المستشفى وفي يده برنامج سياسي، ولا يحمل بيانًا صحفيًا، إنما يحمل ألمًا. لا يهمه من المسؤول، يهمه أن يجد خدمة تحفظ كرامته. حين تكون المرافق الطبية مثقلة بالنقص أو الضغط، فإن أول ما يتضرر الإنسان العادي؛ ذلك الذي لا يملك خيارًا آخر. إصلاح القطاع الصحي ليس ترفًا، بل أحد أبسط مقاييس احترام الدولة لمواطنيها.أما الرشوة، هي ليست مجرد مبلغ يتغير مكانه من جيب إلى آخر. الرشوة تعني أن المواطن الذي يلتزم بالدور قد يخسر أمام من يدفع، وأن الثقة بالمؤسسات تتآكل. والأسوأ من الرشوة أنها حين تنتشر، تبدأ بإقناع الناس أن النزاهة استثناء، مع أن الأصل هو العكس. ثم تعالوا إلى قيمة الإنسان. في المجتمعات السليمة، تُقاس قيمة الفرد بما يقدمه من علم أو عمل أو خدمة. أما حين تصبح المكانة مرتبطة بالخوف أو النفوذ أو القدرة على فرض الإرادة بالقوة، فإن المجتمع يبدأ بخسارة أهم ما يملكه: ثقته بأن العدالة ممكنة!
ولهذا لا يكفي أن نبني جسورًا من الخرسانة إذا إنهارت الجسور بين الناس. ولا يكفي رفع شعارات عن التنمية إذا شعر المواطن  أن صوته أقل وزنًا من صاحب النفوذ.ولا يكفي التغني بالحضارة إذا كنا نتسامح مع السلوك الذي يهين القانون. إن أخطر أنواع التخلف ليس قلة التكنولوجيا، بل قبول فكرة أن القوة تغني عن الحق، وأن الواسطة تغني عن الكفاءة، وأن الخوف يغني عن القانون. الكوميديا السوداء هنا أن الجميع يشكو من هذه الظواهر، لكن الجميع ينتظر أن يبدأ الإصلاح من شخص آخر.نريد دولة قوية، لكننا نبرر مخالفة القانون عندما تخدمنا. نريد إدارة نزيهة، لكن بعضنا يبحث عن واسطة إذا تعطلت معاملته. نريد عدالة، لكننا نصفق لها عندما توافقنا، ونغضب منها عندما لا توافقنا. وهكذا ندور في الحلقة ذاتها.
العراق لا تنقصه الشعارات، ولا تنقصه الخطب، ولا تنقصه المناسبات.
ما يحتاجه  أن يصبح القانون أقوى من العلاقات، و تصبح الكفاءة طريقًا للتقدم، وأن يشعر المواطن أن كرامته محفوظة سواء كان غنيًا أو فقيرًا، معروفًا أو مجهولًا.
ويبقى السؤال الذي لا يزال يطرق الباب:
–ما الذي تبقّى من العراق؟
تبقّى وطن يستحق إدارة أفضل، وخدمات أفضل، وبيئة أنظف، وعدالة أقرب إلى الناس. وتبقّى شعب، رغم كل ما مر به، لا يزال يملك القدرة على أن يطالب بوطنٍ يليق باسمه، لا أن يعتاد على أنصاف الحلول.لكن أخطر ما أصاب العراق… ليس النهر عندما تراجع.ولا المدرسة عندما تهالكت.
ولا المستشفى عندما ازدحم. بل الإنسان… حين بدأ يعتاد كل ذلك.
هذه  الكارثة التي لا تُقاس بالأرقام. أن يصبح الخراب مشهداً مألوفاً. وأن يتحول الاستثناء إلى قاعدة.في العراق… لم تعد الرشوة مجرد جريمة.
أصبحت، في نظر البعض، “اختصاراً للوقت”.يا لها من جملة مخيفة!
حين يتحول انتهاك القانون إلى نصيحة اجتماعية، فاعلم أن الخلل لم يعد في المؤسسة وحدها، بل بدأ يتسلل إلى الضمير العام.يقول لك أحدهم:—لماذا تتعب نفسك؟ ادفع وتنتهي!
وكأن النزاهة أصبحت هواية قديمة لا يمارسها إلا الحالمون. ثم نسأل لماذا تراجعت الثقة؟
لأن المواطن يريد ربح حقه…
لا أن يشتريه. يريد دخول دائرة حكومية وهو مواطن، لا زبون في سوق. يريد  التعامل باحترام لأنه إنسان، لا لأن هاتفه مليء بالأرقام المهمة. ولنتحدث عن القوة…لا قوة القانون… بل قانون القوة. ذلك المرض الذي يبدأ حين يظن بعض الناس أن الصوت العالي يغني عن الحجة، وأن النفوذ يغني عن العدالة، وأن الخوف وسيلة لإدارة المجتمع. وحين تتراجع هيبة القانون، لا ينتصر الأقوى… بل يخسر الجميع.لأن المجتمع الذي تحكمه الموازين الشخصية لا يستطيع بناء مؤسسات مستقرة.ثم انظر إلى اللغة التي أصبحت تتردد كل يوم.
—هذا رجل قوي!
لكن أحداً لا يسأل:
–قوي بماذا.. بخدمة الناس.. أم بقدرته على تجاوز القانون؟!
في الدول التي تحترم نفسها، يُقاس النفوذ بقدر ما يخدم المصلحة العامة. أما حين يصبح النفوذ وسيلة للحصول على امتيازات، فإن أول ضحية تكون فكرة المواطنة نفسها.
وأما دجلة والفرات… لا يحتاجان إلى قصيدة… بل إلى ضمير. النهر لا يشتكي في مؤتمر.ولا يكتب منشوراً على وسائل التواصل.لكنه يسجل كل ما يُلقى فيه، وكل فرصة أُهدرت لحمايته.
والأجيال القادمة لن تسألنا كم خطاباً ألقينا عن الحضارة…بل تسألنا سؤالاً أبسط بكثير:
–لماذا لم تحافظوا على النهر الذي ورثتموه؟
العراق لا تنقصه الثروات.ولا العقول.
ولا التاريخ.ما ينقصه أحياناً  أن تصبح المصلحة العامة أعلى من المصلحة الخاصة. وأن يصبح القانون مرجعاً للجميع، لا خياراً يُطبّق على البعض ويُستثنى منه البعض الآخر.
ويبقى السؤال…
ما الذي تبقّى من العراق؟
تبقّى شعب يعرف أن الأوطان لا تنهض بالصراخ ، ولا بالشعارات وحدها، بل بالمساءلة، والشفافية، والعمل، وحماية الإنسان قبل أي شيء آخر.
ولعل أعظم معركة ليست ضد الفقر وحده، ولا ضد التلوث وحده، ولا ضد الرشوة وحدها… بل ضد الفكرة التي تقول:
–لا شيء يتغير.!
هذه، قبل أي شيء، هي الفكرة التي تمنح الفساد أطول عمرا، وتمنح الإهمال فرصة جديدة كل صباح!

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي