مقالات ادبية واجتماعية وفنية
محمود چلداوي / كاتب إيراني
في سنوات دراستي الجامعية، لم أكتفِ بطلب العلم، بل كنت أعمل سائقًا لسيارة أجرة (تاكسي) في منطقة "سوق نادري"؛ أنقل الركاب إلى "كوت عبد الله"، وأحيانًا أقبل بطلبات التوصيل الخاص "دربست". كان يومي يُعدُّ مباركًا وناجحًا إذا ما بلغت أرباحي مليوني أو ثلاثة ملايين ريال.
ذات يوم، وقفت أنتظر نصيبي كعادتي، لكن الرزق بدا وكأنه يعاندني. مضت ثلاث ساعات عجاف، لم يلتفت إليّ فيها راكب واحد، بينما كان زملائي من حولي ينهال عليهم الركاب في حركة دائبة. أحسست بمرارة الخيبة، وتسلل اليأس إلى نفسي، حتى قررت أن أترك عملي ذلك اليوم وأعود أدراجي إلى البيت كئيبًا محبطًا.
وبينما أنا على وشك الانصراف، ناداني صوت من خلفي: "يا ولد!". التفتُّ لأرى رجلًا مهيبًا، فارع القامة، كثيف الشعر، يرتدي ملابس سوداء أنيقة تضفي عليه وقارًا غامضًا. أجبتُه: "نعم؟".
سألني: "هل تذهب إلى «آخر آسفالت»؟".
قلت: "نعم، بخدمتك".
سأل عن الأجرة، فقلت: "ثلاثمائة ألف ريال".
ردَّ بلهجة هادئة: "لا يا حبيبي، سأعطيك مئتين فقط".
ترددتُ قليلًا؛ فالأجرة زهيدة، لكنني حدثت نفسي: "هذا الطريق يقع في مسار عودتي، فلأقبله إذن، فكسبُ القليل خيرٌ من العودة فارغ اليدين". وافقتُ، وركب الرجل السيارة.
ما إن انطلقنا حتى شغلتُ مسجل السيارة الذي كان يحوي باقة من الأغاني القديمة الأصيلة. وفجأة، رأيتُ عبر مرآة الرؤية الخلفية تحولًا غريبًا في ملامحه؛ بدا وكأن روحه قد غُمرت بماء ساخن ثم تلاشت فيها الثلوج، غرق في صمت مطبق، وشخص ببصره نحو الخارج، وكأنه غاب عن هذا العالم.
بعد لحظات من الهدوء الممزوج بالوجد، ناداني بصوت خافت: "صاحبي.. لا تذهب إلى البيت الآن".
سألت باستغراب: "لماذا؟".
قال: "هل يمكنك التجول بالمدينة قليلًا، ثم نمضي بعدها إلى وجهتنا؟".
أجبت: "بخدمتك، فهذا عملي. ولكن أين تريدنا أن نذهب؟".
أجاب: "إلى ضفاف نهر كارون".
انعطفتُ بالسيارة نحو شاطئ النهر المبهج. طوال الطريق، ظل الرجل غارقًا في أحلامه وذكرياته التي استحضرتها الألحان. وفي لحظة ما، قال: "لا بأس، هل تسمح لي بإشعال سيجارة؟". فقلت له بابتسامة: "لا عليك يا صديقي، اليوم يومك، افعل ما شئت".
بعد نصف ساعة من التجول الهادئ على ضفاف النهر، أوصلته إلى وجهته التي أرادها. وعندما نزل ليحاسبني، ناولني مليوني ريال مقابل الأجرة، ثم أردفها بمليونين آخرين وقال بصوت دافئ: "وهذه المليونان هي ثمن الغناء العذب الذي كان حلوًا كروحك".
...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي