مقالات ادبية واجتماعية وفنية
د. عتيقة هاشمي / ناقدة مغربية
مدخل:
عرف فعل الكتابة المعاصرة عند الكتاب المغاربة تحولات عميقة في البناء والرؤيا، وذلك في أفق موجة التجريب التي طالت الأعمال الإبداعية بشكل عام، حيث فضل الكثير من الروائيين المغامرة في التجريب ليقدموا للقارئ كتابة روائية مختلفة وصادمة لتمثلاته شكلا ومضمونا، والسعي إلى اكتشاف طرق مغايرة تشكلت في ضوئها كتابة روائية جديدة تراهن على لذة الاكتشاف والتجريب. ومع ذلك جمعت كتاباتهم بين طراوة المعنى، وحلاوة السرد، ومرارة الواقع، وتقصي هموم الذات وانشغالاتها. بل وتشريح أسئلتها المعقدة ونسج مادتها من الواقع المخضب بالمتخيل. ولعل أكثر الأنواع الأدبية تجريبا والذي وسم العديد من الأعمال الأدبية ومنها رواية (ذاكرة رجل مختلف) للكاتب المغربي عثمان ناجي، هو التخييل الذاتي، وتنوّع أنماطه بين المذكرات، ورسم ذاتي، وتأمّلات، ورواية يوميّات... ويمكن اعتباره رافدا أساسيا للكشف عن الذات وهوّيّتها.
يعتبر التخييل الذاتي مفهوما مركزيا في تطوير الوعي بالكتابة الذاتية، وهنا نلفي فليب لوجون عمل على كشف خصائص هذا الجنس الأدبي، إذ تحدث عن مفهوم الميثاق الأطوبيوغرافي في الرواية، واعتبر الشخصيّة المحورية مختلفة عن المؤلّف. وبذلك يجد المتلقي ذاته أمام جنس أدبيّ أكاديميّ، يشكل نوعا من التجريب، والثورة على السيرة الذاتيّة، خاصة وأنه أثار جدلا واسعا بين الباحثين بسبب وقوفه في المنزلة بين المنزلتين من جنسين أدبيين هما الرواية والسيرة الذاتية، ذلك أنه استمد أدواته وآلياته منهما معا، دون أن ينحاز بشكل كليّ إلى أحدهما على حساب الآخر. فقد استمد من جنس الرواية مشروعية التخييل بكل ما يتيحه هذا الأخير من حرية مطلقة في بناء الأحداث، والشخصياتّ، والفضاء المكاني. واستمد من جنس السيرة مشروعية الذات والمرجع، إذ تتأسس الذات محوريّا لتصير المبتدأ والمنتهى، فتبصر العالم، وتستعيد الأحداث السابقة، تحللها وتعلق عليها، وتعيد تأويل تفاصيلها، وفق متطورها الراهن من خبرات الحياة، والتجارب الثقافية.
بالرجوع إلى رواية(ذاكرة رجل مختلف)، يجد القارئ نفسه أمام مساحات خالية، تتيح له فرصة التخييل الذاتي لملء هذه الفراغات، وبهذا الشكل، يصبح النص تجربة تفاعلية بين الكاتب والقارئ، إذ يسهم هذا الأخير في تشكيل المعنى النهائي للنص. هذا يدفعنا إلى طرح الإشكال التالي: كيف وظف عثمان الناجي الفجوات النصيةّ، والتخييل الذاتي كآليتين سرديتين في روايته لتحفيز القارئ على إنتاج المعنى؟ وكيف ساهم هذا التفاعل في بناء الهوية السردية للنص؟.
-تمظهرات التخييل الذاتي (ذاكرة رجل مختلف)
تعتمد (رواية ذاكرة رجل مختلف) على آليات التخييل الذاتي بوصفه صيغة سردية هجينة تجمع بين المرجعية الذاتية والابتكار التخييلي، حيث يتقاطع الواقع المعيش مع العالم الروائي في بناء حكاية ذات طابع شخصي-إنساني. يستعمل فيه السارد ضمير المتكلم، وكأنه شخصية محورية، حاملاً ملامح المؤلف الضمني، حيث يجده القارئ أن هذا الكاتب/ السارد/البطل يكشف عن مشاعره، وتجارب ذاتية مرتبطة بالحب، والخيبة، والذكريات، والماضي المؤلم. يقول: (بدأت أغرق فيك منذ رشفات القهوة الأولى/ أعترف أنني حين قابلتك ذلك المساء جذبتني إليك تفاصيل بسيطة/ لن أرفع هاتفي مرة أخرى لأسأل عنك/ هي حكاية حزينة أخرى/ أجلس وحيدا داخل شقتي منذ علمت بخبر رحيلك الأخير...) وهو ما يمنح النص بعدًا اعترافيا، لكن الكاتب لا يكتفي بنقل الوقائع كما هي، بل يعيد صياغتها عبر شبكة من الصور البلاغية، والانزياحات اللغوية، والمجازات التي تضفي على السيرة بعدًا جماليا وفنّيًا يتقاطع مع البوح الشخصي.
الأحداث:
تتسم "ذاكرة رجل مختلف" بسمات تكاد تكون مألوفة لدى القارئ، لأن الكاتب يبني عالمه الروائي انطلاقا من المادة الموجودة عند القارئ نفسه، وبالتالي يشعرنا بذلك التواطؤ الجميل معه مورطا إياه في هذا العالم، وما حرصه الشديد على بناء عالمه من الواقع إلا طريقة لإشراك القارئ في بناء عوالمه الروائية، حيث يحيله على أحداث تبدو ذاتية وقريبة من حياته ككاتب (ذكريات الطفولة/تحذيرات الأم/ التجارب العاطفية...)، أحداث تُروى بلغة مشحونة بالاستعارات، والصور البلاغية التي تمنحها بعدًا تخييليًا. ومن ذلك قوله:( ربما أقوى مخدر في العالم هو الحب، وأصعب إدمان هو الوفاء)، يلحظ القارئ أن هذه الصورة الذهنية الشاعرية النابعة من تعدد الأصوات، والتفاعل بين الزمان والمكان تجمع البعد السير واقعي بالبعد التخييلي. كما نجد الكاتب في سرده يتنقل بين لحظات عيش آنية، وذكريات الطفولة أو التجارب السابقة، وهو ما يعكس البنية المفتوحة للتخييل الذاتي في مزيج بين الذاكرة والحاضر، كانتقاله من مشهد شرب القهوة إلى ذكر النهر في طفولته، إلى تحذيرات الأم له، ثم العودة من جديد إلى الحوار مع ريحانة. إن السارد وهو يسرد هذه الأحداث يزج بالقارئ في متاهة السؤال، (أنا اراوغكِ ثم أراوغ سؤالي )، إذ يروي قصته وقصة ريحانة في آن واحد، حتى يصبح التمييز بينهما صعبًا، وهذا من خصائص التخييل الذاتي حيث تذوب الحدود بين "أنا الكاتب" و"أنا الشخصية البطل" يقول: ( لا أميز جيدا بين حكايتي وحكايتكِ، هما متداخلتان ومتشابكتان/... هي حكاية عشق أزلي بين الشبيهين المتناقضين) في إشارة صريحة إلى انصهار الذوات السردية في تجربة شعورية مشتركة، وهو أيضا أحد أبرز سمات التخييل الذاتي.
المكان:
في ذات السياق، استحضر الكاتب أمكنة معروفة لدى القارئ، جاءت مبثوثة في ثنايا الرواية (المستشفى/ الحديقة/مقر الجمعية/ المقهى/ الشقة/ الفندق/ الجامعة/ المقصف/ منزل العائلة/ القرية/ إدارات الدولة/ المدرسة/ الشاطئ/الغرف/ غرفة الانتظار...)، هي أفضية يُقدَّمها الكاتب بصيغة ذاتية، مشحونة بالانفعات الداخلية، حيث تتحول التفاصيل المادية إلى استعارات للانكسار، والوجع، والعزلة، والفقد. هذا التلوين الانطباعي للأفضية المكانية يعكس رغبة الكاتب في تحويل المادة الواقعية إلى مادة رمزية، يذكر واصفا المستشفى: (هو بؤرة البؤس والانهيار الإنساني يشبه غرفة انتظار مفتوحة على العالم الآخر)، وحديقته:(مقبرة لأحياء أموات)، كما يقدم غرفة الانتظار على أنها الموت بعينه، يقول:( أكره غرف الانتظار، كل غرف الانتظار، الانتظار هو الموت بعينه)، وفي مقطع آخر يصف غرف منزل العائلة، يقول:(الغرف الكثيرة صامتة، كأنها ربع خال...)، في إحالة واضحة إلى استبطان المعاناة، وتحويلها إلى علامة على هشاشة الوجود الإنساني. وكلما توغل القارئ في ثنايا الرواية، يكتشف أن الفضاءات تزداد سوداوية كلما تعمق ذاك الإحساس الذاتي بالكآبة، فينمي التخييل الذاتي لدى القارئ، يقول السارد مستحضرا من ماضي طفولته فضاء المدرسة، كفضاء موبوء، يقول:(أقف وسط طابور طويل جنب المدرسة. السور خشن، وطلاؤه معيب وغير مكتمل. لا يتجاوز عمري ثماني سنوات، يتحرك الطابور بسلاسة، بينما تنبعث من أماكن بعينها روائح مختلطة. أضع يدي أمام أنفي وفمي حين ينشر الهواء حمولة كريهة في اتجاهي تهاجم كأنها سرب طائرات...)، كما ينعت قريته أنها (بالكاد تشرب الماء النقي، أقل من ساعة في اليوم ويختفي السائل الثمين من الحنفيات، وهي كذلك بلا كهرباء دائما …أصحاب القرية هنا بشر على هامش الوطن…الأزقة عشوائية، والمنازل شديدة البساطة، هنا ينظر الناس إلي كسائح سيء الحظ... انضم إليهم لضرورة البقاء حيا). يظهر من هذه المقاطع أن الكاتب كان على وعي تام بدرجة الإرتجاج الذي سيحدثه لدى القارئ وهو يستحضر هذا التشظي للأمكنة بمختلف أنواعها، تشظي يحمل في عمقه تجربة ذاتية لمسار من الخيبات المتتالية، وبذلك تتحقق وظيفة التخييل الذاتي عبر الجمع بين المرجعية الذاتية والإبداع الفني، وإعادة تشكيل التجربة الفردية في قالب روائي يجعل القارئ شريكًا في إعادة بناء المعنى، بين ما هو واقعي وما هو متخيل، وبين ما يُروى وما يُحجب في فجوات النص.
الزمان:
ولتعميق التخييل الذاتي في الرواية استقدم الكاتب أزمنة من الواقع المعاش مركزا على الزمن النفسي بأسلوب مركب، يقوم على التداخل بين أزمنة السرد وأزمنة الذاكرة، بما يخدم البنية الاعترافية والبعد النفسي للنص، يقول: (ريحانة لم تتريث حتى ننهي سويا رحلتين منفصلتين ومرتبطتين كذلك/ لا زالت جميلة رغم إحساس غابر بالتقدم في العمر/ الأمل في العلاج يختفي بسرعة كشمس في يوم ماطر / أظن أن الليل يضاعف حجم الأشياء والمشاعر. ضوء الشمس فاضح وواقعي، حين يغيب يصبح الكون في قبضة الأشباح. كلما حل المساء علي أن أفاوض وحدتي المشاكسة/ وتمر السنين، ويمضي قطار العمر دون أن يلتفت أي منا إلى دمار الروح واندثار مشاعر لم تصمد أمام توالي ضربات الأيام/ الموتى تحت التراب ينهون حياتهم بمراسيم شجاعة... يمشي وراءهم أحبتهم... الموتى الآخرون يتركون عالمك في غفلة منك/ يمر الوقت وأنا لا أعرف في ما أفكر، أشياء مقلقة وسوداوية/ مرت الأيام من خيبة الأمل/ الأيام والناس آلات رهيبة لا تتوقف عند أحد/ ... يوم مغادرتك لرحم أمك إلى عالم بارد تنبعث منه رائحة الكحول الطبية وأنت عار، بلا أسنان، بلا اسم وأنت تبكي بشدة، ويداك تضربان الهواء كغريق بلا حيلة، بحثا عن النجاة، ليس أبدا يوما سعيدا… من حقي أن أختار يوما آخر غير هذا التاريخ الدموي/أوراق الشجر تتهاوى تباعا...). يتضح من هذه المقاطع أن استخدام الزمن لم يكن مجرّد تسلسل أحداث، بل هو آلية لنسج الذات، حيث يتقاطع الماضي والحاضر، وحيث يستدعي كل منهما الآخر في خط دائري لا مستقيم. هذا التقاطع الزمني خلق فضاءً سرديًا متشظيًا، عَكَسَ تشظي الذات (السارد/يوسف، ريحانة) في النص، وإحساسها بالقهر أمام الموت، يقول:( الموت يتلذذ بإنجازه)، والعجز من اختيارها لزمن ولادتها، وعدم قدرتها على الإفلات من قبضة المرض، بل عدم القدرة على فك شيفرة هذا الزمن الذي ينزل بثقله عليها ليزج بها في عالم الحيرة والاضطراب النفسي. هذا الانتقال بينهما أي بين الماضي والحاضر، لم يتم عبر مؤشرات زمنية صارمة، بل عبر انزلاقات ذاتية شعورية. ولعل الكاتب عثمان ناجي رام هذا التنقل بين الماضي والحاضر كوسيلة يعرّف بها القارئ على "أنا" السارد، فلا تُعْرَف هويتُها إلا من خلال التراكم الزمني لذكرياتها وتجاربها، وهذا جزء جوهري من وظيفة التخييل الذاتي. وهو ذاته ما يتيح للقارئ المشاركة في إعادة ترتيب المعنى عبر ملء الفجوات الزمنية.
-البياض الدلالي أداة للتأويل في (ذاكرة رجل مختلف)
في ضوء نظرية التلقي، تتجلى الفجوات النصية في المقاطع السردية من خلال مساحات الصمت والبياضات التي يتركها الكاتب عمدًا، لتتحول إلى مناطق مفتوحة للتأويل، وتضفي على النص عمقًا دلاليًا وشعوريًا. وهو ما تعج به رواية (مذكرات رجل مختلف)، حيث تحفز القارئ على ضرورة المشاركة في إنتاج المعنى، ليتحول القارئ من مجرد قارئ ضمني او مستهلك إلى قارئ فعلي منتج. بهذه الفجوات، يتحول النص من مجرد سرد لأحداث إلى لعبة تفاعلية بين الكاتب والقارئ، حيث يترك الكثير غير مكتمل عمدًا، مما يدفع القارئ إلى ملء البياضات وربط الخيوط، وهو جوهر نظرية التلقي. فكيف أسهمت هذه الفجوات النصية في تشكيل معنى النص عبر أبعاده النفسية والرمزية؟ وكيف ساهمت في تحفيز التخييل الذاتي لدى هذا القارئ؟.
الغموض والسرد المفتوح: قراءة في الأبعاد النفسية والرمزية
يلحظ القارئ للرواية ذاك الكم الهائل من المشاعر الذي يغلف معظم نصوص الروايةّ، مشاعر قوية جمعت بين الإحساس بالفقد، والشوق، والحنين، يقول:( لازلت لم أفهم بعد كيف انتهى تجوال الحياة بريحانة في مستشفى الامراض العقلية والنفسية/الموت هادئ كقاتل محترف/ تفطر قلبي دموع أمي/ أهو الحنين أم الحب؟/ أكملتِ العقد المشتت من مصيرك/ لا أميز جيدا بين حكايتي وحكايتك/ لا قدرة لي على تحمل المزيد/ أعرف أنه نشب مخالبه في روحها الغضة ثم كتم أنفاسها حتى لا تصرخ. إنه ينهشها بلا شفقة...)، تُلَمِّح هذه المقاطع السردية وغيرها في النص الروائي إلى الكثير من الفجوات، كفجوة الماضي الغامض للشخصيات، حيث يمتنع الكاتب عن ذكر التفاصيل، هذه الفجوة تجعل القارئ شريكًا في إعادة بناء معنى النص، إذ يبدأ في تخمين طبيعة الصدمات التي قادت شخصيةريحانة إلى مستشفى الأمراض العقلية، هل هي خيانة أم فقد لعزيز أم هو المرض؟ الشيء الذي يعزز التوتر السردي، ويجعل الشخصية محاطة بهالة من الغموض، وكذلك طبيعة العلاقات التي جمعت الشخوص في الرواية، إذ نجده لا يحدد سياق المناسبة أو تفاصيل الحياة الزوجية لِجَدَّتِه، بل يكتفي بالإشارات المقتضبة قائلا: (جدتي كانت امرة وفية.. مرة كانت تحدثني عن طفولتها، وعن زواجها، همست لي:" جدك كان سكيرا... كان مولعا بالغناء والنساء" ضحكت بخفة ثم أنهت كلامها)، كما انه وصف عيونها دون أن يرو قصتها، متى؟ ولماذا؟ يقو:(خصوصا عيناها، كان لهما بريق لا مثيل له. يفرحان ويضيئان مثل شمس نهار ربيعي.. يقلقان أو يغضبان كزخات مطر مفاجئة) فالفجوة هنا تخلق مجالاً لتخيل المواقف التي مرت بها الجدة. ذاته في معرض حديثه عن المهاجرين الأفارقة ووصفه لأحوالهم، حيث أحجم عن ذكر أسمائهم أو أوطانهم، بل نجده يضع هذا المهاجر بين مشاهد افتراضية (الطائرة، السيارة الكبيرة) دون حسم، كرمز للعبثية والهامشية، فاتحا المجال أمام القارئ للتأويل الثقافي والاجتماعي، محفزا إياه على التفاعل مع النص حتى يشارك في تحديد ملامح الشخصيات، ودوافع الفقد لديها، وتاريخ العلاقات التي تربط بينها. ثم إن السارد وهو يصف زياراته المتكررة لريحانة وكأنها إدمان، لا يصرح بدوافعه العميقة لهذه الزيارات، إذا ما كانت حبا أم مجرد إحساس بالواجب أم هي شعور بالذنب؟. بالإضافة إلى أننا نجده لا يوضح الحدود الفعلية بين ما يرويه عن نفسه وما يرويه عن ريحانة يقول: (وها أنا مقيد على الطرف الآخر من حياتك أنتِ... عليك أن تبرحي سجنك، رأفة بنفسكِ ورأفة بسجينكِ)، هذه الفجوة الزمنية والهويّاتية تربك القارئ، وتجعله يتساءل إذا ما كانت ريحانة انعكاس رمزي للسارد نفسه أم أنها شخصية مستقلة عنه؟. لا تتوقف الفجوات النصية عند هذا الحد، بل إن الكاتب وهو يقدم الأفضية المكانية بدقة حسية (رائحة المطهرات/ الجدران الرمادية/ النباتات غير المشذبة) في مقابل الصمت الداخلي للشخصيات عن البوح بمشاعرها الآنية، يترك فراغا حول ما يحدث في ذهن ريحانة أو ذهن السارد لحظة المواجهة الصامتة، يقول:( أجلس مقابلا وجه ريحانة الصامت/ امرأة تحتمي بالصمت/ أخجل من قلة حيلتي أمام دموعك التي تنزل بصمت... أنا مثلك تماما... لا أملك سوى أن أجيد فن النسيان... من برودة الذكريات)، هذه المساحة المفتوحة على البياضات بين مشاهد داخلية وأخرى خارجية، تمنح القارئ حرية إسقاط تجاربه النفسية، وقناعاته الشعورية على النص. وتبلغ هذه الفجوات ذروتها في إحالة الكاتب إلى سفر التكوين، يقول: (وروح الله ترف على وجه المياه. وقال الله: "ليكن نورا ، فكان نورا" من سفر التكوين)، والتي تتأرجح دلالتها بين الخلاص الروحي والبداية الجديدة والمفارقة الساخرة، تاركة المعنى النهائي مفتوحًا أمام القارئ. هذه الإحالة الدينية تفتح النص على مستويات رمزية متعددة. وبهذا، تتحقق فاعلية النص عبر حواره المستمر مع المتلقي، الذي يصبح شريكًا في إنتاج المعنى، لا مجرد مستهلك له.
الفجوات النصية في تصوير المكان والزمان
تتوزع الفجوات المكانية في رواية (ذاكرة رجل مختلف) على مستويات متعددة، إذ نجد من الأمكنة القريبة التي تُذكر بإشارات مقتضبة (ساحة اللعب/أماكن اللقاءات السابقة/المقهى) هذا الأخير الذي (لا يغلق أبوابه ويعمل ليلًا ونهارًا كما لو أنه ينتظر القيامة)، أو الشقة التي تحتضن طقوس القهوة والسيجارة. دون وصف شامل يحدد معالمها، ما يترك للقارئ حرية استحضار صورته الخاصة عنها. وتتسع الفجوة مع الفضاءات المفتوحة حيث تُرسم بإشارات جزئية، كـ(الشارع الطويل) الذي تملأه السيارات، و(البلد البعيد الذي يغطيه الثلج الأبيض) في حلم الهجرة، و(أعالي السماء) التي يأخذ إليها الشاب المهاجر الطائرة، فهي تُقدَّم كفضاءات عابرة بلا تفاصيل حسية واضحة. أما الأمكنة البعيدة مثل (أقصى الجنوب/ الشمال الغني / بلد فقير آخر يشبه بلده)، فهي فضاءات جغرافية غامضة تُطرح كرموز أكثر من كونها مواقع ملموسة. كذلك، تُترك أماكن عيش المهاجرين والمطعم الشعبي في الظل، إذ لا يُكشف عن بيئتها أو ملامحها إلا عبر لمحات إنسانية أو حركية، مما يحوّلها إلى فراغات دلالية قابلة لملء التخييل. هذا الغياب المكاني يترك للقارئ فرصة لتخيّل المشهد عبر طرح أسئلة كثيرة، كيف كانت الطرقات؟ كيف كان المطار؟ هل كان مزدحمًا أم صامتًا؟ هنا تتحول الفجوة المكانية إلى شعرية الانتظار، حيث يصبح ما لم يُذكر أكثر إثارة من المشهد الموصوف، متجاوزة ما يمكن اعتباره نقصا في الوصف إلى استراتيجية سردية تعمّق المعنى، وتورط القارئ إلى إعادة بناء المشهد المكاني، وربطه بسياق التجربة الإنسانية للشخصيات. أما الفجوات الزمانية، فقد اعتمد الكاتب في روايته على انزياحات متكررة في خط السرد، إذ تنتقل من لحظات آنية مكثفة إلى ومضات من الماضي أو استباقات للمستقبل مشكلة قفزات سردية، مثل الانتقال من لحظة الحاضر التأملي (تساءلت بيني وبين نفسي:هل أشتاقك؟) إلى ذكريات متفرقة عن اللقاءات السابقة، دون تحديد زمن وقوعها أو المدة الفاصلة بينها. كما نجده يوظف زمنًا ليليًا فضفاضًا، يقول: (جلسة نقاش طويلة امتدت حتى وقت متأخر من الليل) لا يُعرَف سياقه في تسلسل الأحداث، وزمنًا عابرًا محصورًا في لحظات ضوء الإشارة الحمراء، ثم قفزة إلى رحلات المهاجرين نحو الشمال الغني أو بلاد أخرى، وهي أحداث زمنية مفتوحة تمتد إلى خارج إطار الحكاية المباشرة.
يستنتج القارئ للرواية أن الارتباط بين الفجوات الزمانية والمكانية يتجلّى في أن كل فراغ مكاني في النص يرتبط بفراغ زمني موازٍ له. إذ الكثير من الأفضية المكانية التي اوردها الكاتب/ السارد ليست محددة جغرافيًا، كما أنها غير مؤطرة زمنياً، مما يجعلها عائمة في ذاكرته. وبالتالي يمكن القول أنها أزمنة وأمكنة رمزية أكثر من كونها واقعية. هذا التحالف للفجوات الزمانية والمكانية في الرواية أدى الى توليد إحساس بالتيه، يعكس حالة اللاستقرار التي يعيشها الكاتب/ السارد.
شعرية الفجوات النصية في (ذاكرة رجل مختلف)
تقوم شعرية الفجوات النصية على اعتبار المسكوت عنه، وأوجه الغموض السردي، عناصر بنائية مقصودة، تسهم في إشراك القارئ في إنتاج المعنى. هذا المفهوم يجد جذوره في نظرية جمالية التلقي عند وولفغانغ إيزر، الذي يرى أن النص الأدبي يتعمد ترك (مناطق غير مملوءة، تفرض على القارئ ملأها بخبراته وتصوراته، مما يجعل القراءة فعلًا إبداعيًا مشتركًا).
بالعودة إلى رواية (ذاكرة رجل مختلف)، نلفي تنوعا في توظيف الفجوات النصية بين فجوات المكانية-الزمانية، حيث يتزامن تغير المكان مع انقطاع في الزمن، والفجوات المرجعية حيث يترك السارد إشارات غير مكتملة (بائع السردين، العشاق عند نهر السين) دون إشباع السرد بتفاصيل عنهم. والفجوات الشعورية حيث غياب التصريح بمشاعر السارد الحقيقية تجاه رفيقه أو ريحانة، تاركا للقارئ مساحات تخمين. كل هذه الفراغات خلقت أثرا جماليا في النص خاصة على مستوى الإيقاع السردي المتقطع، هذه الانقطاعات أضفت دينامية على النص، ومنعت الرتابة، وحفزت على الترقب. كما أن الفجوات فسحت المجال لتعدد التأويلات، إذ يجد القارئ نفسه شريكًا في ملء هذه البياضات والفراغات، وبالتالي يتنوّع المعنى، وتتعدد القراءات بتنوّع القراء وتعدد خبراتهم. زيادة على أنها ساهمت في تكثيف الرمزية، ذلك أن غياب الربط المباشر بين المشاهد عزز القراءة الرمزية، وولد الإحساس بالاغتراب حيث خلقت شعورًا بالانفصال بين الأمكنة والأزمنة، مما يعكس شعور السارد نفسه بالغربة متنقلا بين عوالم متباينة.
يظهر أن رواية (ذاكرة رجل مختلف) قد نجحت في أن تحقق شعرية الفجوات بشكل ممتيز حين أحجم السادر عن الإفصاح عن دوافع الشخصيات و خلفياتها... هذا الفعل لم يكن ليهدف إلى إحداث الغموض فحسب، بل إلى إنتاج نص مفتوح التأويل، قادر على التجدّد مع كل قراءة، ومعبّر عن وعي سردي حداثي يربط بين المشهدية الحسية والبياضات المعنوية.
-خاتمة
في ضوء ما سبق من تحليل ومناقشة، يتضح أن رواية (ذاكرة رجل مختلف) للكاتب عثمان ناجي تقدم تجربة سردية مميزة تستحق الوقوف عندها من زوايا متعددة، خاصة من حيث تفاعل التخييل الذاتي مع الفجوات النصية ضمن أفق التلقي. فقد أظهرت القراءة أن التخييل الذاتي في النص لا يتجسد فقط في تقاطع السيرة الذاتية مع آليات السرد الروائي، بل يتعمق عبر توظيف الفجوات النصية بوصفها فضاءات مفتوحة للتأويل وإعادة البناء.
كشف تحليلنا لهذالنص الروائي أن الكاتب عثمان ناجي عمد إلى تفكيك خطية الزمن، وتقطيع المشهد المكاني، بحيث وضع القارئ أمام نص متعدد الطبقات، يتطلب منه جهدًا ذهنيًا لاستكمال ما هو غائب واستدعاء خبراته الخاصة لملء البياضات المقصودة. كما برزت الفجوات النصية في هذا العمل كاستراتيجية جمالية تسهم في إنتاج المعنى عبر الإيحاء والغياب، لا عبر الاكتفاء بالمباشرة والوصف، مما جعل التلقي عملية تشاركية يشارك فيها القارئ بفاعلية ليصبح شريكًا في صياغة التجربة السردية. وبذلك، فإن (ذاكرة رجل مختلف) تمثل نموذجًا سرديًا يزاوج بين البوح الذاتي والانقطاع النصي، ليعيد تشكيل العلاقة بين النص والمتلقي وفق منظور مفتوح ومتعدد القراءات.
اقتباسات من الرواية:
-في دوران الأرض حول الشمس رقص لا ينتهي
-الموت أنواع ياريحانة. لا يتنتهي الأمر بكل الموتى تحت التراب. بعضهم يسير ويتنفس.
-الموت كقاتل محترف. يتسلل بين وصفات الأطباء وقاعات الانتظار الكئيبة
-أبحث بدواخلي عن شيء ما، قد يشبه طوق النجاة
-يحل يوم الامتحان، ثم تعلن النتائج، ننجح كلانا بينما يفشل الحب
توصيات البحث المستقبلية:
تفتح هذه الدراسة آفاقًا جديدة أمام الباحثين في مجالات السرد العربي المعاصر، خصوصًا في ما يتعلق بالتقاطع بين التخييل الذاتي وشعرية الفجوات النصية. ويمكن اقتراح التوجهات التالية:
إجراء مقارنات بين حضور الفجوات النصية في نصوص التخييل الذاتي والنصوص السردية، للكشف عن أثر البعد السيري في توسيع أو تضييق فضاء البياضات النصية.
دراسة أثر الثقافة البصرية والوسائط الرقمية على وعي القارئ العربي في ملء الفجوات النصية، خاصة مع تزايد التداخل بين السرد الأدبي والسرد البصري.
تحليل العلاقة بين الفجوات النصية وبناء الهوية السردية للشخصية في روايات ذات تيمة التيه والضياع، حيث تفرض التجربة المكانية والزمانية الممزقة حضورًا مكثفًا لهذه الفجوات.
استثمار مناهج نقدية متعددة (السيميائيات، التحليل النفسي، النقد الثقافي) لفهم أعمق لدينامية الفجوات في النصوص الروائية المعاصرة.
أعتقد أن هذه الدراسة تشكل لبنة أولى في مسار بَحْثِيٍ، يمكن أن يسهم في إعادة قراءة السرد العربي من منظور يوازن بين جماليات الحضور وبلاغة الغياب.

...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي