loader
MaskImg

المقالات

مقالات ادبية واجتماعية وفنية

الرسائل التي نجت من الغبار

breakLine
2026-06-06

 

سيد كاظم القريشي/كاتب إيراني

ـ حمدان
وابتسمت. في ذلك الصباح كنت أبحث عن شيء آخر تماماً. كنت أقلب أكواماً من الصحف والمجلات القديمة التي تراكمت في غرفة صغيرة تشبه مخزناً للنسيان أكثر مما تشبه أرشيفاً للذاكرة. كنت أبحث عن عددٍ قديم من إحدى الأسبوعيات التي نشرت قبل عقود حواراً مع الشاعر الأهوازي المعروف حبيب العموري. كان يُلقّب بشاعر الموال، كان مشروع كتاب جديد عن شعراء الأهواز قد أعادني إلى تلك الأوراق الصفراء التي أخذ الزمن من حوافها ما أخذ، وترك عليها آثار الرطوبة والغبار وأصابع السنين.

كانت المجلات مرصوصة فوق بعضها مثل طبقاتٍ جيولوجية من العمر. كل طبقة تخفي زمناً. كل عدد يحمل وجوهاً مات بعضها، واختفى بعضها الآخر، بينما بقيت أسماؤهم معلقة بين الحبر والورق.

جلست على الأرض. أخذت أفتح الملفات واحداً بعد آخر. تصاعدت رائحة الورق العتيق. رائحة لا تشبه شيئاً في هذا العالم إلا نفسها. هي ليست رائحة الورق وحده، بل رائحة الأيام التي رحلت وبقيت آثارها حبيسة الأدراج.

وحين سحبت ملفاً كرتونياً قديماً انفرطت منه أوراق كثيرة. تدحرج بعضها على الأرض. وانزلقت أخرى تحت الطاولة.وحين هممت بجمعها وقعت عيني على ظرف بريدي باهت اللون.

توقفت. مددت يدي إليه. كان الظرف خفيفاً إلى درجة أنني ظننته فارغاً. لكن حين فتحته خرجت منه رسالة. رسالة مكتوبة بخط أعرفه جيداً. خط متردد قليلاً. حروفه تميل نحو اليمين. وكأن صاحبها كان دائماً مستعجلاً للوصول إلى نهاية الجملة. قرأت الاسم أسفل الصفحة:

ـ حمدان.

شعرت بشيء يتحرك في أعماقي. كأن باباً قديماً فُتح فجأة.

ـ حمدان.

لم أنطق اسمه منذ سنوات طويلة. ربما منذ عقود. لكن الاسم كان لا يزال حياً في مكانٍ ما من الذاكرة. طيّ الرسالة. بين السطور. في زوايا الأزقة التي كنا نركض فيها صغاراً. وفي الضحكات التي كانت تملأ أمسيات الصيف.

جلست من جديد. ونسيت الشاعر الذي كنت أبحث عنه. ونسيت الكتاب. ونسيت كل شيء. وبدأت أقرأ.

ـ «مع التحية والسلام، اتمنى سلامتكم من الله تعالى...»

هكذا بدأت الرسالة. عبارات بسيطة. تقليدية. تشبه مئات الرسائل التي كانت تُكتب في ذلك الزمن. لكن الكلمات كانت تحمل حرارة اليد التي كتبتها. وكانت تحمل أيضاً مسافةً طويلة تفصل بين جندي شاب ووطن صغير يسكن قلبه. انتقلت عيناي بين السطور. كان حمدان يسأل عن أهله. عن الأصدقاء. عن أخبار الحي. عن أحوال الناس. ثم يطلب في نهاية الرسالة شيئاً بدا لي بسيطاً للغاية.

ـ «وأرسل لي بعض الطوابع.»

ابتسمت.

وأعدت قراءة العبارة.

ـ «وأرسل لي بعض الطوابع.»

ثلاثة عقود ونصف مرت على هذه الجملة. لكنها كانت كافية لتعيد بناء عالمٍ كامل. ففي ذلك الزمن لم تكن الطوابع مجرد أوراق صغيرة تلصق على المظاريف. كانت جسوراً. وكانت طرقاً للسفر. وكانت وسيلةً لكي يعبر الشوق من مدينة إلى أخرى. اليوم يشتري الناس رصيد الإنترنت. أما نحن فكنا نشتري الطوابع. كل طابع كان رسالة محتملة. وعداً بلقاء. أو خبراً من أم. أو سلاماً من صديق. أو اعترافاً بالحنين. أحياناً أفكر أن الطابع البريدي كان النسخة الورقية من الإنترنت. لكنه كان أكثر إنسانية. كان يحمل أثر الأصابع. ورائحة المكان. وانحناءة الخط. وتردد الكاتب وهو يبحث عن الكلمات المناسبة. لم يكن مجرد وسيلة نقل. كان جزءاً من الرسالة نفسها. واصلت البحث داخل الملف.

فوجدت رسالة ثانية. وثالثة. ورابعة. ثم اكتشفت أنني لم أكن أحتفظ برسالة واحدة لحمدان. بل بعشرات الرسائل. رسائله. ورسائل أخرى وصلتني من أصدقاء وأقارب خلال سنوات مختلفة. بين عامي 1988 و1992.

سنوات كانت البلاد فيها تتغير بسرعة. وكانت الحياة تعلمنا معنى الانتظار. ومعنى الغياب. ومعنى أن تكبر فجأة دون أن تشعر.

وضعت الرسائل كلها أمامي. كانت تشبه قطعاً متناثرة من مرآة قديمة. كل قطعة تعكس وجهاً. أو حادثة. أو حلماً. لكن الصورة الكاملة لم تكن قد اكتملت بعد.

وهنا بدأت الفكرة. ليس فكرة كتاب عن شاعر .ولا فكرة أرشيف. بل فكرة رواية. رواية تخرج من قلب هذه الرسائل. رواية لا يكون أبطالها أبطالاً بالمعنى التقليدي. بل أشخاصاً عاديين. جنوداً. طلاباً. أمهات ينتظرن أبناءهن. آباء يخفون قلقهم خلف الصمت. وأصدقاء يرسلون السلامات والطرائف والأخبار الصغيرة.

أشخاصاً لم يكتب التاريخ أسماءهم. لكنهم كانوا يصنعون الحياة بصبرهم اليومي.

أعدت قراءة رسالة حمدان مرة أخرى. وتخيلته وهو يكتبها. ربما كان جالساً في عنبرٍ عسكري. أو تحت مصباح شاحب في ليلة باردة من ليالي الخدمة. ربما كان يسمع أصوات الجنود من حوله. وربما كان يعد الأيام المتبقية له في الجيش.

كان يكتب وهو يظن أن الرسالة ستؤدي غرضها ثم تُنسى. م يكن يعلم أنها ستنجو خمسةً وثلاثين عاماً. وأن رجلاً أكبر سناً سيجلس ذات يوم يقرأها بعينين مختلفتين. ولم يكن يعلم أيضاً أنه سيصبح شخصية في رواية. شخصية تعود من الغياب لا بجسدها بل بخط يدها.

عند الغروب كنت قد نسيت تماماً سبب دخولي تلك الغرفة.المجلة التي جئت أبحث عنها بقيت مفقودة. لكنني وجدت شيئاً أثمن منها. وجدت زمناً كاملاً. وجدت أصواتاً كانت نائمة تحت الغبار.

وجدت نفسي القديمة. ذلك الفتى الذي كان لا يزال في المدرسة حين كتب له حمدان رسالته من الخدمة العسكرية.

ذلك الفتى الذي لم يكن يعرف أن الأيام ستحمله إلى أماكن كثيرة. وأن الأشخاص الذين يحبهم سيتفرقون في الجهات الأربع.

بعضهم سيغادر المدن. وبعضهم سيغادر البلاد. وبعضهم سيغادر الحياة كلها. أما الرسائل فستبقى. ستبقى شاهدةً على زمن كان الناس فيه يكتبون مشاعرهم بخط اليد. ويطوونها بعناية. ويودعونها لدى ساعي البريد. ثم ينتظرون أسابيع كاملة كي تصل.

في تلك الليلة جمعت الرسائل كلها.
وربطتها بخيط قديم وجدته في الدرج. وضعتها أمامي على الطاولة. كانت أشبه بصندوق أسرار. أو بمخطوطة نجت من حريق كبير. وأدركت أن الرواية قد بدأت بالفعل. لم تبدأ يوم كتب حمدان رسالته. ولم تبدأ يوم ذهبت أنا إلى المدرسة.
بل بدأت الآن. في هذه اللحظة.
حين عادت الرسائل من موتها الطويل. وحين قررت أن تمنح أصحابها فرصة أخرى للكلام. فبعض البشر يرحلون. كن كلماتهم تبقى حية. تكفي ورقة واحدة. وجملة واحدة. وطلب بسيط بإرسال بضعة طوابع بريدية.

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي