مقالات ادبية واجتماعية وفنية
د. عبدالكريم الحلو
ناقد وباحث | عراقي
مقدّمة
في الذاكرة الشعرية العربية، ارتبط أيلول دومًا بالخيبات والانكسارات.
كان نزار قباني من أوائل من جعلوه رمزًا للحبّ المقتول في مهد الخريف، وهو يسكب وجع الفقد في قصيدته الشهيرة «أيلول»، حيث ارتبط الشهر بالخريف، بالرحيل، وبالحب الذي يذبل كما تذبل الأوراق.
كان أيلول عند نزار “موعد موت الأشياء الجميلة”، وأفقًا للحزن الوجودي، حيث تتساقط الأوراق كما تتساقط الأحلام، ويتحول الزمن إلى مقصلة للعاطفة.
لقد كان نزار قباني أول من جعل من أيلول رمزًا لليأس العاطفي، وحين نقرأ قصائد نزار قباني عن أيلول، نكاد نسمع صوت الأوراق المتساقطة كدموع الحبّ، حيث يتحوّل الخريف إلى مجاز للعاطفة المكسورة.
لكن في قصيدة «أيلول عاد» للشاعر سليمان أحمد العوجي، يتجاوز أيلول حدود الغزل النزارّي، ليصبح مرآة كونية لانكسار الإنسان ذاته، وصرخة أنطولوجية ضد الخراب، حيث الغربة لم تعد سفرًا أو بعدًا مكانيًا، بل جرحًا داخليًا يلازم الكائن أينما كان.
لكن في قصيدة «أيلول عاد» للشاعر سليمان أحمد العوجي، نواجه أيلولًا مختلفًا: ليس شهرًا للحب الضائع فقط، بل زمنًا كونيًا للفقد، وصرخة ضد الغربة والخذلان.
هنا يغدو الشعر أكثر من مرثية، إنه فعل مقاومة ضد الخراب.
لكننا في نص سليمان العوجي، نقف أمام أيلول مختلف: ليس مجرد شهرٍ للفقد، بل شخصية حيّة تمشي إلينا مثقلة بالهزائم، كطفل يتيم أو كجندي خاسر، يحمل على ظهره غابة محروقة، وذاكرة مليئة بالخذلان. هنا لا يعود أيلول زمنًا، بل يتحول إلى بطلٍ تراجيدي، يدخل المسرح الشعري عاري اليدين، يبحث عن معنى وسط الرماد.
حين يعود أيلول في الشعر، فإننا لا نستحضر مجرد شهرٍ يتكرر في تقويم الفصول، بل نستعيد تاريخًا من الدموع والخيبات والحنين المجهض.
واليوم، في نصّ سليمان العوجي، نرى «أيلول» آخر، لكنه يحمل ذات الوشم الكوني: موسم للفقد، شهر يُشيّع المواسم، ويُعلّق قلوبنا على مشجب الغربة.
منذ الاستهلال المتكرر: «أيلول عاد»، يتجلى الإيقاع الحزين كجرسٍ جنازي يقرع في أذن القارئ. التكرار هنا ليس زخرفًا بل صرخة، كأنه طوفان يذكّرنا بأن العودة لا تعني الفرح دومًا، بل قد تعني استعادة الفقد ذاته كل عام.
النص يقوم على سلسلة صور شجرية - كونية: الغابة، النخلة، الصنوبر، الغربان، الطيور السوداء… كلها شواهد موتٍ ومقابر رمزية للخصب والألفة.
وكأنّ الشاعر يشيّد جنائزيته الخاصة لعالمٍ خانته الطبيعة قبل أن يخونه البشر.
القصيدة تتحرك سرديًا مثل حكاية، تبدأ من «المحطة» حيث شجرة وحيدة تنتظر العائد، ثم تنتقل إلى صور متلاحقة: طيور تدعو لمأدبة الرماد، جنود عائدون من خيانة، وجوه مغلقة بالأقفال، وأبواب تتدرّب على النواح.
هذه السردية الرمزية تجعل النص كالرواية القصيرة عن موسمٍ منكسر، يجر وراءه هزائم البشر والطبيعة معًا.
اللغة مشحونة بالوجد الوجودي: الغربة ليست سفرًا، بل مقعد فارغ إلى جوار الشاعر. هنا تكتمل الرؤية الرومانسية في أبهى صورها: الحب ليس غياب الحبيب فحسب، بل هو حضور الفقد في كل تفاصيل اليوم.
وهذا ما يعيدنا إلى نزار حين قال: «أيلول شهر الخيبات… أيلول شهر الرماد»، وكأن القصيدتين تتحاوران عبر الزمن: نزار يكتب عن خيبات القلب، والعوجي يكتب عن خيبات الكون بأسره.
أيلول كجرس جنائزي
منذ مطلع القصيدة، يتردّد التكرار: «أيلول عاد».
إنه ليس استهلالًا عابرًا، بل جرسٌ جنائزي يقرع ذاكرة القارئ في كل سطر، كأنّ الزمن نفسه يصرّ على إعادة الجرح. التكرار هنا يحمل طابعًا طقوسيًا: استدعاء للموت، تذكير بأن العودة ليست خلاصًا بل تجديدًا للألم.
أيلول في هذه القصيدة كائن وجودي، يدخل المشهد محمّلًا بقبور فاخرة وقلائد قهر، ليعلن أنّ المواسم لم تعد وفاءً للحياة، بل خيانةً متكررة لها.
يبدأ النص بالعبارة اللافتة:
«أيلولُ عاد…»
هذا التكرار يتردّد في القصيدة كنبضٍ ثابت، أشبه بجرس جنائزي يعلن قدوم موسم الخسارات.
إن العودة هنا ليست بشرى ولا عيدًا، بل تجديدٌ للألم. كلما تكررت الجملة، ازدادت وطأة الخريف كزمن لا يعرف إلا الهزيمة.
السرد الرمزي والفضاء الكوني
تتحرك القصيدة كسردية متشظية:
الغابة تدفن ذراعيها كأمٍّ فقدت أبناءها.
الشجرة الوحيدة في المحطة تستقبل العائد وكأنها شاهدة على العدم.
القبّرة الخجولة تدعو إلى مأدبة رماد، وكأن الفرح ذاته صار طعامًا محروقًا.
الجندي العائد من خيانة لا تُغتفر يرمز إلى وطنٍ تنكّر لأبنائه.
هذه السردية لا تصف أحداثًا، بل ترسم خريطة وجودية: الطبيعة والإنسان والوطن جميعهم ينهارون تحت ثقل الخيانة والخذلان.
إنّ النص يعيد كتابة الحكاية البشرية بلغة رمزية، تجعل من كل صورة علامة على مأساة أكبر.
الغربة كجرح أنطولوجي
في قلب النص، تتضح الفلسفة الشعرية: الغربة ليست مدينة بعيدة، بل مقعد فارغ إلى جوار الشاعر.
هنا تتحوّل التجربة إلى صرخة وجودية: فالعزلة ليست خيارًا، بل قدر إنساني يلازمنا حيثما رحلنا.
إننا أمام شعر يعيد طرح أسئلة الفلسفة الكبرى:
ما معنى الانتماء؟
ما جدوى الحب؟
وكيف نعيش في عالمٍ يضاعف اغترابنا بدل أن يداويه؟
حوار مع نزار قباني
إذا كان نزار قباني قد جعل من أيلول شهر انكسار العاطفة، فإن سليمان العوجي يوسّع الأفق: أيلول لم يعد حكاية قلبٍ عاشق فقط، بل حكاية إنسانٍ مهزوم، وغابةٍ محترقة، ووطنٍ طاعن في الخيانة.
كأنّ القصيدتين تتحاوران:
نزار يكتب مرثية للعاطفة،
والعوجي يكتب مرثية للوجود نفسه.
مقارنة مع نزار قباني
إذا كان نزار قد قال في إحدى قصائده: «أيلول… والدنيا حرائق»، فإنه جعل الخريف مرآة للحبّ المكسور.
أمّا سليمان العوجي، فحوّل أيلول إلى كائن شعري شامل، يُعيد صياغة الموت والغربة والخيانة في مشهد كوني.
إنه حوار صامت مع نزار: حيث ينتهي الأخير عند حدود القلب العاشق، يبدأ الأول عند حدود الوجود كله.
رمزية الغابة والخذلان
يقول الشاعر:
«الغابةُ التي
دفنت للتو ذراعَيْها
تتذكَّرُ العِناقَ الأخير.»
الغابة ليست مكانًا طبيعيًا هنا، بل رمزٌ لجسدٍ مثخن بالفقد.
دفن الذراعين إشارة إلى عجزٍ كوني، والـ”عناق الأخير” استعادة لصورة وداع تتجاوز حدود الطبيعة إلى وداع الإنسان لحياته ومعناه.
هذه الصورة تضع القارئ منذ البداية أمام مشهد رمزي يزاوج بين الخراب الطبيعي والخراب الوجودي.
الغربة كوليمة من الرماد
يقول العوجي:
«قُبَّرةٌ خجولةٌ
تدعوهُ لمأدبةِ الرماد،
ولحُزنٍ صريحٍ
كحَقِّ الأنبياء.»
الصورة هنا مذهلة:
القبّرة، رمز الفرح والحرية، لم تعد تغني بل تدعو إلى مأدبة من الرماد.
الحزن نفسه يتحوّل إلى حقّ مقدّس، كأنّه مصير لا فكاك منه.
هنا تتجلى فلسفة النص: أن الغربة ليست خيارًا، بل قدرٌ وجودي مفروض على الإنسان.
الخيانة بوصفها موتًا جماعيًا
في مقطع آخر نقرأ:
«لا أُمٌّ من سنديان،
ولا إخوةٌ من صَنوبر.
الكلُّ مات
بنيرانٍ صديقة.»
الطبيعة هنا تتحوّل إلى عائلة رمزية: الأم سنديانة، والإخوة صنوبر.
لكن هذه العائلة تموت بنيران صديقة، وهي مفارقة مرّة تكشف أن الغربة ليست فقط من فعل الأعداء، بل من خيانة الأقرب.
النص يكشف ببراعة أن أقسى الغربة هي خيانة الداخل.
الغربة كمقعد فارغ
يصل النص إلى ذروته في قوله:
«أم جئتَ لتُعلِّمَني
أن الغُربةَ ليست مدينةً بعيدة،
بل مقعدًا فارغًا
إلى جواري؟»
هذه العبارة تلخّص فلسفة القصيدة. الغربة ليست جغرافيا، بل فراغ داخلي.
ليست وطنًا مفقودًا فقط، بل غياب الآخر الذي كان يملأ الحياة بالمعنى.
بهذا التحول من الخارج إلى الداخل، يغدو النص شهادة أنطولوجية على مأساة الإنسان في عالمه المعاصر.
لماذا القراءة السردية الرومانسية؟
لأن القصيدة تُبنى على مشهدٍ مسرحي متكرر: “أيلول عاد…”، صيحة افتتاحية تشبه جرسًا يعلن بدء فصل جديد في التراجيديا الإنسانية.
كل مرة يعود فيها أيلول، لا يعود بالربيع، بل بجراح جديدة، حتى يغدو رمزًا دائريًا للتكرار المؤلم، كأن القدر يعيد نفسه بلا مخرج.
نبدأ من الغابة التي “دفنت للتو ذراعيها”.
صورة رومانسية/ مأساوية: الطبيعة نفسها تمارس طقس الحداد، تحاول أن تنسى العناق الأخير.
الغابة، رمز الحياة، تُستهلّ بها القصيدة كأنها أرملة فقدت عريسها.
ثم يأتي مشهد آخر: “المواسم تحرق رسائلها”، والبريد ضلله الدخان. كأن الطبيعة أغلقت بريدها العاطفي، ولم يعد هناك وصول للحب.
هذه الرومانسية المقلوبة، حيث تتحول الفصول من رسل حياة إلى قتلة صامتين.
في المحطة، نجد الشجرة الناجية الوحيدة، تستقبل أيلول وتعاتبه: “تأخرت كثيرًا”. هنا تتحول الطبيعة إلى شاهد على الخراب، ويصبح العيد نفسه مقبرة، يوزع قبورًا وقلائد قهر بدل الهدايا.
هذه المفارقة القاسية تمنح النص سردًا رومانسيًا أسود، حيث لا مكان للبهجة إلا في صورة مقلوبة.
القبّرة الخجولة تدعوه لمأدبة الرماد. الطيور عادةً رمز الحرية، لكن هنا صارت طيور عزاء، تنادي على مأتم الحياة. وهذا ما يجعل القارئ يشعر أن النص يكتب رومانسيته من قلب المأساة.
ما حاجتنا الى قراءة - سردية - فلسفية؟
حين نقرأ قصيدة «أيلول عاد» للشاعر سليمان أحمد العوجي، ندرك منذ السطر الأول أنّنا لسنا أمام شهرٍ عادي يتكرر في تقويم الطبيعة، بل أمام كائنٍ وجودي يجرّ خلفه ذاكرة الخريف، وحزن المواسم، وأسئلة الإنسان الكبرى.
أيلول هنا ليس فصلًا، بل مرآة لليأس الإنساني، تمامًا كما جعله نزار قباني رمزًا للخيبات في قصائده. لكن العوجي لا يكتفي بمرثية العاطفة، بل يحوّل أيلول إلى فضاء كوني يُعرّي معنى الغربة ويكشف هشاشة الوجود.
التكرار الجنائزي لعبارة: «أيلول عاد» ينسج إيقاعًا يشبه دقّات ناقوس، كأن الشاعر يوقظنا في كل مرة من غفلة الرتابة ليقول: إن عودة الزمن لا تعني الشفاء، بل تكرار الجرح. إنّه زمن دائري، يعيد على الذاكرة مواسم الموت بلا توقف.
القصيدة تتقدم كسردية رمزية: غابة تُدفن ذراعيها، شجرة وحيدة تنتظر في محطةٍ كئيبة، قبّرة خجولة تدعو إلى مأدبة رماد، جندي يعود من خيانة لا تُغتفر… كلها صور تنحت عالمًا من الخراب، حيث الطبيعة نفسها تتواطأ مع الفقد.
هنا نلمس بعدًا أنطولوجيًا: فالغربة ليست غياب الأوطان ولا الحبيب، بل انفصال الكائن عن المعنى ذاته. الغربة تتحول إلى مقعد فارغ بجوار الشاعر، إلى مرآة وجودية تكشف العدم الساكن في قلب التجربة الإنسانية.
لغة النص تنبض بمفردات رومانسية لكنها مشحونة بدلالات فلسفية: «إسوار من وداع»، «خلخال من رماد»، «قافلة من حجاج العتمة»، «أبواب تُدرّب صريرها على النواح». هذه ليست مجرد صور بل أدوات وجودية تُحيل القارئ إلى فكرة العبث، إلى عبء الزمن الذي يعيد نفسه بلا جدوى، وإلى هشاشة الحب حين يُسحق تحت عجلة التاريخ والخذلان.
الخاتمة
قصيدة «أيلول عاد» نصٌّ مشهدي - فلسفي يزاوج بين السرد والرمز.
تكراره الطقوسي لعبارة العنوان يخلق إيقاعًا جنائزيًا، وصوره البلاغية تفتح فضاءً وجوديًا تتقاطع فيه الطبيعة بالوطن بالإنسان.
إنها قصيدة لا تقف عند رثاء الخريف، بل ترثي المعنى ذاته في زمن الغربة والخيانة.
بهذا، يضع سليمان العوجي نفسه في خط موازٍ لتجربة نزار قباني، لكن مع توسعة الأفق: من مرثية العاطفة إلى ملحمة الوجود.
أيلول هنا ليس موسمًا في السنة، بل رمزًا دائمًا للجرح الإنساني المشترك.
قصيدة «أيلول عاد» ليست نصًا عن الخريف بقدر ما هي ملحمة شعرية وجودية، تحوّل الفقد إلى موسيقى، والغربة إلى أيقونة كونية. إنها تؤكد أن الشعر ليس وصفًا للواقع، بل إعادة خلق له، وصياغة أسطورة شخصية تعكس قلق الإنسان في مواجهة العدم.
هكذا يغدو أيلول عند سليمان العوجي رمزًا لا ينحصر في تقويم الفصول، بل يتجاوزها ليصبح علامة على اغتراب إنسان هذا العصر، وجرسًا يذكّرنا بأن الغربة ليست مكانًا بعيدًا، بل فراغًا داخليًا يتسع في القلب مع كل عودة جديدة.
«أيلول عاد» نصّ يكتب الحزن بلغةٍ مترفة بالصور، ويحوّل الغربة إلى مرثية كونية. إنّه نصّ يثبت أن الشعر ليس تفسيرًا للواقع، بل إعادة خلق له على هيئة أسطورة شخصية.
إنها قصيدة لا تُقرأ بعينٍ باردة، بل بقلبٍ يشارك الشاعر جلجلته الخريفية. ولعل أجمل ما فيها أنها لا تكتفي بالندب، بل تجعل من الفقد موسيقى ومن الغربة ملحمة، حتى يصبح أيلول ليس مجرد شهرٍ في السنة، بل أيقونة شعرية خالدة.
إن «أيلول عاد» ليست قصيدة عن فصل الخريف وحسب، بل هي ملحمة أنطولوجية تضع القارئ في مواجهة مصيره الوجودي. وإذا كان نزار قباني قد جعل من أيلول مرثية للحب الجريح، فإن سليمان العوجي يوسّع الدائرة: أيلول عنده صار مرثيةً للإنسان المعاصر، للغابة، للطبيعة، للوطن، بل للمعنى نفسه.
وهنا تكمن قوة النص: أنّه يعيد تعريف الشعر بوصفه مواجهة للعدم، وحوارًا مفتوحًا مع أسئلة الوجود التي لا أجوبة لها.
أيلولُ عاد..
الغابةُ التي
دفنت للتو ذراعَيْها
تتذكَّرُ العِناقَ الأخير.
المواسمُ تتبرَّأُ من عشّاقِها،
تحرِقُ رسائلَها.
وبريدُ الفصولِ
ضلَّلَهُ الدخان.
أيلولُ عاد...
في المحطَّة:
شجرةٌ وحيدةٌ ناجيةٌ
استقبلَتْهُ، وقالت:
«تأخَّرتَ كثيرًا،
العيدُ مرَّ من هنا،
وزعَ قبورًا فاخرةً
وقلائدَ قَهرٍ».
قُبَّرةٌ خجولةٌ
تدعوهُ لمأدبةِ الرماد،
ولحُزنٍ صريحٍ
كحَقِّ الأنبياء.
أيلولُ عاد...
يسألُنا:
أحقًّا أن شهرزادَ الغابةِ
لم تَصمُتْ عن الكلامِ المُباح
حتّى قَطَعَ شهريارُ
رأسَ خُضرتِها؟
أيلولُ عاد...
كطفلٍ بلا أهل،
ينامُ على رصيفِ الخريف.
لا أُمٌّ من سنديان،
ولا إخوةٌ من صَنوبر.
الكلُّ مات
بنيرانٍ صديقة.
أيلولُ عاد...
والأرضُ تتنكَّرُ له
كجنديٍّ عائدٍ
من خيانةٍ لا تُغتَفَر.
أيلولُ عاد...
وما استطاعَ أن يشتري
لحبيبتِه ابتسامةً.
كلُّ ما في جيبِه
يكفي لإسوارٍ من وَداعٍ،
وخلخالٍ من رماد.
أيلولُ عاد...
يجرُّ وراءهُ أقدامَ الغيمِ المُثَقَّلة.
يمرُّ على وجوهِنا
كقافلةٍ من حُجّاجِ العَتمة.
يفتشُ عن نافذةِ ابتسامتِك،
فلا يجدُ غيرَ جُدرانٍ بأقفالٍ،
وأبوابٍ تُدرِّبُ صَريرَها
على النَّواح
ومساءٍ صارَ قفصًا
تُربّي الغابةُ فيه
طيورَها السوداء.
أيلولُ عاد...
أمّا أنا،
فسأُقايِضُ هذه البلادَ
بغُربةٍ لا تعرفُ لغةَ ألمي.
لا تُجيدُ فكَّ يباسِ روحي،
ولا تدري أنّ الذي ينتفضُ في كفّي
هو قلبي الجريح.
وأنّ مشرطَ الرحيل
شقَّ خاصرةَ الحنين.
سأُغلِقُ خلفي بابَ اللغة،
وأتركُ قصائدِي عند عتبتِها
كأطفالٍ تأخَّر آباؤُهم في الحرب.
أيلولُ عاد...
هذه البلادُ التي ملأت جيوبِي
حنينًا، وسكاكرَ دعاء...
اليومَ تدَّعي الخَرَف.
كلّما وقفتُ ببابِها أطلُبُ شُربةَ ماء،
تشُدُّ على يدي بخناجرَ مسمومة.
أُقسِمُ يا أيلولُ:
اقتسموا الأنهارَ ليملؤوا جرارَ السَّراب،
وتركوني لملحِ وَحدتي.
أيلولُ عاد...
أجئتَ لتُعلِّقَ قلبي
على مِشجبِ الفقدِ
كمعطفٍ قديمٍ نسيَهُ مسافر؟
أم جئتَ لتُعلِّمَني
أنّ الغُربةَ ليست مدينةً بعيدة،
بل مقعدًا فارغًا
إلى جواري؟
أيلولُ عاد...

...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي