مقالات ادبية واجتماعية وفنية
د. عتيقة هاشمي
ناقدة | مغربية
توطئة:
"هي قطعة نثر موجزة، بما فيه الكفاية، موحدة، مضغوطة كقطعة من بلور... خلق حر ليس له من ضرورة غير رغبة المؤلّف في البناء خارجا عن كل تحديد، وشيء مضطرب إيحاءاته لا نهائية"، هكذا عرفت سوزان برنارد قصيدة النثر. هذا التعريف يحيل على أن الإنسان العربي وجد نفسه أمام نمط شعري جديد، أملته الظرفية التاريخية والمتغيرات السياسية والاجتماعية والثقافية التي عرفها العالم العربي. هذه التحولات انعكست في بناء صورة المثقف باعتباره ذاتًا مشروخة اكتنفها الشك إزاء واقع يتسم بالتشظي، وفقدان المعنى. لقد سعت قصيدة النثر الى التخلص من قيود القصيدة العربية التقليدية، واعتماد رؤية تعيد تشكيل العلاقة بين اللغة والعالم عبر مجموعة من الخصائص كالتحرر من الوزن والقافية والاعتماد على إيقاع الأفكار. ثم الوحدة العضوية حيث باتت كلا غير قابلة للتجزيء، وكذلك التكثيف والإيجاز بهدف الوصول إلى دلالات أعمق، زيادة على أنها تعتمد رؤية فلسفية مبنية على الرمز...
لقد اشتغل الشعراء الحداثيون امثال إنسي الحاج، وأدونيس، ومحمد الماغوط وغيرهم على قصيدة النثر كمشروع عرف نضجه في أحضانهم، هذا المشروع الذي فتح للشاعر باب التجريب حيث جمع بين ثنائية ضدية تمثلت في مصطلح (قصيدة) ويعني البناء الفني الجمالي بينما مصطلح (النثر) يحيل على الهدم حيث يتمرد على كل الأشكال.
تعددت الموضوعات التي تناولتها قصيدة النثر والتي عبر من خلالها الشعراء عن الذات خاصة المغتربة منها. بالعودة إلى قصيدة الشاعر عبد الكريم الخالقي (حالات زاهد أعيته نبتة هجينة)، يشدنا قلق السؤال عن الكيفية التي تجسد بها قصيدة النثر هذا الاغتراب، وعن الأدوات اللغوية والفنية التي توظفها للتعبير عن علاقة المثقف بواقع مشوّه ومتصدع؟. للإجابة عن هذه التساؤلات نفترض أن قصيدة (حالات زاهد أعيته نبتة هجينة) لا تقتصر على تصوير الاغتراب، بل تسعى إلى مساءلة الواقع وكشف تناقضاته وإنتاج رؤية نقدية تجاهه.
سيميائية العتبات النصية:
البنية الدلالية للعنوان:
يعرف جيرار جينيت في كتابه (عتبات) أن العنوان هو "نص موازي" لأنه العتبة الأولى التي تربط العمل الإبداعي بالعالم الخارجي بل إنه يشكل نقطة اتصال بين النص والقارئ. من هنا فهو يكتسي قيمة دلالية وجمالية تتجاوز وظيفته التعريفية. ولعل الأبحاث السيميائية أظهرت بجلاء دور العنوان باعتباره بنية نصية لها وظائفها ودلالاتها وهو ما أكده صلاح فضل في كتابه (بلاغة الخطاب وعلم النص) ثم إنه علامة لغوية تسهم في بناء المعنى وتوجيه عملية التأويل.. فالوظيفة الاستباقية التي يقوم بها العنوان تتيح للقارئ رسم أفق التوقعات التي تعينه على استيعاب العلائق الدلالية التي تتشكل داخل النص. فالرمزية والإيحاءات التي يحملها العنوان غالبا ما تؤسس لعملية القراءة عبر مجابهة القارئ لها. وهنا تبدأ سلطة العنوان. بالرجوع إلى عنوان قصيدتنا موضوع الدراسة (حالات زاهد أعيته نبتة هجينة)، يلفي القارئ ذاته أما تركيب لغوي غير مألوف يثير نوعا من الدهشة، ويتشكل من ثلاثة عناصر (حالات/ زاهد/ نبتة هجينة)، فلفظة حالات التي وردت بصيغة الجمع تحيل سيميائيا على التعدد ولعله تعدد التجارب. هذا من جهة، ومن جهة ثانية تحيل على التحول ولعله تحَوُّل نَفْسِي وجداني من وضعية الاستقرار إلى تشتت الذات وتشظيها أو العكس، وهذه الحالات مرتبطة بلفظة زاهد التي تحيل لغويا على الرغبة عن الشيء. أما رمزيا فهي تدل على النقاء والصفاء الروحي، وتحرر الأنا من الماديات، والسمو بالروح إلى الحرية المطلقة. والمتمعن في جوهر اللفظة يجد بأنها مرتبطة بالموروث الثقافي الديني. أما الدلالة التي يرمز إليها المركب الوصفي (نبتة هجينة) فإنها تأخذ أبعادا متعددة، فالنبتة هي الحياة والصيرورة الناتجة عن النمو المستمر، والنبتة تجمع بين الثبات حيث جذورها تغوص في أعماق الأرض، وبين النمو حيث ترتفع بها سيقانها إلى الأعلى في تصاعد دائم. هذه النبتة هجينة وبالتالي فقدت نقاءها وصفاءها، وهو إشارة قوية إلى اختلاط الأنساق الثقافية، والهويات وربما التَّكَيُّف مع بيئات جديدة والتأقلم معها. كل هذه العناصر مجتمعة تجعل القارئ يعيش قلق سؤال عميق يتمحور حول فعل (أعيته) الذي شطر العنوان نصفين (حالات زاهد أعيته نبتة هجينة)، إذ كيف لنبتة هجينة أن تعيي وتتعب وتعجز زاهدا. هذا الأخير الذي يُفترض أنه يمتلك القدرة والصبر وأنه شخص مقاوم. فما هي طبيعة هذه النبتة؟ هل هي كائن حقيقي أم فكرة أرّقته أم هي تجربة إنسانية؟ بعبارة أخرى هل التهجين الذي أنهك الزاهد وأعياه يحيل رمزيا على تجربة وجدانية أم هو ذاك الاختلال الذي أصاب القيم أم أن الشاعر يقصد به أزمة الهوية؟
الوظيفة التأويلية للعنوان:
إن التساؤلات التي يثيرها العنوان تجعل القارئ في مواجهة مباشرة مع سلطته. فهي سلطة تدفعه إلى سلوك مسار معين في الفهم والتأويل، وإلى البحث عن العلاقات التي تربط العنوان بالنص. ومن ثم يصبح العنوان مفتاحًا لإعادة بناء المعنى واكتشاف الدلالات الكامنة في المتن. يؤكد رولان بارت أن العناصر المصاحبة للنص تسهم في تحديد دلالاته وتوجيه قراءته، لذلك تُعد العتبات النصية وسائل لإضاءة النص وتثبيت معانيه من خلال استفزاز القارئ وإثارة انتباهه، وتوجيهه نحو إطار معين للفهم والتأويل. كما يعمل العنوان على اختزال جوهر النص وتكثيفه في صيغة موجزة تتيح تداوله والتعريف به، فيتحول العنوان إلى أداة تفكيك أولية للنص وإعادة تشييد معناه في ذهن القارئ، من خلال ما يفتحه من آفاق للتأويل وما يثيره من أسئلة وانتظارات.. بالرجوع ثانية إلى عنوان (حالات زاهد أعيته نبتة هجينة)، يجد القارئ نفسه أمام عنوان يثير فضوله، حيث يحتوي على نوع من الغموض، وهو ما يحفز على قراءة النص لمعرفة المفارقة بين النبتة الهجينة، وصورة الزاهد وقيمة التعب. ثم إن التكثيف الذي يختزله العنوان جعل منه بنية افتتاحية نصية مشحونة بالدلالات وتوحي بالتنوع والتحول. وبالتالي فالعنوان يكبل القارئ بسلطته الإغرائية ويستفزه للتساؤل.
سيميائية معجم الأرض، من الدال إلى المدلول:
يلحظ القارئ أن المعجم في المقطع الأول "أخضعتني ريحها وسلكت بي طريقا غير الذي ..." يزخر بألفاظ دالة على الأرض والوطن، مثل: (التراب/ الوطن/ الخريطة/ الأرض/ البلاد/ التربة/ الحدود...) وهذه الألفاظ تتجاوز وظيفتها المكانية إلى أبعاد تحيل على الهوية والانتماء والذاكرة، وهكذا يتحول الفضاء الجغرافي من مجرد أمكنة إلى فضاء وجودي يعكس ارتباط الذات بأصولها. فالتراب يمثل الأصل، وهو رمز التجذر، والثبات والمقاومة، وهو ما يظهر في قول الشاعر: (القلب ثابت في الأرض) حيث ترفض الذات أن تُجْتَث مُقَاوِمة الجفاف، بينما يحمل الوطن بعدا وجدانيا وروحيا أعمق، ويجعل من جفاف الأرض، وذبول الورد صورة للجفاف الروحي والثقافي والوطني وفقدان الأمل والانحسار الروحي، كما في قوله: (حرشاء تربتك بلا ماء وذابل وردك بلا مجد وطني)، كما تتحول خريطة الوطن من حيز جغرافي مكاني محدود إلى فضاء كوني إنساني رحب، وهو ما يبرزه في قوله: ( خارطتك لم تفصلها الحدود). فالشاعر في هذا المقطع يؤسس لعلاقة الانتماء بين الإنسان وأصله.
سيميائية التمرد الدلالي وتحولات العلامة الشعرية:
إن القارئ وهو يحلل المقطع الثاني "فغن لها مسكونا بملح التراب وعواء اللغة..."
ساعيا إلى فك شيفراته، يكتشف حجم ثورة الدال في تفجير الشاعر للمعاني التقليدية، واستبدالها بصور جديدة وصادمة تكسر المألوف وتفضح الواقع. إن هذا التمرد الحاد الذي يوظفه الشاعر جعل ألفاظه تنفلت من المعاني المألوفة لتولد دلالات جديدة ومتعددة عبر اللغة الإيحائية والمجازات، وهو ما جعلها تخرج عن وظيفتها المعجمية المباشرة لتؤدي وظائف جمالية وتعبيرية مركبة. مثل: (عواء اللغة/ تنتحر الحروف/ وردة الليل... الطويل... تأكل لونها... وتخنق عطرها...) تبدو اللغة في هذه التعابير كائنا حيا يخوض معركة ضد الفساد والانكسار، حيث يمنحها الشاعر صفات إنسانية وحيوانية في ذات الوقت، وهو ما جعلها تتحول إلى كائن يتمرد على واقع الانكسار. إن الشاعر وهو ينحى هذا المنحى في التشخيص كان على وعي تام بأنه يمارس شعرية التشخيص أو ما يسمى بالأنسنة الشاعرية. فأسلوب التشخيص الذي استعمله يكشف قابليته كشاعر لفهم العلاقات بين الأشياء في منحى خرق به الواقع الذي يعيشه بصور حاكت نفسها وذاتها في عالم ليس ببعيد عن الخيال. فـ"انتحار الحروف على باب بار" دلالة صارخة على موت الكلمة وفقدانها لرسالتها المنوطة بها وهو في جوهره ضياع القيم في واقع صار يحكمه العبث. ويبلغ التمرد ذروته حين يوظف الشاعر لغة شبقية جريئة لا يبغي بها المعنى الجسدي المباشر، يقول: (من حقك... أن تضاجع.. جملة.. وتغتصب القصيدة... تتحرّش بالمعنى...) بل يشير إلى تلك العلاقة المتوترة والصراع بين الشاعر والقصيدة التي حتما ينتزعها من مقاومة اللغة حتى يعيد خلق المعاني. هذه التقنية الجمالية تثير المتلقي وتدفعه إلى أن يعيش التجربة ويغوص في صورها، ويتفاعل معها إذ يجد ذاته أمام فعل إبداعي ثوري يرفض الخضوع للقوالب الجاهزة. في حين يستعين الشاعر بصور نقدية لاذعة تشير إلى الانحطاط السياسي، وحجم الفساد الأخلاقي والانتهازية التي باتت تعرفها القيم الإنسانية إذ رمز إليه بكائنات حيوانية، يقول: (كلابا لستَ تعرفها... وثعالبَ/ طيورا دون أجنحة/ زواحف ولها قوائم) بهدف فضح الفساد السياسي. قبل أن يفتح أفقا للخلاص عبر دعوة الشعراء إلى العودة إلى وادي التراب حيث الطهارة والنقاء، يقول:( ارجع.. إلى وادي التراب.. الشعراء... ينتظرون.. خارج المدن الهجينة.. والخراب) في إيماءة إلى إمكانية خلاص اللغة بالعودة إلى أصلها الشعري خارج المدن الهجينة والخراب.
4- سيمائية الارتداد الصوفي وتجليات الأنثى في القصيدة
بالرجوع مرة أخرى إلى القصيدة، وخاصة المقطعين الافتتاحي والثالث الأخير، يلاحظ القارئ أنهما مقطعين مختلفين عن باقي المقاطع الأخرى، حيث تبدو كثافة الخطاب الصوفي من خلال التواطؤ الدلالي بين العنوان ومحتوى المقطعين. حيث يحيل العنوان كما سبقت الإشارة، على حالة من الزهد والتأمل والانفصال عن العالم المادي، وهي معان تختزل تجربة وجودية يعززها المعجم الروحي المتكرر عبر أسطر المقطعين، مثل (ماء الله/ الأدعية/ السلام/ الاستغفار/ القلب/ الجنة/ الطاعة/ النار/ الجحيم/ الموت/ الشفاعة) وغيرها. كما تتمثل مؤشرات الخطاب الصوفي في أسلوب المناجاة حين استعمل الشاعر أسلوب النداء (يا خالقي/ يا كريم)، ويستمر في قوله: (كلام الله/ هذا الفتى البري، يلعق بعض ماء الله في أدغال وحدته) نلحظ أن هذه العبارات تحمل شحنة روحية كبيرة حيث يصبح "الماء" رمزًا للفيض الإلهي في حين "أدغال وحدته" تحيل على الخلوة حيث يعتزل المريد الناس وينقطع للعبادة والتَّفكر. ومع ذلك تظل النزعة الصوفية في القصيدة غير خالصة لأن الشاعر جمع بينها وبين الرمز الصوفي، والتأمل الشعري، والغنائية الوجدانية. يقول: (امنحني لحنا يليق بانهيار المعنى/ تعزفه نشيدا/ كن عاشقا... كي تسافر في السحاب/ اللغة الخصبية/ اللحن.. يخَصِّب كفها). يعلم الدارس أن اللفظ في التجربة الصوفية يعجز أحيانا عن احتواء المعنى، لذلك يستعين الشاعر باللحن والنغم بديلا عنه، يقترب أحيانا من أجواء الشطح الصوفي وإن كان الشاعر هنا لا يريد به معنى بذاته بقدر ما يطلب لحنا يواكب عجز اللغة عن احتواء التجربة، وهو ما يجعل الحقيقة أكثر اتساعا. ويستمر هذا الشطح ليأخذ طابعا شعريا حين ينسب الخصب إلى اللحن بينما تصبح الكف فضاءً رمزيا للإنجاب والولادة. ومن ثمة لا يبقى الخطاب الصوفي محصورًا في المعجم الروحي، بل يمتد إلى بناء صورة المرأة نفسها، لتغدو أحد أهم تجليات هذا الأفق الصوفي داخل القصيدة حيث نجد الذات الشاعرة العاشقة تبحث عن أفق تجلي في المرأة/ الأنثى، والتي يمكن اعتبارها مَنْبَعا ابتكاريا للرمز، نقل الخطاب من مستوى العشق الإنساني البسيط إلى مستوى روحي تجاوز تلك العلاقة العادية بين رجل وامرأة، وهو ما يمكن تسميته بالارتداد الصوفي، حيث تغدو المحبوبة مرآة للتجربة الروحية، ووسيطًا بين العاشق وأفق التجلي. ويصل هذا الارتداد ذروته في قوله (جنتي في جهنم، إذا كنتِ فيها) إذ تصير المرأة المحبوبة واقعا قادرا على قلب القيم كما هو الشأن في العشق الصوفي حيث يستمتع العاشق بمعاناته. إن الشاعر وهو يستحضر المرأة الأنثى، يستحضرها كملجأ روحي نفسي مرتبط في البداية بصورة الأم، يقول: (وسلامة في حضن أمك). يتحول هذا المعنى ليصبح فضاء للخلاص في قوله: (أُلَمْلِمُني الآن من شظايا حروفي) حيث تبدو الذات الشاعرة مفككة، وأن المرأة وحدها القادرة على لملمتها. ويتأكد ذلك حين يجنح إلى السكينة والهدوء واستعادة التوازن الداخلي في استعماله لأفعال مثل: ( ينام/ يغتسل) في قوله: (نام على جملة في يديها، ويغتسل في هواها).
نستخلص أن المقطعين قد قاما على ثنائية متداخلة جمعت الارتداد الصوفي من خلال المعجم، والمرأة المعشوقة باعتبارها رمزا يشمل معاني الأم والوطن والخلاص و السَّلام الدَّاخِلِيّ في مثل قوله: (ويوصي بأن يدفن في ثراها..)، وهو ما يكشف عن تماهٍ واضح بين التجربة العاطفية والتجربة الروحية، بحيث تصبح المرأة فضاءً رمزيًا تتقاطع داخله دلالات الحب والخلاص والسكينة والتجلي.
سيميائية الانزياح وبناء الدلالة في الخطاب الشعري
يعتبر الانزياح ظاهرة أسلوبية حظيت باهتمام كبير من النقاد، وقد شكل أحد المفاهيم المحورية في الشعرية الحديثة لما يتيحه للشاعر من إمكانات تعبيرية وإيحائية وجمالية يستطيع من خلالها الارتقاء بالنص الشعري، وذلك عبر خرق القواعد النحوية والدلالية والبلاغية. إن القارئ للنص الشعري موضوع دراستنا لا بد أن تستوقفه كيفية بناء الدلالة الشعرية في النص، ولن يتأتى له ذلك إلا عبر مستويات انزياحيه متعددة، أهمها المستوى الدلالي، لأن الحقول الدلالية تكشف عن تفاعل الأنساق داخل النص الأدبي. وبالتأمل الدقيق في قصيدة (حالات زاهد أعيته نبتة هجينة) نلفي أن الحقل الدال على التصوف هو الحقل المهيمن على القصيدة. يبدو ذلك واضحا من خلال كثافة الألفاظ التي استعملها الشاعر (الله، خالقي، كريم، دعاء، أدعية، استغفار، استشفع، القلب، الجنة، جهنم، الشفاعة...) ويتداخل مع باقي الحقول الأخرى، وهي الحقل الدال على الشعر واللغة (القصيدة، اللغة، الحروف، اللحن، النشيد، الكلام، المعنى، المداد)، والحقل الدال على الطبيعة (التراب، الريح، الغيمات، الزعتر، الطيور، الشجر، العصفور، الخريف)، والحقل الدال على الوُجد/ العاطفة (الحب، الهوى، القلب، النساء، حضن أمك، يديها، شذاها...)، ثم الحقل الدال على الانكسار (الانهيار، الانكسار، الخراب، الذهاب، الموت، اليباب، الصمت...)، وأخيرا الحقل الدال على الخلاص (الإياب، السلوى، العبور، الوطن، الجنة، النور، النشيد...). إن تفاعل هذه الحقول فيما بينها، وتقاطعها مع حقل الخلاص الذي يشكل قطبا دلاليا مضادا لحقل الانكسار، كل ذلك يبرز أن الشاعر متمكن من آلياته الإبداعية خاصة حين يُصَيِّر القصيدة واللحن والحروف موضوعا للكتابة، ويستعين بتيمة المرأة ليخلق التوازن بين التجربة العِشْقِية والتجربة الروحية فيجعل النص يمارس نوعا من الغواية التي تثير القارئ فتدفعه إلى اكتشاف التعارضات الدلالية التي تنظم النص والتي نختزلها في ( الخلاص ≠الانكسار/ النشيد ≠ الصمت/ الإياب≠ الموت/ العبور ≠الخراب/ الجنة≠ الجحيم أو النار/ الحضور≠ الغياب)، دون أن نغفل أن الشاعر قد أبدع في اشتغاله على مستويات انزياحية أخرى ساهمت في دعم الاتساق الدلالي في النص، منها المستوى الصوتي والبلاغي كالاستعارات المتعددة والمتنوعة (اللحن يخصب كفها/ تنتحر الحروف/ عواء اللغة/ وردة الليل تأكل لونها/ تخنق عطرها/ يغني الفراغ/ يلعق بعض ماء الله/ القلب يجيب/ تحرش بالمعنى...).
خاتمــــــة:
يظهر، ونحن نشرف على الانتهاء من هذه الورقة البحثية، أن قصيدة "حالات زاهد أعيته نبتة هجينة" تثبت قدرة قصيدة النثر على التعبير عن مأزق الإنسان الحديث بلغة مكثفة وغنية بالتأويلات. كما أنها تجعل من النص الشعري فضاء للثنائيات المتضادة. وهو ذاته ما يدفعنا إلى أن نؤكد أن الشاعر في قصيدته لم يكتف بتصوير مظاهر الاغتراب، بل تجاوز إلى مساءلة الواقع وكشف تناقضاته من خلال لغة شعرية متمردة أعادت تشكيل العلاقة بين الدال والمدلول. إن قصيدة "حالات زاهد أعيته نبتة هجينة" مثلت تجربة شعرية حداثية مزجت بين الخصائص الشعرية والنثرية، بل جعلت من النثر مجالا خصبا لتعبير الذات عن قلق السؤال الوجودي الذي يكتنفها في مجابهة واقع متصدع ومتشظٍ. لقد كشفت القراءة السيميائية لمختلفات العتبات النصية، والبنيات الداخلية أن العنوان شكل مفتاحا تأويليا يوجه عملية القراءة بينما ساهمت الحقول الدلالية في بناء رمزية تتقاطع عبرها دلالات الهوية والوطن واللغة والتصوف والعشق.
القصيدة:
(حالات زاهد اعيته نبتة هجينة)
لا جدار أمامها..
غير ظلك...
وكلام الله في ترتيل طفل...
ودعاء عائدة ..
من ريح كسيحه...
───
يا خالقي ...
امنحني لحنا ..
يليق
بانهيار المعنى ..في نصّ عقيم
وحروف ..مارقات..
عن طاعة اللغة..الخصيبه
───
يا كريم..
ثبتْ
أوتار ..غصنين..تعانقا..
..بين بعديْن وسطرْ
───
اللحن ..يخصب كفها
وهي تزفه للقرار...
يتماوج بين نهدين وجيد
يصمت...ثم يعلو...في الجوابْ..
لا كتابة لا كتابْ...
والطفل ..
بين بعدين يلامسه الوتر...
فيرحل في اليبابْ...
تشهق اذ تراه في الذهاب..
ثم تفرح...
في الإيابْ...
───
تعزفه نشيدا
وتعرفه مريدا
يفتح للقصيدة الف بابْ...
───
يا صاحبي انظر معي...
الحب كاللحن البهي...
كن عاشقا...
كي تسافر في السحاب...
واللحن ..كالحب المريد...
لو عتَّقوه في العذابْ
───
يا صاحبي
وتري.. اذا مرّ به..
وصْلٌ من اللغة الخصبية..
لن يظلْ في ارتيابْ...
───
الأسد مأْوَاها العرين..
والمزابل... للكلابْ...
توقف الصمت والصوت غريب...وعاد فانشد
1
اخضعتني ريحها وسلكت بي طريقا غير الذي نثرت فيه عطر الصباحات...مسنودا بأريج التراب لم أطر كما شاءت الغيمات رؤيتي...القلب ثابت في الأرض والروح في رحاب المعاني... وبين أعالي الخريطه واسفلها.. رميت بلغتي فتناثرت معانيها وتفتحت أكمام وردها في ربيع خجول.. ففاحت رائحة التراب دون صلاة الجنازه... في غياب الزعتر البرّي..
مشبع بسواد الصمت ...فارع بجميل البياض...لم يمض زمانك ولن تخونك اللغة ...تدففْ بدافق المعنى وادعُ مطر البلاد الى التراب...حرشاء تربتك بلا ماء وذابل وردك بلا مجد وطني ...اجعل من بنفسج المساء ضياءك ومن بياض التاجين سندا للعبور ....ها هي تتهادى بيمينها قصة وطن وبشمالها قلبك المرهق...خارطتك لم تفصلها الحدود وحدودك ....السلوى...
2
فغنّ لها
مسكونا بملح التراب
وعواء اللغة
في ليالي الانكسار...
يرفع ياء المنادي
فيجيب القلب في قلب البحار...
أيها الشاعر..
لا مداد في وهم الشفاه
لا نبيذ في الجرار...
وردة الليل... الطويل..
تأكل لونها..
وتخنق عطرها...
حين..
تنتحر الحروف... على عتبات بار
ولا تفرّق في الحديث
بين..
كأس..
تفارق خمرها...
وبين صوت الانفجار..
أيها الشاعر...
من حقك... أن تضاجع..
جملة..
وتغتصب القصيدة...
اذا ضاق المدار..
من حقك
أن تعاقر...
ما تعتق...
من خمر الكلام..
في حانه اللغة القديمه..
وأن ترافق..
قصائدك السافره...
في كبد النهار...
تتحرّش بالمعنى ....
وبمن تزاحم... في الدخول:
كلابا لستَ تعرفها..
وثعالب
طيورا دون أجنحة
زواحف ولها قوائم...
وبعض الناجحين...
في مواخير السياسة..
وستسمع في الدخول..
ارجع.. إلى وادي التراب..
الشعراء...
ينتظرون..
خارج المدن الهجينة... والخراب.
3
قل لها
هذا الفتى البري
يلعق بعض ماء الله
في ادغال وحدته...
ويحرق نص أدعية الطيور.
يسقيها
في اقفاصها...
ويحاكيها...
فتفهم حكيه...
"اجعل الأقفاص واسعة"
فقط...
انا لن أغادر شاعرا...
يبكي فتنتحب الحروف...
النار...
والشعر الطويل...
والذقن.. يكشف شيب غربته..
ستزيد وسامة..
اذا غنى الفراغ
وفخامة.. ستزيد.. في صمت المساء
وسلامه في حضن امك..
تلك التي...
عن شجر الطريق.
تبحث... في الكتب
وتدعوك.. لمكتبة الكلام..
ستشاهد..
عصفورا.. يغنى..
اذا فتحت جناحيها الحروف..
وستكتب انها...
ضد الطيور
وضد من رهنوا القلوب...
لدى بنك اللغه..
الليل أولى بالكلام و بالبكاء..
فاحذر عصافير.. العيون..
لكنها...
في غفلة من عصير الثروة
واعاصير الخريف...
سمعته في فجر يغني:
ألملمني الان...
من شظاي حروفي..
وامنحك...
ما تشتهيه النساء..
شاعرا
حرفه من لظاها...
ينام على جملة...
في يديها..
ويغتسل في هواها..
رجلا..
لا أنثى فيه سواها..
يغازلها...
في الغياب...
ويهرب للنص فيه..
اذا.. انتشر..
في الحضور شذاها...
ميتا...
او ماشيا صوب موت...
يشتهي... غسله.. بيديها..
ويوصي
بان يدفن في ثراها..
سأمنحك... جملة من نشيدي..
جنتي في جهنم...
اذا كنت فيها..
وجنتي.. دون... انت
لا خمر... لا شعر فيها.
وقد يضيع بهاها...
أستغفر الحب ان كنت خنت..
همس يديها.. اذا لامستني يداها
───
واستشفع.. القلب.. إن متّ فجاه..
ولم امنح العمر.. كي..
احتفي بهواها..

...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي