loader
MaskImg

المقالات

مقالات ادبية واجتماعية وفنية

أحلام مؤجلة وخسارات صامتة

breakLine
2026-06-07

علاء العلاف
كاتب وباحث | عراقي

 


كلما أمعنت النظر في الحياة، شعرت كأنها تبتكر الروح من جديد وتعيد تشكيلها كلما عجز الإنسان عن إدراك ما هو أعظم منه، وكلما تأملت في ما يحيط بهذا العالم من مستجدات ومتغيرات، انتابني شعور بالقلق والتوجس، كأن جغرافية الحياة نفسها بدأت تتغير مبدلةً كل ما اعتدناه من أنماط ورتابة كانت جزءًا من حياتنا القديمة، لدينا عبارة متداولة كثيرًا تقول: «هذا من فعل الشيطان» لكن المشكلة الحقيقية أن الشيطان كان يسكن نفوس البشر قبل أن يسكن أي مكان آخر، واليوم تجاوز الإنسان كثيرًا من الحدود المألوفة، وأصبحت الحياة أكثر تحرّرًا وانفتاحًا مما كانت عليه في السّابق، نحن نعيش في عالم تعلّم الصّعود والهبوط معًا، وتعلّم أن يتكيّف مع التّحولات المتسارعة التي كسرت كثيرًا من الأنماط التقليدية التي حكمت حياة الناس طويلًا وقد صدق هنري ميلر حين قال: "إذا كان الإنسان يطلب المعرفة أو الحكمة، فخير له أن يعود إلى الينبوع الأول"، غير أن هذا الينبوع ليس الباحث ولا الفيلسوف، ولا المعلم ولا القديس، وإنما الحياة ذاتها، ومن أكثر ما يضعف شخصية الإنسان الغرور؛ فهو يجعله عاجزًا عن تقبل نجاح الآخرين أو فهم نتائج أفعاله حين تكون خاطئة، ومشكلتنا اليوم أن كل شيء أصبح مألوفًا، حتى الأمل نفسه، نحاول أحيانًا أن نخدع أنفسنا بالقول إن الغد سيكون أفضل من اليوم، فنواصل المقاومة والتشبث بالأمل رغم ما تحمله الحياة من تناقضات ومفارقات، ومن لحظات فرح وأخرى مثقلة بالخيبات،  يختلف الأديب عن عامة الناس؛ لأنه ينظر إلى الحياة من زاوية أكثر عمقًا، ويفكر باستمرار في مصير الإنسان والمجتمع، ولهذا كانت بعض الحكومات العربية تنظر إلى الأديب بعين الرّيبة، وتتعامل معه بوصفه معارضًا أو مصدر إزعاج للسلطة، لا شريكًا في بناء الوطن وتطويره ، وفي العراق على وجه الخصوص، مرّت عقود طويلة من الأنظمة القاسية والمتسلطة، وما زالت آثارها حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية، لقد استنزفت تلك الأنظمة أعمار الناس وطاقاتهم لخدمة مصالحها الضيقة، بينما ظل المواطن العادي يتحمل نتائج تلك السّياسات وتبعاتها الثقيلة، وقد كتبت سابقًا عن رؤساء الدول العربية وكيف أن بعض الخيارات السياسية لم تكن دائمًا معزولة عن حسابات القوى المؤثرة في الشرق الأوسط والعالم الثالث، ولعل العراق كان من أكثر البلدان التي عانت من الاستبداد والتراجع نتيجة السياسات التي تعاقبت عليه عبر العقود، حتى أصبح الأديب في كثير من الأحيان موضع اتهام لمجرد أنه ينتقد الواقع أو يكشف مواطن الخلل، ولو أُتيحت الفرصة الحقيقية للأدباء والمفكرين للمساهمة في صناعة القرار، لاستطاعت البلاد أن تتجاوز جانبًا من أزماتها وأن تحدّ من مظاهر الفساد والتسلط لكن الواقع كان مختلفًا؛ إذ تعرض كثير منهم للتهميش والإقصاء ووُضعوا أمام خيارات صعبة بين الصمت أو المسايرة أو الابتعاد فمنهم من ساير الأنظمة مضطرًا لتأمين لقمة العيش، ومنهم من اقترب منها طلبًا للمصلحة، ومنهم من اختار الابتعاد حفاظًا على استقلاله الفكري وكرامته الشخصية، ولم يكن ذلك نابعًا من عداء للوطن، بل من رفض لأن يكون أداة بيد السلطة أو شاهد زور على ما يجري، واليوم، ورغم اختلاف الظروف، ما زال كثيرون يشعرون بأن سنوات طويلة من أعمارهم ضاعت لخدمة مصالح فئة محدودة، لا لصالح الشعب، ومع ذلك، يبقى هامش التعبير عن الرأي أوسع مما كان عليه في السابق، وإن ظلت بعض القيود قائمة بأشكال مختلفة ، لقد عانى الأدباء كثيرًا من التهميش والقسوة لكنهم ظلوا يدافعون عن قيم الحرية والوعي، وبين من اختار الصمت، ومن اختار المواجهة، ومن حاول التكيف مع الواقع، بقي الأديب في جوهره ضمير المجتمع، حتى عندما حاولت السلطات تقييد صوته أو التقليل من أثره، ولا نعرف على وجه اليقين ما الذي يجري من حولنا، ونحن ننتظر انفراجًا قد يأتي أو لا يأتي لسنا مجردين من الأحاسيس؛ فكلما نظرنا خلف الكواليس رأينا وجوهًا كثيرة تحمل أوجاعها الخاصة وأحلامها المؤجلة وخساراتها الصامتة، ورغم كلّ شيء، يبقى القلب أشبه بمستودع للأحداث والذّكريات، يحتفظ بما تعجز الكلمات عن قوله، صحيح أن القلوب مثقلة بالجراح، كأنها تطالب العالم بحقوق يصعب وصفها، وخلف كل وجه حكاية، وخلف كل حكاية وجع لا يراه الآخرون، وكثيرًا ما أسأل نفسي عن كلّ ما يدور في هذا الفلك الواسع؛ فالحياة أعمق من أن تختصرها الكلمات، وأعقد من أن يتنبأ أحد بمساراتها، لكنها في النهاية، لا تلتفت إلى الوراء، بل تمضي إلى الأمام مهما كانت الخسائر ولذلك يكون من الحكمة أن نفعل ما يجعلنا أكثر تصالحًا مع أنفسنا، فالسعادة ليست دائمًا هبة من الظروف، بل خيار داخليّ وقد عبّر أنطوني هوبكنز عن ذلك بقوله: «أفعل ما يجعلني سعيدًا أنا مسؤول عن سعادتي، ومدين بها لنفسي، السعادة اختيار... ويمكن للإنسان أن يختارها في أي لحظة"، ورغم كل ما نشهده من تحولات واضطرابات، يبقى الإنسان متمسكًا بالأمل، لأنه آخر ما يملكه في مواجهة عالم لا يكفّ عن التغير.

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي