loader
MaskImg

المقالات

مقالات ادبية واجتماعية وفنية

شعرية الماء في قصائد الشاعر أحمد مفدي

breakLine

خديجة السعيدي
شاعرة وباحثة | مغربية



إن تأمل الصور التي جسد بها الشاعر أحمد مفدي رمزية المرأة في شعره، يقود إلى ملاحظة طغيان استعارات الماء، ولا عجب في ذلك فالماء والمرأة يشتركان في كونهما مصدر الحياة، وسبب الإخصاب والنماء. لقد بدا هذا الملمح الاستعاري منذ الأبيات الأولى التي صدر بها الشاعر ديوانه، حيث إن الهوى يرتبط عند العاشقين بالماء الصافي، والسقيا، وحيث النور والوجل عبارة عن نهرين جاريين في ذات المعشوق: 
أهلُ الهوى عشقوا الرحمن فانتعلــــوا          صفوَ المحبة كي يُسقوا بما حملوا  
والعاشقون متى ذاقوا الهوى سألـــــوا          فالعشق عندهم رؤيا بما ثملــــــوا
الحب يسكنهم والنور والوجــــــــــــل          نهران لا يبغيان القول إن فعلـــوا 
حتى رأوا في جنى الأشواق ما رغبوا      لا يعلم الشوقَ إلا من به اتصلــوا.            
هكذا ترتبط المرأة عند أحمد مفدي بهذه القدرة على الإخصاب. إن نداء المرأة يستدعي عند الشاعر عناصر الماء وما يرتبط بها من خضرة، ومن قدرة على إطفاء النار/ نار الحب: 
يا سيدتي
ماء الخضرة يطفئ نارا 
إن شبت لظاها
لما داعبها 
(حاء الحب) و (محي الدين) 
يداعبها ويمد هواجسها بفتوحات الوجد يقينا..
ومن هنا ستغدو المرأة، المختزلة لذات الشاعر وموطنه، مصدرا لإِزهار القلب المسكون بالصبابة، حتى يراه العاشق زنبقة، تفوح بما تختلج به الذات من أحاسيس، وهذا ما جسده المقطع الآتي: 
يا سيدتي
أنت الذات وأنت الرؤيا والوطن
والحب معارج للوجدان، فليس يلقاه 
سوى من يهواه 
له الله
فهل أحببتِ خفاء يا سيدتي
لما أزهر فيك القلب – صبابة 
عشق!؟
فرآه العاشق زنبقة
تخفي عبق الماضي 
كان يفوح بأرجاء الذات فآواه.
وإذا ارتبطت المرأة بالإزهار، ستغدو بستان حب، محتضنا لسواقي النهر، التي ترعى القلب، وتغذي الفراشات برحيق الأزهار:   
يا سيدتي 
هل أنت 
كبستان الحب ترينَ 
سواقي النهر ومرعاه 
القلبُ وباقي الشدو قطوفُ الوجد
ورؤياه فناء
وأنت غدا تسقين فراشات الحقل 
رحيقا.
وعلينا أن نستحضر هنا رمزية هذه العناصر الطبيعية، حيث لا تعدو: الزنبقة، والنهر والقطوف، والشدو، والرحيق، وغيرها من العناصر الطبيعية التي وظفها الشاعر أحمد مفدي، أن تكون رموزا معبرة عن تشكلات الحب، و تعبيرا عن حالات الشوق إلى المقام الأسمى. إن هذا التماهي بين المرأة وبين الماء باعتباره عنصرا مخصبا ومغذيا للعناصر الأخرى، يعزيه غاستون باشلار إلى حليب الأمومة، منطلقا من البحث في اللاشعور البشري الذي يماهي بين الحليب الأمومي والماء: 
الحب البَنوي، باقتضاب، أول مبدأ فاعل لإسقاط الصور، عن قوة إسقاط الخيال، القوة التي لا تُستنفد، تستولي على الصور كلها، كي تضعها في المنظور البشري الأكثر نقاء؛ منظور الامومة. أن نحب الكون اللانهائي، يعني أن نعطي لا محدودية حب الأم معنى ماديا، معنى موضوعيا. كل سائل، قياسا إلى الخيال المادي ماء. وهذا مبدأ أساسي من مبادئ الخيال المادي كافة. في نظر الخيال كل ما يجري ماء.
إذا ما دفعنا الآن بحثنا في اللاشعور أبعد أيضا، متفحصين المشكلة من وجهة التحليل النفسي، فسوف يتوجب علينا القول: عن كل ماء حليب. وبتحديد أدق، كل مشروب سعيد حليب أمومي. الماء حليب ثمين، فالأرض تحضر في أرحامها غذاء فاترا وخصبا؛ وعلى الشواطئ تنتفخ اثداء سوف تعطي لكل المخلوقات ذرات دسمة.  
وحيث إن المرأة عند الشاعر العاشق هي النبع الذي يسقي الروح والقلب، ويغدق خيراته على سائر الموجودات، تمهيدا للحظة التوحد وبلوغ المقام الذي ينشده العاشق، فإن تماهيها مع الماء سيغدو قيمة مهيمنة، لتصبح الرؤيا فيضا، ويصبح طلب السقيا طريقا للخلاص، وتصبح العناصر المائية السبيل الذي يربط العاشق بمعشوقته، عبر إسراء متدفق يقود إلى معانقة عيني المعشوقة:     
"يا سيدتي
هل ترضينْ
أن ينأى الإسراء بعينيك
عن العشاق مساكين الله بعيدا!؟
من ذا 
من خلقه يدركهُ!؟
العشاق رأوا أن الرؤيا فيض والسُقيا مَدَدٌ!؟".
وفي ارتباط مع الماء تحضر الخمرة لتؤدي نفس وظيفة الماء، وظيفة التغذية وإخصاب الروح وبعث النشوة الخليقة بحال العشاق، الذين أدوا كل ما يلزم من الأذكار والإنشاد، لكن، لم يحالفهم الحظ – ظلما — في الاغتباق:       
والحب لجين
راقَ بخمر الذكر يقينا
لكن لم يغتبقوا
ظلماً 
من شربة ما يغدقهُ
الله على 
شعراء الوِرد إذا اجتمعوا
بفتوحات الشوق
وكانوا انتجعوا
في ليلة إنشاد الوجد (ببكة) حتى
إدراك جنى المسعى
هكذا يرتبط الماء الأنثوي عند الشاعر بالخمرة، وكان باشلار قد سجل الارتباط اللاشعوري عند الحضارات القديمة بين الماء/الحليب الأمومي، وبين الخمرة، إذ علينا ان نستحضر جدلية الكحول والحليب، النار والماء: ديونيسوس  مقابل سيبيلا ، لعلنا حينذاك ندرك أن بعض خيارات الحياة الواعية، للحياة المتحضرة تغدو مستحيلة، بدءا من اللحظة التي نعيش فيها من جديد تقويمات اللاشعور، بدءا من لحظة رجوعنا إلى قيم أولية للخيال المادي. يمكن أن نطلب كأس نبيذ أو كأس حليب، لكن في الحلم، في الأساطير الحقيقية، نطلب دوما ما نريد، إذ نعرف دوما ما نريد. نشربُ على الدوام الشيء نفسه، وما يُشرب في الحلم علامة أكيدة لتعيين الحالِم". لقد شكلت استعارات الماء في استحضار المرأة بمختلف دلالاتها الرمزية، قيمة مهيمنة عند الشاعر أحمد مفدي، ومن هنا فلن يحقق الشاعر لقاءه بمحبوبه إلا عبر حركات مائية، وإلا عبر انسيابات متدفقة، وعبر أصوات النهر الهائج، إنها رحلة مائية، تختزن كل معاني الخصوبة والنماء والخلاص. ومن هنا يقف الماء المتحرك المصوت في مقابل السكون، فلا خلاص خارج تدفقات مائية مقدسة، تحمل صفة النبوة، تنسرب من أعماق الذات مبشرة بالأحلام، حلما حلما
قالت ناسكة:
لن تلقى 
يا ولدي
بالأسفار حبيبك في وهج الأسحار 
وبين الخرس من الأملاء
لكنك في نهر إن ماج، ستلقى 
رجلا
في ظل الصخرة يصغي للموج وقد صار نبيا
ومرايا
والصوت له - عجبا - أصفى
لا تقدر أن تسأله عما ينسرب
في وادي الذات الولهى
من أشواق 
في عينيها لاحت تتشظى 
أحلاما قددا..
إن حركة الماء تستدعي عند الشاعر مفهوم الرحلة، ومثلما لا حظنا في مقطع سابق حديث الشاعر عبر الماء الأنثوي عن الإسراء الذي يجمع العاشق بالمعشوق، نجد الشاعر يستدعي السفن الماخرة عباب البحر، ومصيرها يتردد بين النجاة، وبين الغرق نتيجة الصدع والموج الذي ترتسم بارتطاماته على الصخرة مرايا وجد العاشقين
قالت لي ناسكة:
يا ولدي هذي سفني
لكن ما عاد له اليوم بها 
منزلا
بين منازل أجنحة الصدع تراه
صدى الموج 
يدمدم كالرعد بغيمته
والقوم به يبنون على الصخرة 
لون مرايا الوجد سؤالا!؟ 
ليس استحضار استعارات الماء في أشعار أحمد مفدي سوى تعبير عن تطلع الذات العاشقة لما ينتج عن الماء من إخصاب ومن تطلع لثمار الجنة ونعيمها، حيث التوحد الدائم مع الحبيب، ومن هنا تتخذ المرأة صورة الماء المخصب، في تماه بين عناصر الطبيعة ومشاعر الوجد والتوحد، ولا أدل على ذلك من هذا المقطع الذي رسم فيه الشاعر لوحة لجنته التي تقوده إليها امرأة تختزل كل العشق الصوفي، وذلك من خلال استعارات تمثيلية، ترخي فيها سيدة العشق "سنابيل العشق  الملأى بفاكهة الجنة"، وترتدي فيها الأشواق أثواب الناسكة، التي ترعى "امرأة نشوى بالمدد"، ليرسم هذا المشهد الملائكي صورة الإنزال الأسمى الذي يتوق إليه الشاعر، تزجيه طيور نشوى في سدرة المنتهى: 
يا سيدتي
أنت العاشقة الحال
ترخين سنابيل الحمد وقد 
صارت ملآى قبلا من فاكهة الجنة
والأشواق فساتين الناسكة  
ترعى امرأة نشوى بالمدد
أملائكة صلت!؟
ترقص من فرح الإنزال
بين الساقين طيور السدرة تشدو
وتحلق في أفلاك الطارق
باب العاشق.
 

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي