مقالات ادبية واجتماعية وفنية
حسين علي /كاتب عراقي
أصبحت الأعمال الدرامية في العصر الحديث أكثر من مجرد وسيلة للترفيه إذ باتت تنتج نماذج رمزية تساعد على فهم الواقع السياسي و الاجتماعي.
من أبرز هذه الأعمال مسلسل الرفاق The Boys الذي يقدم نقدا لاذعا لفكرة البطل الخارق عندما يمتلك سلطة لا تقابلها مساءلة أخلاقية أو قانونية.
و في هذا المحور برزت شخصية هوملاندر التي أثارت مقارنات عديدة مع شخصيات سياسية معاصرة من بينها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
و لا تعني هذه المقارنة تطابقا بين الشخصيتين بل تشير إلى تشابه في بعض أنماط القيادة، إدارة الصورة العامة، و العلاقة مع الجمهور و الإعلام.
تدور أحداث المسلسل في عالم توجد فيه شخصيات خارقة تعمل ضمن منظومة تجارية و إعلامية تديرها شركة عملاقة تسعى إلى تعظيم النفوذ و الأرباح.
يعد هوملاندر أشهر هؤلاء الأبطال و أكثرهم شعبية إلا أن صورته البطولية تخفي شخصية تسعى إلى السيطرة و الهيمنة و تتعامل مع الجمهور باعتباره مصدرا للشرعية أكثر من كونه شريكا في الحقيقة.
و من خلال هذا البناء الدرامي يطرح المسلسل سؤالا مهما ماذا يحدث عندما تصبح الصورة الإعلامية أقوى من الواقع؟!
تكمن أهمية المقارنة بين هوملاندر و ترامب في أنها لا تنطلق من تشابه الأفعال و إنما من تقارب بعض آليات الحضور السياسي و الإعلامي.
فكلاهما يقدم نفسه بوصفه قائدا قويا و استثنائيا و يحرص على بناء صورة عامة قادرة على جذب الانتباه و صناعة التأثير.
لم تعد الصورة في عالم السياسة عنصرا تجميليا إنما أصبحت جزءً من ممارسة السلطة إذ بات كثير من القادة يتنافسون على التأثير الإعلامي بقدر تنافسهم على البرامج و السياسات.
و لا تقتصر أوجه المقارنة على أسلوب الخطاب إنما تمتد إلى الرموز السياسية التي ضمنها صناع The Boys في بناء شخصية هوملاندر.
فهو يقدم نفسه باعتباره المنقذ الذي سيعيد للوطن مجده في خطاب قومي رأى فيه عدد من النقاد انعكاسا ساخرا لشعاري "أجعل أمريكا عظيمة مجددا" و "أمريكا أولا" المرتبطين بحملات ترامب.
كما أن حاجته المستمرة إلى الإعجاب و اعتماده على قاعدة جماهيرية تمنحه ولاء يكاد يكون غير مشروط دفعت بعض المحللين إلى عقد مقارنات مع أسلوب ترامب في إدارة حضوره الإعلامي و علاقته بمؤيديه خاصة في ضوء تصريحه الشهير بأنه لن يخسر ناخبيه حتى لو أطلق النار على شخص في الجادة الخامسة و هو ما يستحضر لدى كثير من المتابعين مشهد نهاية الموسم الثالث عندما يبرر أنصار هوملاندر قتله أحد الأشخاص علنا و يقابلونه بالتصفيق و التأييد.
امتدت هذه الإشارات إلى أحداث المسلسل أيضا إذ رأى بعض النقاد أن الموسم الرابع استلهم أجواء الاستقطاب السياسي التي رافقت اقتحام مبنى الكابيتول عام 2021. كما لفت الانتباه تزامن عرض إحدى الحلقات التي تضفي على هوملاندر هالة شبه مقدسة مع تداول صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي لترامب في هيئة تشبه المسيح التي نشرها على صفحته في تروث سوشيال مما دفع مبتكر و كاتب المسلسل إريك كريبكي إلى التعليق "لقد سئمت من قيام الواقع بتقليد المسلسل قبل أن نعرضه".
مع ذلك تبقى هذه العناصر رموزا فنية تعكس رؤية صناع العمل في نقد الشعبوية و صناعة الزعيم و لا تعني أن هوملاندر يمثل ترامب تمثيلا حرفيا.
لقد أدرك علماء الاجتماع منذ عقود أن السلطة لا تقوم على القوة وحدها إنما تحتاج أيضا إلى الاعتراف الشعبي لذلك يسعى القادة إلى بناء سردية تجعل الجمهور يراهم نموذجا للنجاح أو الحسم أو الإنقاذ.
تبدو شخصية هوملاندر تجسيدا متطرفا لهذه الفكرة بينما يرى بعض المحللين أن ترامب أتقن استخدام الإعلام التقليدي و وسائل التواصل الاجتماعي لبناء حضور دائم جعل شخصيته السياسية جزءً من المشهد الإعلامي اليومي.
و من الجوانب الجديرة بالتأمل العلاقة بين القيادة و النرجسية، ففي علم النفس لا تستخدم النرجسية بوصفها شتيمة و لكن تشير إلى مجموعة من السمات مثل الحاجة إلى التقدير، الرغبة في التفوق، و الحساسية تجاه النقد.
تشير دراسات عديدة إلى أن بعض القادة يمتلكون درجات متفاوتة من هذه السمات و قد تمنحهم ثقة بالنفس و قدرة على الإقناع لكنها قد تدفعهم أيضا إلى ربط نجاح الدولة أو المؤسسة بصورتهم الشخصية.
أما هوملاندر فقد صمم دراميا ليجسد الشكل المتطرف لهذه السمات بحيث يصبح إعجاب الجماهير بالنسبة إليه ضرورة نفسية لا تقل أهمية عن امتلاكه للقوة.
كما تبرز هنا العلاقة الوثيقة بين السلطة و الإعلام، ففي المجتمعات الحديثة لم تعد وسائل الإعلام مجرد ناقل للأحداث إنما أصبحت شريكا في تشكيل المكانة السياسية. فكلما ازدادت قدرة القائد على احتلال مساحة أكبر من الاهتمام العام ازدادت فرصه في التأثير سواء أكان هذا الاهتمام نابعا من الإعجاب أم من الجدل و هو ما يفسر استمرار بعض الشخصيات في صدارة النقاش العام لفترات طويلة.
مع ذلك ينبغي أن تبقى هذه المقارنة ضمن حدودها المنهجية، فهوملاندر شخصية خيالية صممت لتجسد نقدا دراميا لفكرة السلطة المطلقة و لذلك تتسم أفعاله بالمبالغة و العنف خدمة للحبكة الفنية.
أما ترامب فهو شخصية سياسية حقيقية خضعت لانتخابات، مؤسسات دستورية، رقابة إعلامية و قضائية، و يختلف تقييم أدائه تبعا للمواقف السياسية و الفكرية.
و من ثم فإن تحويل المقارنة إلى مساواة مباشرة قد يفقدها قيمتها التحليلية.
تكمن القيمة الحقيقية لهذه المقارنة في أنها تدفعنا إلى التفكير في طبيعة القيادة في العصر الرقمي حيث أصبح القائد مطالبا بأن يكون سياسيا و خطيبا و صانع حضور إعلامي في آن واحد.
و لم يعد الرأي العام يتشكل فقط عبر السياسات و الإنجازات بل أيضا عبر الصور، التصريحات، و القدرة على البقاء حاضرا في الفضاء العام.
من هنا تبرز أهمية التمييز بين القيادة بوصفها ممارسة مسؤولة لإدارة الدولة و القيادة بوصفها عرضا إعلاميا يقوم على الكاريزما و الصورة.
لعل أهم ما يقدمه مسلسل The Boys هو التذكير بأن المجتمعات لا ينبغي أن تكتفي بالإعجاب بصورة القائد لكن أن تحافظ دائما على حقها في مساءلته و نقده لأن قوة المؤسسات، لا قوة الصورة وحدها هي الضمان.
...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي