loader
MaskImg

المقالات

مقالات ادبية واجتماعية وفنية

عالم جديد أعمى: قراءة في رواية ألدوس هكسلي (أعمى في غزة)

breakLine
2025-09-04

سعد صبّار السامرائي
كاتب وباحث |  عراقي

 

حين يُذكر اسم ألدوس هكسلي، يتبادر إلى الذهن عمله الأشهر "عالم جديد شجاع"؛ الرواية التي صنعت له مجدًا أدبيًا في القرن العشرين، ورسّخت حضوره في الذاكرة النقدية باعتباره كاتبًا ساخرًا من طغيان التقنية وسطوة الحضارة الحديثة.
غير أنّ كثيرًا من النقاد يرون أنّ قمة عبقريته الروائية لم تتجسد في هذا العمل المعروف، بل في روايته "أعمى في غزة" Eyeless in Gaza، الصادرة عام 1936. والمفارقة أن هذه الرواية لم تترجم إلى العربية حتى اليوم، على الرغم من أنها تمثل الذروة الفنية والفكرية في مسيرته، وأعمق تعبير عن رؤيته الوجودية والإنسانية.
كان الكاتب الإنجليزي الغزير الإنتاج ألدوس هكسلي (1894-1963) واحدًا من ألمع كُتّاب المقال في القرن العشرين، وقد حيّرت سعة معارفه معاصريه وأدهشتهم. فقد كتب في ميادين شتى، شملت الفن والعمارة، والسياسة وعلم النفس، والشعر والتاريخ، إلى جانب علم الأحياء والموسيقى. وخلف أكثر من خمسين مؤلَّفًا تنوّعت بين الرواية والدراسة والمقال. وينحدر هكسلي من عائلة علمية مرموقة؛ فأخوه هو عالم الأحياء جوليان هكسلي، وجده عالم الأحياء التطورية توماس هنري هكسلي. 
وقبل الحديث عن عنوان الرواية ورمزيته المشتقة من الأساطير، لم أجد خلال بحثي في حياة هكسلي أي موقف مباشر مع القضية الفلسطينية أو ضدها. وحتى في زيارته إلى القدس مطلع عام 1955 إبّان العهد الأردني، كان تركيزه على طائفة الأرمن وكنائسهم ومدارس الموسيقى التي زارها هناك. وقد رافقه مرشد سياحي يجيد الإنجليزية بطلاقة، لكنه اعتاد عادة لفظية غريبة: أن يُقحم عبارة "عادةً مدمّرة" كلما أشار إلى موقع تاريخي أو ديني في القدس. هذه العبارة لفتت انتباه هكسلي بقوة، حتى صارت عنوانًا لمقالته عن القدس، التي نُشرت في حزيران/يونيو 1955 في مجلتي Encounter وEsquire.
ولعل القارئ يتساءل: ما الذي يدفع مؤلفًا إنجليزيًا إلى أن يكتب عن غزّة؟ والحقيقة أنّ الرواية لا تتناول غزة ذاتها، بل تحكي سيرة شاب إنجليزي من علية القوم ضلّ طريقه في متاهات الحياة. كان هكسلي، الذي عانى ضعفًا شديدًا في بصره حتى غدا نصف أعمى في إحدى عينيه، مأخوذًا بفكرة العمى الذي تفرضه على المجتمع مبادئ الإنتاج الكمي والتكييف الشرطي على طريقة "كلب بافلوف". أما عنوان الرواية فقد اقتبسه من بيت شعري في الملحمة الدرامية شمشون الجبار (Samson Agonistes) التي نظمها الشاعر جون ملتون سنة 1671، إذ يستعير مشهد شمشون الأعمى الذي سيق إلى غزة أسيرًا يطحن في رحى العبودية.
يصوّر ملتون البطل التوراتي شمشون، المحارب الجبّار، بعد أن فقأ الفلسطينيون عينيه وأصبح أسيرًا عندهم "أعمى في غزّة عند طاحونة العبيد".
في المخيلة الصهيونية-التي تتغذى على الأساطير- يتخذ المكانُ معنى الثأر. غزةُ ليست جغرافيا عابرة، فهي لا تقل شأنًا عن بابل؛ إنّها موضعُ الإذلال الأول حين أُطفئت عينُ البطل "شمشون" ودارت به الرحى. من هناك وُلدت "عقدةُ غزة" بوصفها جرحًا رمزيًّا يسكن النصوص والخطب والسينما، ينهض كلما ذُكرت المدينة أو مرّ طيفُها في نشرات الأخبار. لم يكن مستغربًا أن تحتل أسطورة شمشون موقعها في السينما منذ بدايات ظهور الأفلام الصامتة، في وقتٍ كانت الصناعة خاضعة لهيمنة الشركات اليهودية. فبعد عامين فقط من تأسيس المنتج الأميركي ذي الأصل اليهودي كارل ليميل (1867–1939) لشركة يونيفرسال للإنتاج السينمائي سنة 1912، ظهر أول فيلم صامت بعنوان شمشون عام 1914. جاء ذلك قبل ثلاثة أعوام من وعد بلفور الذي مهّد لتحويل فلسطين إلى وطن قومي لليهود. ومنذ ذلك الحين توالت الأعمال التي تناولت الأسطورة في صيغ متعددة؛ من مسلسلات وأفلام وثائقية ورسوم متحركة، وصولًا إلى أحدث إنتاج سينمائي بعنوان شمشون عام 2018م، الذي قدّمته شركة Pinnacle Peak Pictures الأميركية المتخصصة في الأفلام ذات الطابع الديني. 
لا عجب إذ تتكرر الحكايةُ مع كل منعطفٍ سياسي: تصويرٌ جديد للأسطورة، وتلميحٌ إلى استخدام قوة مدمرة، ورسالةٌ إلى جمهورٍ يُراد له أن يرى العالم بعينٍ واحدة. وهنا يتضح مغزى العنوان الذي اختاره هكسلي: "أعمى في غزة". فهو ليس حِليةً لغوية عابرة، فالعمى عند هكسلي وجهٌ آخر لعمى النفس الحديثة في صراع الخير والشر. وإذا كان هكسلي قد استعار غزة رمزًا للعمى الروحي في زمنه، فإنّ حاضر المدينة يعيد تفعيل هذا الرمز في أكثر صوره مأساوية، كأنّ النص يتنبأ بما يجري اليوم. ولو قُدّر لهكسلي أن يشهد غزة اليوم، وهي مدينة "مدمَّرة كليًا"، وقد أُجبر أكثر من ثلاثين ألف طفل على إغلاق أعينهم إلى الأبد بفعل الجوع والقصف، لأدرك أن العالم لم يعد "جديدًا شجاعًا" كما ظن، بل صار عالمًا أعمى متبلد المشاعر، لا يرى إلا ظلال فنائه. 
وعلى أيّ حال، تكمن قوة الرواية في بنيتها غير التقليدية، ورغم صعوبتها، وكثرة التفاصيل التي كانت تحفل بها الحياة في مطلع القرن العشرين من الملابس، والأماكن، والطقوس، إلى إشارات التهكم المعقدة، فإنها تكافئ القارئ بلوحة بانورامية لحياة كاملة تعكس طبيعة الذاكرة البشرية نفسها، حيث الأفكار والأحداث تتقاطع وتتكرر وتتغير وتباغت. كما تكمن في الجرأة الفكرية التي يطرح بها هكسلي مذهب السلام والتصوف كخيار عملي في مواجهة التطرف والطموحات العنيفة، طارحًا أسئلة صعبة عن معنى المبادئ في عالم عنيف تحكمه السلطة والمصلحة. يراوح نثر هكسلي بين التأمل الفلسفي العميق والملاحظة الدقيقة للطبيعة البشرية، ويظل مكثفًا وعميقًا دون أن يجنح إلى عاطفية مبتذلة. تزخر الرواية بجمل تلخص فلسفة هكسلي ورؤيته للعالم: "الحقائق لا تزول لأننا نتجاهلها"، و"السعادة لا تُنال بالسعي المباشر إليها؛ لكنها تأتي كنتيجة عرضية لأفعال أخرى"، و"سر العبقرية أن نحمل روح الطفولة معنا إلى الشيخوخة." هذه العبارات تجعل النص مزيجًا من السرد الأدبي والتأمل الفلسفي.  
وقد اختار هكسلي هذا العنوان ليعكس مأزق شخصياته في بحثها عن معنى وسط عمى قيمي شامل. الرواية تعكس كذلك أثر الحرب العالمية الأولى على جيل كامل، إذ تبدو الشخصيات مثقلة بالجروح النفسية والشعور بالذنب وفقدان المعنى. ورغم عمقها، لا تخلو الرواية من بعض المآخذ. فالتنقل الزمني المفاجئ قد يربك بعض القراء خصوصًا في الفصول الأولى، كما أن الإفراط في التأملات الفلسفية يجعل النص في بعض أجزائه أقرب إلى مقالة فكرية منه إلى عمل روائي، فيما يجعل برود شخصية "أنطوني بيفيس" العاطفي في بدايات القصة من الصعب على القارئ أن يتعاطف معه قبل تحوله. مع ذلك، فإن أعمى في غزّة تظل عملاً خالدًا في موضوعاته. فهي رحلة بحث عن معنى في عالم متغير، وشهادة على إمكانية التحول الشخصي من اللامبالاة إلى الالتزام الأخلاقي، وتأمل في الصراع بين المثال والواقع، وبين المبادئ والسلطة. إنها رواية عميقة ومعقدة تتحدى القارئ للتفكير في الذاكرة والأخلاق والتحول الذاتي، وتكافئ صبره بنص يدمج بين صرامة الفكر وحرارة التجربة الإنسانية، لتترك أثرًا لا يُمحى في الذاكرة.
 

 

 

 

 

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي