مقالات ادبية واجتماعية وفنية
مرواني عاشور بن أحمد |ناقد جزائري
تمهيد: نحو تأويل وجودي للنص
لا يكفي أن نقف عند سطح النصوص في ديوان ميادة مهنا سليمان، فنحن أمام تجربة شعرية فريدة تتجاوز البوح العاطفي إلى أبعاد أنطولوجية وإبستمولوجية عميقة. إن "قَصِيْرٌ فُسْتَانُ صَبْرِي" ليس مجرد ديوان حب وغزل، بل هو محاولة لإعادة تعريف الذات في مواجهة الموت، ومحاولة لخلق لغة جديدة تتجاوز ثنائية الحضور/الغياب، الحياة/الموت، الواقع/الخيال.
سأحاول في هذه القراءة المعمقة أن أتجاوز التناول السطحي للظواهر النصية، وأن أغوص في البنى التحتية للنصوص، مستعيناً بمفاهيم فلسفية ونقدية متعددة، من التأويلية الوجودية إلى التفكيكية، ومن التحليل النفسي إلى السيميائيات الثقافية.
أولاً: الأنثروبولوجيا الرمزية للفستان
الفستان كرمز وجودي
يشكل "الفستان" في هذا الديوان رمزاً مركزياً، لا يمكن اختزاله إلى مجرد قطعة ملابس أنثوية. الفستان هنا هو:
· جسد آخر للذات: يمتد الجسد الأنثوي ليتجاوز حدوده البيولوجية، ليصبح فضاءً يتسع للألم والأمل والذاكرة.
· حد فاصل بين الداخل والخارج: الفستان هو ما يرتديه الجسد، وبالتالي فهو الحاجز الذي يفصل بين الذات والعالم، لكنه في الوقت نفسه هو ما يعرّي الذات ويكشفها. ومن هنا تأتي مفارقة الفستان القصير الذي لا يستر بل يكشف.
· كفن استباقي: في مناخ رثائي، يتحوّل الفستان إلى كفن ترتديه الشاعرة في انتظار الموت/اللقاء، وكأن لبس الفستان القصير هو استعداد للموت في سبيل الحب.
هذا الرمز الثلاثي البعد يجد تجسيده في العبارة المفتاحية: "قَصِيْرٌ فُسْتَانُ صَبْرِي". فالصبر - وهو في العادة طويل وممتد - يُلبس فستاناً قصيراً، أي أن الصبر قد تقلّص إلى درجة العري، وبات عاجزاً عن تغطية الألم، بل يكشفه ويظهره.
القصر كحالة أنثروبولوجية
"القصر" في الديوان ليس مجرد وصف مادي، بل هو:
· قصر الأمل: إذ يتقلص مدى التطلع إلى اللقاء.
· قصر المسافة: تصبح المسافات بين الشاعرة وحبيبها قصيرة رغم البُعد.
· قصر الزمن: تمر السنون كأنها ساعات، والعمر كأنه يوم.
· قصر الكلام: يتحوّل الكلام إلى ومضات، والقصائد إلى إشارات.
إن فلسفة القصر هذه تقوم على إعادة تعريف الأبعاد الإنسانية كلها: الزمن يصبح قصيراً، والصبر يصبح قصيراً، والفستان يصبح قصيراً، والمسافات تصبح قصيرة، وكل شيء يتقلص أمام جبروت الفقد. ولكن في هذا التقاصص تتحرر الذات من قيودها وتنفتح على أفق لا نهائي من التخييل. وهذا هو السر في كون نصوص القسم الثاني (الأكثر قصراً) هي الأكثر اتساعاً في دلالاتها.
ثانياً: سيميائيات الغياب والحضور
غياب الحضور وحضور الغياب
يشكّل الغياب البنية التحتية للنصوص كلها، لكن هذا الغياب ليس غياباً سلبياً، بل هو غياب فاعل، يحضر في كل تفصيلة من تفاصيل النص. يتجلّى ذلك من خلال:
1.اللغة الاستفهامية: النصوص مليئة بالأسئلة، لكنها أسئلة لا تنتظر إجابة (فالمخاطب غائب)، بل هي أسئلة تخلق فضاءً للحوار، وتحوّل النص إلى محاورة للصمت.
2.الاستحضار التخييلي: تُقيم الشاعرة حبيبها في اللغة، تخلق له حضوراً يوازي الحضور الفيزيائي. وفي هذا السياق، تصبح الكتابة نوعاً من "الإحضار" (إحضار الغائب)، وليس مجرد "تعبير" عن غيابه.
3.التجسيد والتمثيل: تُجسّد الشاعرة مفاهيم مجردة (الحنين، الشوق، الصبر) إلى كائنات حية تتحرك وتتكلم: "مرّت سنونوات الصباح"، "تساقطت أوراق صبري"، "عصافير قلبي". هذا التجسيد هو أداة لجعل الغياب محسوساً، ولخلق حضور بديل عن الحبيب الغائب.
جدلية الحضور/الغياب في الشعر
إن حضور الغائب في النصوص الشعرية ليس حصراً على ميادة، لكنها تقدم معالجة خاصة لهذه الإشكالية: إنها تحوّل الغياب من مجرد حالة (غياب الحبيب) إلى إستراتيجية كتابية. فالغياب يتحوّل إلى:
·جهاز توليد دلالي: لأن الغياب يخلق فراغاً، والفراغ يخلق رغبة في الملء، والملء يخلق النص.
·محفز للخيال: فالخيال لا يعمل في فراغ، بل يعمل في الفجوات، والفجوات هي ما يخلقه الغياب.
·ضامن لاستمرارية الحب: فالحب لا يموت بحضور المحبوب، بل ينمو ويستمر في غيابه، لأن الغياب يُؤجّج الشوق ويخلق الحاجة الدائمة إلى التعبير.
ثالثاً: تفكيك الذات الأنثوية
الذات بين التمركز والتفكك
تراوح الذات الشاعرة بين مركزية صلبة (أنا الحبيبة، أنا الشاعرة، أنا التي تنتظر) وتفكك مستمر (أنا مبعثرة، أنا مجنونة، أنا طفلة). هذا التمركز والتفكك يشكّلان محور التوتر في النصوص:
·أنا المتزنة: التي تحافظ على لغة راقية، وصور جميلة، ونبرة ثابتة.
·أنا المتفككة: التي تنكشف في لحظات الضعف، وتتحدث عن الجنون والتمزق.
يتجلى هذا في نص "أنا مجنونة":
"يا سيدي العاقل
أنا مجنونة!!
نكشت شعر قصائدي
شققت ثياب كلماتي
هشمت خدود حروفي
رجمت قافية هزأت بي
وجريت وراء فكرة
عصتني بجحود"
هنا تعلن الذات جنونها، لكن هذا الجنون ليس مرضياً، بل هو نوع من التمرّد على كل القيود: قيود الوزن والقافية، قيود التقاليد الشعرية، قيود العقلانية التي تفرضها الذات على نفسها. إنه جنون الفنان الذي يخلق عالماً جديداً يعلو على قوانين العالم القديم.
الأنوثة كبنية متعددة
الأنوثة في الديوان ليست مفهوماً واحداً، بل هي بنية متعددة المستويات:
·أنوثة الجسد: الحسية، الجمالية، المغرية (الفستان القصير، الكعب العالي، الروج).
·أنوثة الروح: العاطفية، الشفيفة، المتعالية (الحب النقي، الوفاء، الانتظار).
·أنوثة العقل: المتمردة، الساخرة، الناقدة (في نصوص الفتوى، في السخرية من نفسها).
·أنوثة الطفلة: البريئة، المحتاجة، المدللة (في نهاية نص "اسأل مرآتي").
هذه التعددية تجعل الشخصية الأنثوية في الديوان شخصية مركبة ومعقدة، تتحرك بين الأدوار الأنثوية المختلفة، وتخلق منها توليفة خاصة تعبّر عن تجربة امرأة وحيدة في مواجهة الموت والفقدان.
رابعاً: الرؤية الصوفية والتجربة العرفانية
انتظار الحبيب كتجربة صوفية
ثمة بُعد صوفي خفي يعمل في نصوص الديوان، ويتجلى في:
·اعتبار الحب وسيلة للمعرفة: فالحب ليس مجرد عاطفة، بل هو طاقة معرفية تتيح للشاعرة الوصول إلى حقائق أعمق عن الذات والوجود.
·الانتظار كعبادة: الانتظار يتحوّل إلى طقس ديني، والحبيب يتحوّل إلى معبود، وكل لقاء متخيَّل هو نوع من "الوصل" الصوفي مع الإله/الحبيب.
·الذوبان في الآخر: في نص "أذوب بسكر صوتك"، تتحوّل الشاعرة إلى شيء يذوب في الآخر، وهذا يحيل إلى فكرة الفناء الصوفي.
"سألبس دفء نبضك
سأذوب بسكر صوتك
وأتلذذ بعطر رجولتك المعربش
على أنفاس أنوثتي"
لكن الشاعرة لا تصل إلى الفناء النهائي، بل تبقى في حالة توق، حالة بينية، لا هي مذابة بالكامل، ولا هي باقية بذاتها. وهذا هو جوهر التجربة الصوفية الرومانسية: العشق كحالة انتقالية بين البقاء والفناء.
اللغة الدينية وتوظيفها
تستخدم الشاعرة لغة دينية كثيفة، لكنها تُفرغها من محتواها المذهبي وتُحمّلها دلالات عاطفية:
· "كَعْبَةُ نَبْضِي" (إزاحة الكعبة من مكانها الديني إلى القلب العاشق).
· "إنجيل الهِداية"، "آيات العشق" (علمنة النص المقدس).
· "تسبيح"، "صلوات"، "نوافل" (تحويل الشعائر الدينية إلى طقوس حب).
هذا التوظيف للغة الدينية ليس استهانة بالمقدس، بل هو محاولة لتقديس الحب، وجعله في مرتبة الأديان، بل جعله ديناً جديداً للشاعرة. وفي هذا السياق، تتحوّل قصائدها إلى أناشيد دينية، واللقاء بالحبيب إلى زيارة لبيت مقدس، وانتظاره إلى صلاة.
سادساً: فلسفة الزمن في الديوان
الزمن الدائري
لا يمضي الزمن في الديوان زمناً خطياً، بل هو زمن دائري يعيد نفسه:
·الفصول: تتكرر الفصول (الخريف، الشتاء، الربيع) وكأنها لا تتبدل.
·السنوات: تمر السنوات دون أن تغيّر شيئاً في حالة الانتظار.
·الصباحات: تتكرر الصباحات بلا فرق، وكلها تحمل نفس الشوق.
هذا الزمن الدائري يحيل إلى الزمن الأسطوري، حيث يعيد الكون نفسه باستمرار، وحيث الإنسان يعيش حالة أبدية من التوقع والانتظار.
الحاضر الممدود
في الديوان، الحاضر هو زمن ممتد لا ينتهي، هو امتداد للماضي وتوقع للمستقبل في آن واحد. وهذا هو زمن الحب الحقيقي: حب لا يعترف بالزمن، حب يقيم في الأبدية.
لكن في المقابل، هناك أيضاً "حاضر العجز" الذي تعيشه الشاعرة، وهو حاضر مليء بالانتظار والترقب، حاضر لا يتحول إلى مستقبل إلا عبر الخيال، وعبر الكتابة التي تعيد خلق الزمن.
سابعاً: لغة الحواس والجسدانية الشعريّة
جسدنة التجربة
تتميز نصوص الديوان بجسدنة مفرطة للتجربة العاطفية. فالحب لا يُعاش عبر المشاعر وحدها، بل عبر كل الحواس:
·النظر: العينان، الصورة، الرؤية.
·السمع: الصوت، الهمس، النبض، الأغنية.
·الشم: العطر، الورد، الفوحان.
· اللمس: العناق، القبلة، الدفء.
·التذوق: الشهد، القهوة، السكر، الشوكولا.
هذا التكامل الحسي يمنح النصوص طاقة فيزيائية هائلة، ويجعلها تعمل على مستوى الجسم قبل مستوى العقل. فالقارئ لا يقرأ النص فحسب، بل يحسّ به بكل جوارحه.
جسدية الرجل وجسدية المرأة
ثمة فرق واضح في طريقة تمثيل جسد الرجل وجسد المرأة:
· جسد المرأة: موصوف بالتفصيل (الفستان، الروج، الكعب، الضفائر، الأنوثة).
· جسد الرجل: موصوف عبر آثاره (ربطة العنق، القميص الأنيق، العطر، الصوت، الابتسامة).
المرأة هنا هي التي تُرى، والرجل هو الذي يُحسّ به. هذا التوزيع ليس تقليدياً، بل هو جزء من اللعبة الشعرية: المرأة تكتب وترى نفسها، والرجل يُكتب ويُرى من خلال كتابتها.
ثامناً: شعرية الندبة والنقص
الندبة كعلامة جمالية
ثمة إحساس بالنقص (الندبة، الخيبة، الجرح) يمرّ عبر النصوص، لكن هذا النقص لا يُقدّم كشيء سلبي، بل كعلامة جمالية، كشيء يعطي الذات خصوصيتها.
في نص "مزارع فاشل في بستان الحب"، تقول:
"أيَا مُزارِعًا فاشِلًا
فِي بُستَانِ الحُبِّ
تشكوكَ شُجيرةُ لقائنا المُتيَّمة"
الفشل هنا ليس مجرد خيبة، بل هو فشل منتج، هو فشل يخلق قصائد، فشل يبرر الكتابة ويدفع نحوها. وإذا كان المزارع فاشلاً في بستانه، فإن هذه الفشلية تتحوّل إلى مادة شعرية ثرية.
شعرية العجز والقدرة
في نص "سأكون الأجمل"، تخلق الشاعرة لعبة جميلة بين العجز والقدرة:
"لم أجد قصيدة
على مقاس حبي لك
كل اللغات ضيقة"
الاعتراف بالعجز هنا ليس عجزاً حقيقياً، بل هو تمهيد لإظهار القدرة: القدرة على خلق جمال رغم العجز، القدرة على التعبير رغم ضيق اللغة. وهذه المفارقة (الاعتراف بالعجز لإظهار القدرة) هي واحدة من أجمل آليات الديوان البلاغية.
حادي عشر: قراءة في نماذج معمقة
نموذج معمق 1: "حزام ناسف من الحب"
هذا النص يقدم نموذجاً للصورة الصادمة والمفاجئة في الديوان:
"قَرَّرتُ هَذَا الصَّباح
أَنْ أُفَخِّخَ نَفسِي
بِالأشواقِ والأزهارِ
بِالأشعَارِ والنّغَمَاتْ"
المفاجأة هنا هي في الربط بين فكرة التفجير والارتباط بالحب. الحب هنا ليس مجرد عاطفة لطيفة، بل هو قنبلة، والذات مستعدة لأن تفجر نفسها بهذا الحب. وهذه الصورة تحمل عدة دلالات:
1.عنف الحب: الحب ليس رومانسية هادئة، بل هو عنف، تدمير للذات، فناء في الآخر.
2.التضحية: الاستعداد لتدمير الذات في سبيل الحب.
3.الثورة: التفجير كعملية ثورية ضد الواقع، ضد الغياب، ضد الموت.
"سَأُفَجِّرُ نَفسِي فِيكَ!
وَلتَتَناثَرْ أَشلاءُ الوَجْدِ
وَالعِشقِ والضَّمّاتْ"
هنا يتحوّل التفجير من تدمير إلى خلق: أشلاء الوجد والعشق والضمّات تتناثر، وكأن التفجير هو ولادة جديدة، وليس موتاً.
نموذج معمق 2: "مطر أخضر"
في هذا النص، تستخدم الشاعرة صورة المطر الأخضر، وهي صورة غير مألوفة:
"أَتُوقُ لِلمَطَرِ الأَخضَرِ فِي قَلبِكَ
أَمطِرني يَا سَمَائِيَ الوَردِيَّة
أمطرني يَا خِصْبِيَ الجَميلُ
أَمطِرنِي يَا أَحْلَى الغَيمَاتْ!"
المطر عادةً ما يكون شفافاً أو أبيض، لكنه هنا أخضر، وهذا التحويل اللوني يحيل إلى:
·الخصب والانتعاش: المطر الأخضر هو مطر الحياة، مطر النماء، وليس مطر الموت والدمار.
·الربيع الدائم: الأخضر هو لون الحياة المستمرة، والخصوبة الأبدية.
·التشبيه بالنبات: الشاعرة تشبه نفسها بالنبات الذي يحتاج إلى الماء (الحب) لينمو ويزدهر.
وهنا يتجلى البعد الاستعاري للديوان: الماء = الحب، الأرض = الذات، المطر الأخضر = الحب المنتج، المحيي، المخصب.
نموذج معمق 3: "تباً لوسادتي"
هذا النص يقدّم نموذجاً للسخرية الذاتية في الديوان:
"تبًّا لِوِسَادتي
كُلُّ أحلامِي فِيكَ
تُسرِّبُها لعصافيرِ الصَّباحِ"
الوسادة هنا هي رمز للنوم والأحلام، لكنها تصبح خائنة تسرّب الأحلام إلى الآخرين. والسخرية تأتي من أن الوسادة، التي يفترض أنها تحافظ على الأسرار، أصبحت مصدراً لتسريبها.
ثم يتطور النص إلى صورة أكثر عمقاً:
"تُثرثرُ للسَّريرِ
كُلَّ حَكايا قلبيَ الأرِقِ وَلَهًا"
هنا تتحدث الوسادة مع السرير، وكأنهما كائنان حيان يتشاركان في معرفة أسرار القلب. وهذا النوع من التشخيص (جعل الأشياء الجامدة تتحدث) يعطي النصوص طابعاً حيوياً، ويجعل المفاهيم المجردة تتجسد في أشياء ملموسة.
.jpeg)

...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي