مقالات ادبية واجتماعية وفنية
د. رائدة العامري
ناقدة وأكاديمية | عراقية
قد يتأخر الكلام أحيانًا، لا لأن التجارب الجميلة تفقد أثرها، بل لأن بعض الفعاليات الثقافية تحتاج إلى فسحة من التأمل، تمنحها حقها من القراءة والإنصاف. ولعلّ تأخرنا في الكتابة عن ملتقى الرواية الثاني يعود إلى أسباب ذاتية وموضوعية، غير أنّ الامتنان لذلك الجهد النوعي ظلّ حاضرًا، يدفعنا إلى توثيق تجربة ثقافية تستحق أن تُروى وأن يُحتفى بها. فلتكن هذه الكلمات وفاءً مستحقاً وشكراً صادقاً لكل من أسهم في إنجاح هذا الحدث المعرفي، ورسالة تقدير لأولئك الذين آمنوا بأن الثقافة فعل بناء، وأن النقد مسؤولية أخلاقية وجمالية تسهم في الارتقاء بالوعي الإنساني.
شهدت مدينة كربلاء المقدسة انعقاد ملتقى الرواية الثاني الذي أقامته مؤسسة الخلق العظيم للدراسات الاخلاقية ، بالتعاون مع اتحاد أدباء وكتاب في كربلاء المقدسة يوم السبت 6/6/2026، في تجربة ثقافية اتسمت بحسن التنظيم ووضوح الرؤية وعمق الطرح النقدي والمعرفي.
وقد اختار الملتقى محورًا بالغ الأهمية في المشهد السردي العربي المعاصر، تمثل بعنوانه: (مفهوم الالتزام في الرواية بين الإبداع الفني والواجب الثقافي)، وهو اختيار يكشف عن وعي نقدي يسعى إلى إعادة مساءلة مفهوم الالتزام بعيدًا عن التصورات الضيقة التي اختزلته طويلًا في أطر أيديولوجية جامدة، ليقدمه بوصفه مسؤولية جمالية وإنسانية تتجسد في قدرة الرواية على ملامسة أسئلة المجتمع، واستنطاق الهامشي والمسكوت عنه، وصياغة رؤى جديدة تجاه الإنسان والعالم.
إن استعادة مفهوم الالتزام في هذا السياق لا تعني العودة إلى الصيغ التقليدية التي تربط الأدب بالوعظ المباشر أو الخطاب التقريري، وإنما تؤكد أهمية الرواية بوصفها فضاءً رحبًا للتفكير في قضايا الهوية والذاكرة والوجود، ومجالًا لإنتاج المعنى عبر أدوات الفن وجماليات السرد.
وقد اتسمت جلسات الملتقى بحيوية فكرية واضحة، من خلال مشاركة نخبة من الباحثين والنقاد والأكاديميين من جامعات ومؤسسات ثقافية مختلفة، قدّموا قراءات متنوعة أغنت الحوار النقدي، وفتحت آفاقًا جديدة لمقاربة تجليات الالتزام في الرواية العربية المعاصرة، في مستوياتها الفكرية والجمالية والإنسانية.
وفي هذا السياق، أسهمنا ببحث موسوم تحت عنوان "الالتزام السردي بين الأنا والآخر في رواية أصوات من هناك": مقاربة نقدية"، تناولنا فيه إحدى الروايات التي استقطبت اهتمامًا نقديًا لافتًا لما تنطوي عليه من أسئلة تتصل بالهوية والذاكرة والمكان، وهي رواية (أصوات من هناك) للروائي نعيم آل مسافر.
وقد انطلقت هذه الدراسة إلى استكشاف جدلية العلاقة بين الأنا والآخر داخل البنية السردية للرواية، من خلال قراءة نقدية تتقصّى تعددية الأصوات وآليات تشكّل الخطاب الروائي، وتفحص تمثلات الالتزام بوصفه رؤية جمالية وثقافية تتجاوز المباشرة الأيديولوجية.
كما وقفت الدراسة عند الأبعاد الدلالية للمكان بوصفه فاعلًا سرديًا يتجاوز وظيفته الوصفية، ليغدو حاملًا للذاكرة الجماعية ومجالًا للمقاومة الثقافية في مواجهة النسيان والتغييب. ومن خلال ذلك، حاول البحث الكشف عن الكيفية التي يتقاطع فيها البعد الإنساني مع البعد الفني في تشكيل رؤية الرواية إلى الذات والآخر، وإبراز قدرة السرد على مساءلة الواقع دون أن يفقد خصوصيته الجمالية.
وقد جاءت هذه الدراسة ضمن سلسلة من البحوث الجادة التي أثرت النقاشات العلمية وأسهمت في تعزيز القيمة المعرفية لكتاب الملتقى، الذي ضمّ الأوراق البحثية المشاركة، ليكون وثيقة علمية تحفظ هذا الجهد الجماعي وتتيح الإفادة منه في الدراسات اللاحقة.
ولعلّ من أبرز ما ميّز هذا الملتقى قدرته على الجمع بين الجدية الأكاديمية والانفتاح على الأسئلة المعاصرة التي يطرحها السرد العربي، من خلال مقاربات نقدية قاربت الأبعاد الفلسفية والثقافية للنصوص الروائية، وكشفت عن البنى المضمرة التي تتحكم في حركة الشخصيات ومساراتها، بما يعزز من دور النقد بوصفه أداة للفهم وإنتاج المعرفة.
لقد أثبت ملتقى الرواية الثاني أنّ الفعاليات الثقافية الحقيقية لا تُقاس بعدد جلساتها أو كثافة حضورها فحسب، وإنما بما تتركه من أثر معرفي، وبقدرتها على خلق فضاء للحوار الجاد وتبادل الرؤى والخبرات. ومن هنا، فإن ما تحقق في هذا الملتقى يُحسب للقائمين عليه، لما بذلوه من جهود إدارية وتنظيمية وعلمية كبيرة، وحرصهم على استقطاب أسماء أكاديمية ونقدية فاعلة، أسهمت في الارتقاء بالملتقى إلى مستوى المسؤولية الثقافية والوطنية والجمالية.
فكل الشكر والتقدير لمؤسسة الخلق العظيم للدراسات الاخلاقية، وللاتحاد العام للأدباء والكتاب في كربلاء المقدسة، ولكل من أسهم في إنجاح هذا الحدث الثقافي المميز، إيمانًا منهم بأن المعرفة فعل مشاركة، وأن الحوار النقدي الجاد يظل أحد أهم السبل لترسيخ الوعي وبناء الإنسان.
لاشك أنَ مثل هذه المبادرات الثقافية الرصينة تمنح المشهد النقدي العربي فرصة متجددة للتأمل والمراجعة، وتؤكد أن الرواية ما تزال قادرة على إنتاج الأسئلة الكبرى، وأن النقد، حين يقترن بالمعرفة والمسؤولية، يظل فعلًا من أفعال الأمل، وممارسة أصيلة في الدفاع عن قيم الجمال والحرية والإنسان.

.jpeg)
.jpeg)

...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي