مقالات ادبية واجتماعية وفنية
سهام محجوبي
قاصة | مغربية
يصبح الإنسان أكثر حذرًا عندما يُخذَل، وأكثر إنصافًا عندما يُظلَم، ولا شيء يعود إلى سابق عهده؛ حتى الطيور، حين يحين أوان الرحيل، تفرد أجنحتها وتمضي، تاركةً خلفها مكانًا كان يومًا وطنًا. سكبتُ فنجان قهوتي كعادتي، وحملته معي إلى الشرفة لأبحث عن بقعة ضوء أحدّق فيها وأتوه حتى يؤذَّن لصلاة الفجر. لم أجلس وحدي في هذه الشرفة منذ زمن طويل، منذ وفاة صهيب. نعم، توفي زوجي صهيب وتوفي معه هدوء الروح. أكاد أجزم أن الله أودع في كل روح سكينة لا تكتمل إلا بلقاء شخص واحد، وأنني وجدتها معه. كانت الأيام التي عشتها إلى جواره أجمل ما منحتني إياه الحياة، لذلك أبقيت كل شيء كما كان يحبه؛ الكتب في أماكنها، والمقعد الذي كان يجلس عليه، وحتى تفاصيل البيت الصغيرة التي كان يبتسم لها. فأنا أتصرف وكأنه ما زال هنا، لأنني لم أستطع يومًا أن أتقبل غيابه.
في بداية تعارفنا تركتُ من أجله أشياء كثيرة؛ رفضتُ زواجًا كانت عائلتي تراه مناسبًا، وغادرت مدينتي وعملي القديم لأبدأ حياة جديدة معه. كنت أعلم أن قرارات كهذه قد تُربح الإنسان عمرًا كاملًا أو تُثقله بندم لا ينتهي، لكنني لم أخشَ شيئًا وأنا أمضي نحوه. كانت ثقتي به أكبر من كل المخاوف، لأنه لم يكن رجلًا عاديًا. كان رجلا كريمًا في مشاعره كما في أفعاله. أذكر ليلةً أقعدتني فيها الحمى عن الحركة وأنا أحمل ابنه البكر بين أحشائي، لم يذق طعم النوم تلك الليلة، وبقي ساهرًا إلى جواري حتى بزغ الفجر. كان يضع يده على جبيني كل حين، وكأن حرارتي تحرقه هو لا أنا. يومها تيقنت أن صهيب لم يشاركني الحياة فقط، بل حمل عني أثقالها، فالرحمة خُلقت فيه، والمحبة تفوح منه دون دائما. حضوره يبدد وحشة الحياة، وابتسامته تؤوي روحي تحت جناحيها. جاءني كدعاء مستجاب تحقق بعد طول رجاء، وكأمنية جميلة أهدتني إياها السماء حين كدت أفقد الإيمان بأن الأمنيات تتحقق. فالأجمل من أن يُحبّك أحدهم بصدق، هو أن يراك فخره، لا لأنك أنجزت ما يُدهش العيون، ولا لأنك امتلكت ما تتباهى به القلوب، بل لأن وجودك بقربه يُشبه معجزة هادئة، ولأن حضورك إلى جواره طمأنينة، ولأنك حين تكون يصبح العالم أروع، وهذا ما جعلني صهيب أحسه في كل يوم عشته برفقته.
بعد رحيله، حاولت كثيرًا أن أستوعب غيابه، فأدركت أن موت الأشخاص المقربين لا يجعلنا أقوى كما يظن البعض، بل يجعلنا أكثر معرفة بضعفنا. ومع ذلك، كانت الحياة تفاجئني بين حين وآخر بما يخفف وطأة الغياب. ففي إحدى المرات وجدت نفسي عالقة في مأزق ظننته أكبر من قدرتي على الاحتمال، وكانت الأفكار تتزاحم في رأسي حتى كدت أختنق بها، لكنني فوجئت بأشخاص يهرعون نحوي قبل أن أطلب المساعدة؛ هذا يحمل كلمة طيبة، وذاك يمد يد العون، وآخر يقتسم معي الحزن. حينها فقط أدركت أنني لم أكن وحدي يومًا كما كنت أظن، وأن حولي قلوبًا صادقة تجعل السقوط أقل ألمًا والطريق أقل قسوة. وعرفت أن أجمل ما قد يملكه الإنسان ليس المال ولا النجاح، بل أن يجد من يحبه بصدق، ومن يرى فيه فخرًا لا لأنه حقق إنجازًا عظيمًا، بل لأن وجوده وحده نعمة.
أنهَيتُ قهوتي، وعدت إلى غرفتي بعدما صليت الفجر. كان الصباح قد بدأ ينسج خيوطه الأولى على الجدران، والبيت غارقًا في هدوئه المعتاد. وبينما كنت أرتب الغطاء على طرف السرير، سمعت وقع خطوات يقترب من خلفي. لم ألتفت مباشرة؛ فهناك أصوات نحفظها في القلب أكثر مما نحفظها في الذاكرة. وحين استدرت، ارتجف شيءٌ في داخلي.
كانت تلك الابتسامة نفسها التي تُطمئن قلبي دون كلام، وتلك النظرة الهادئة التي تشبه الأمان، وحتى الطريقة التي مرّر بها يده في شعره كانت مألوفةً إلى حدٍّ مؤلم.
تقدّم نحوي، ووضع كوب الماء على الطاولة، ثم قال بصوتٍ دافئ:
- لا تُرهقي نفسك كثيرًا.
جملةٌ بسيطة، لكنني سمعتها من قبل مئات المرات.
راقبته وهو يغادر الغرفة، وشعرتُ أن الزمن دار دورةً كاملة ثم عاد إلى النقطة التي بدأ منها.
عندها فقط أدركتُ شيئًا ظللتُ أعاند تصديقه سنواتٍ طويلة:
أن الله إذا أخذ من حياتنا شخصًا أحببناه، لا يتركنا فارغين تمامًا، إنما يزرع شيئًا منه في هذه الدنيا؛ في ملامحٍ تشبهه، أو قلبٍ يحمل بعضًا من رحمته. ابتسمتُ رغم الدموع، وأيقنتُ أن بعض الغياب ليس غيابًا كاملًا. فعندما ترحل الأرواح الجميلة تترك خلفها شيئًا من نورها يضيء العتمة، ولا تغيب أبدا دفعة واحدة عن هذا العالم القاسي حتى لا يتهاوى.
...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي