loader
MaskImg

المقالات

مقالات ادبية واجتماعية وفنية

ثقافة التَّستُّر على الفساد

breakLine
2026-07-05

ناطق فرج
كاتب ومترجم | عراقي

 

أيُّ مأزقٍ هذا الذي يعيشه وطنٌ لا يمتلك مقومات القيام بثورةٍ تُغيِّر واقعه، ولا يملك مقومات انقلابٍ يطيح بمنظومةٍ استهلكت مؤسسات الدولة وأضعفتها؟
وأيُّ قدرٍ هذا الذي يجعل شعبًا يعيش بين سلطةٍ تعجز عن محاسبة الفاسدين، ومؤسساتٍ يفترض بها أنْ تكونَ رقيبًا، فإذا بها تتحوَّل في نظرِ كثيرينَ إلى جزءٍ من المشكلة بدلًا من أنْ تكونَ جزءًا من الحل؟
إنَّ أخطرَ ما في الفسادِ ليس حجم الأموالِ المُهْدَرة، ولا عدد الصَّفقات المشبوهة، بل تلك الثقافة التي تسمح له بالاستمرار؛ ثقافة التَّستُّر المتبادل، حيث يحمي أصحابُ النّفوذ بعضهم بعضًا، وتتداخل المصالحُ إلى الحدِّ الذي تصبح معه المحاسبة استثناءً، بينما يتحوَّل الإفلاتُ من العقابِ إلى قاعدة.
إنَّ أسوأ ما يمكنُ أنْ يحدثَ في معركةِ مكافحةِ الفسادِ هو أنْ تتحوَّلَ إلى مسرحيةٍ يُضحَّى فيها بالهوامير الصغيرة لإقناع النَّاس بأنَّ العدالة تأخذ مجراها، بينما تبقى الحيتان الكبيرة بعيدةً عن المساءلة، تنعمُ بما جمعته من ثرواتٍ وتواصلُ نفوذَها كأنَّ شيئًا لم يكن. فالقانون لا يكتسبُ هيبته عندما يُطبَّق على الأضعف، وإنَّما عندما يقفُ الجميعُ أمامَهُ على قدمٍ المساواة؛ عندها فقط يدرك المواطن أنَّ العدالةَ ليست شعارًا يُرفع، بل مبدأٌ يُمارس.
ومن الأخطاء الجسيمة أيضًا أن تُختزل مكافحةُ الفساد في استردادِ جزءٍ من الأموالِ المنهوبة، ثم يُعادُ الفاسدونَ إلى مواقعهم أو إلى مواقعَ أُخرى تُمكِّنهم من استغلال النفوذ من جديد. فالعقوبةُ لا تكتملُ بمصادرةِ الأموال وحدها، لأنَّ المالَ يمكن أن يُعوَّض، أمَّا الثقةُ التي يُبدِّدها الفسادُ فلا تُستعادُ بسهولة. إنَّ إعادةَ من ثبت فسادُه إلى الوظيفة العامَّة تعني، في نظرِ المواطن، منحَه فرصةً جديدةً لبدء ماراثونٍ آخر من السَّرقةِ والنَّهب، وكأنَّ ما جرى لم يكن سوى استراحةٍ مؤقتةٍ بين جولتَيْ فساد. لذلك، فإنَّ العدالةَ الحقيقية لا تقتصرُ على استردادِ الأموال، بل تقتضي أيضًا منعَ الفاسدين من تولِّي أيِّ منصبٍ يتيح لهم العبثَ بالمال العام مرةً أُخرى، حتى لا تتحوَّل مكافحةُ الفساد إلى إجراءٍ شكليٍّ يستردُّ جزءًا من الخسائر، بينما يُبقي أسبابَها قائمةً ويُمهِّد لتكرارها.
لقد أصبح الفسادُ، في العراقِ، ظاهرةً تمتد إلى مختلفِ مناحي الحياة، تؤثر في الإدارة، والاقتصاد، والخدمات العامَّة، وتضعف ثقة المواطن بمؤسسات الدَّولة. وعندما يفقد المواطنُ ثقتَهُ بالقانون، تبدأ أخطرُ مراحلِ الانهيار؛ لأنَّ الدَّولة لا تقوم على القوة وحدها، بل على الثّقة والعدالة وسيادة القانون.
وللفساد آثار تتجاوز الجانب الاقتصادي بكثير. فهو يبدِّد الموارد العامَّة، ويعطّل التَّنمية، ويُنفِّر المستثمرين، ويُعمِّق الفجوة بين الطبقات الاجتماعية، ويُضعف كفاءة المؤسسات، ويخلق بيئةً تشعر فيها الكفاءات بأنَّ الاجتهاد لا يكفي، وأنَّ النُّفوذ أقوى من الاستحقاق.
أما على مستوى السيادة والأمن القومي، فإنَّ الفسادَ يفتح أبوابًا واسعة للاختراق والابتزاز، ويُضعفُ قدرة الدَّولة على حماية مصالحها، لأنَّ المؤسسات المنهكة بالفساد تصبح أقلَّ قدرةٍ على اتخاذِ قراراتٍ مستقلَّة، وأكثر عرضة للتأثر بالمصالح الضَّيقة.
إنَّ مكافحةَ الفساد لا تبدأ بالشعارات، ولا بالخطابات الرنانة، وإنَّما تبدأ بإرادة سياسية حقيقية، وقضاء مستقل، ومؤسسات رقابية قوية، وإعلام حرّ، ومجتمع يؤمن بأنَّ المال العام أمانة لا غنيمة.
إنَّ الأُممَ لا تنهار فَجأة، بل تتآكلُ تدريجيًا عندما يصبح الفساد أمرًا مألوفًا، وعندما يُكافأ الفاسد ويُهمَّش النزيه، وعندما يُنظر إلى المحاسبة باعتبارها تهديدًا، فلا ضمانةً لاستمرار الدولة.
ولذلك، فإنَّ معركةَ مكافحةِ الفساد ليست معركةً ضد أشخاص، بل هي معركة من أجل بناء دولةٍ يحكمها القانون، ويُصان فيها المال العام، ويشعر فيها المواطن بأنَّ العدالةَ تُطبَّقُ على الجميع دون استثناء. فالدّول تُبنى بالنزاهة، وتزدهر بالشفافية، وتسقط حين يصبح الفساد أسلوبًا للحكم، لا مجرَّد انحرافٍ عن القانون.

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي