مقالات ادبية واجتماعية وفنية
وفاء داري / باحثة | فلسطينية
المنهج التفكيكي هو من أكثر المناهج جدلًا في النقد الأدبي. لمن يود الدخول في دهاليز المنهج التفكيكيّ والذي جاء في عصر (ما بعد الحداث)، ومعرفة أسباب الهجوم الكبير ضده منذ نشأته حتى يومنا هذا؛ اذًا تحمل قراءة هذا المقال الطويل، ودعنا نفكر ونتفكر به وحوله، ولأجل انصاف الطرح لهذا المنهج الفكري الفلسفي علينا التعرف نشأته، وحضارته، ورائدة، ومصطلحاته، وإجراءاته، والتوقف عند سلبياته وإيجابياته، وموقف الأدب العربي منه. سأحاول الوقوف على حياد حول هذا المنهج !
لا أعد، بل سأحاول…
"التفكيكية" من النظريات عصر (ما بعد الحداثة ) والتي أنتجت (التفكيكية والتأويل وعلم النص) وغيرها، بعد النظريات الحداثية (البنيوية والسيمولوجية والأسلوبية). التفكيكية أحدى المناهج النقدية الأدبية الغربية النشأة والحضارة، هي عبارة عن عملية تفكيك ترتبط أساسا بقراءة النصوص وكيفية انتاجها للمعاني التي تعتمد حتمية تفكيك النص. من الوجه المعرفيه: هي انبثقت من رحم البنيوية كنقد لها، وانصبت على مشكلات المعنى وزعزعة فكرة البنية الثابتة، لتبرهن على طبيعه التناقض المعرفي بين النصوص. والاساءات الضرورية التي تحدث بالقراءة والتي دعت العالم الغربي للتشكيك بكل ما هو ثابت. ومن هنا انتقل التشكيك الى حقل النص الأدبي متمثلا في نظرية التفكيك: حيث يؤكد التشكيك في أن للنص معنىً ثابتا، بل تؤكد على عدد لا متناهٍ من المعاني. (قد لا يصل إليها الكاتب نفسه) والتي لا تعتمد على أي مرجعيه (تاريخيه/ نفسيه/ اجتماعيه.. الخ) كما هو الحال في النظريات النقدية السابق. أي (قراءه إساءة) كل قراءه تهدم القراءة السابقة وتبني معنىً جديداً ومغايراً والمعنى الجديد قابل للتفكيك وإنتاج معنى مغاير جديد والى ما لا نهايه. والتي ترفع شعار موت الكاتب وفصل النص عن خارجه.
نشأة التفكيكية:
رولان بارت" في الستينات بدأ رولان حركه التفكيك في اثاره الأسئلة ومقارنة التصورات للكشف عن تعدد المعاني واختلافها، وهو أول من أطلق الرصاصة على المؤلف ودعا لموتة ليفتح باب لتحديث النص في كل مرة. مما يعيد للقارئ دوره في تشكيل رؤيته في قراءة النص، تميز رولان برؤية نقدية ثاقبة اذ أدت دعوته لموت المؤلف محاولة لنقل الوعي الأوروبي من التقليد الى المعرفة والبحث، وحظيت رؤيته باهتمام واسع في الوسط الأدبي والثقافي.
رائد التفكيكية:
يعد جاك دريدا ولد عام 1930 بالجزائر الفرنسية من عائلة يهودّية. يعتبر من أهم من أسس التفكيكية كمقارنه للنصوص ونقد لها.. أحد الفلاسفة المهمين في القرن العشرين؛ الذي أصبح أستاذًا في الجامعة، وذلك من خلال سياق التاريخ الفكري والثقافي والفلسفي في فرنسا في الفترة نفسها. استطاع دريدا الذي تربى في الجزائر أن يتطور من الفلسفة الفينومينولوجية في بداية حياته، مرورًا بالنزعة الإنسانية واللإنسانية والبنيوية وما بعد البنيوية، حتى وصل إلى التفكيكية التي انتهى إليها. كانت له نقاشاتُه مع نيتشه وهيدغر وهم من اعتمدوا أن لا مرجعيه للكون. واللذين كان لهما أكبر الأثر عليه. يعد دريدا أول من استخدم مفهوم التفكيك بمعناه الجديد في الفلسفة، حيث اعتمد على تفجير البعد الفلسفي لأنواع الخطاب وهو ما جعله من أهم الفلاسفة في القرن العشرين، كان يُتهم بالمبالغة في التحليل وأحياناً كان يُوصف بالظلامية والعبثية وتعمد الغموض. اعتمد دريدا: على تفجير البعد الفلسفي ما يجعل النقد لديه في النص الأدبي مرتبطا بمفهومه العام. النص الأدبي متكون من سلسله متواصله من الدلالات. وتعتبر مدرسته واحدة من أهم المدارس عند بعض النقاد والباحثين، اشتهر في السنوات العشر الاخيرة من حياته شهرة عالمية؛ فله وزنه في الوسط العلمي والفلسفي الاوروبي.. والذي عرف بتعدد جوانبه وخصب اهتماماته. ان الفيلسوف جاك دريدا يبدو وكأنه فيلسوف من نوع خاص، فهو مغاير في لغته، تحكمه الدقة المتناهية في فهم المصطلحات والوعي بالمفاهيم، وهو يهيم بمنهج اسماه بالتفكيك الذي يشبه الى حد كبير البعثرة ومحاولة اعادة التركيب من جديد. ويرى العديد من دارسيه انه يجد لذته بنسف الوحدة التي تجمع الأدب والفلسفة والسياسة، لقد شبه الحالة بما يحكيه مجنون من لغة متمردة يؤسسها ليقوض عالم اخر بكل عماراته التي تأسست على مركزية "العقل" في كافة ميادين الكتابة.. لقد نُعت جاك دريدا منذ سنوات خلت بشتى التهم الخطيرة التي تجعله على هامش الاخلاق ويسعده ذلك جدا لأنه يفهم بأن منهجه هو الوحيد الذي يفكك، ولكن مناهج غيره لا يمكنها ان تفككه هو ذاته!كان مؤلفه: "علم الكتابة" انطلاقة مهمتها إزاحة الطبقات المتراكمة الواحدة بعد الاخرى دون توقف، ودون وضع حد لعملية التفكيك لكثافة ما يعلق بالنص من ترسبات لأرض بكر. فدريدا لا يثبت معنى إلا لينقضه، ولا يهتدي الى مركز او مسار إلا ليحوله من مكانه وليحيد به عن خطه وينقله من قطبه، في عملية لا تني عن الانحراف، وتبعيد الشيء عن ذاته وتشظيته حتى تضيع هويته خلف تراكمات من التحولات والتحويلات لانهاية لها، بحيث تصبح غاية دريدا المسماة منهجية "قوة تخريبية" لا تلمس شيئاً إلا لتنسف مسلماته وتفجره شظايا. من هنا تنبع صعوبة تتبع فكر دريدا وتنظيم محاوره في وحدة جامعة. ألّف أكثر من 40 كتابًا. وأهمها: "في علم الكتابة"، و"الكتابة والاختلاف"، و "الكلام والظواهر"، و"هوامش".
ما هي التفكيكية؟
هي من المذاهب النقدية المعاصرة وهدفها التشكيك في أن يكون للنص الأدبي معنى ثابت. فقد حاول دريدا أن يبرهن أن هناك عناصر كافية في النص الأدبي تمنع تمركزه أو استقراره حول معنى محدد، وبذلك يكون قد تحدى البنيوية المعهودة. أي هي عملية تفكيك ترتبط أساساً بقراءة النصوص وتأمل كيفية إنتاجها للمعاني وما تحمله من تناقض، فهي تعتمد على تفكيك حتمية معنى النص، وتخرب كل شيئ في التقاليد، وتشكك في الأفكار الموروثة عن العلاقة، اللغة، النص، السياق، المؤلف، القارئ، ودور التاريخ وعملية التفسير وأشكال الكتابة التقليدية.
ترى التفكيكية واتباعها أن الأنطولوجيا الغربية بدأت مع أفلاطون وظلت أفلاطونية حتى النخا، وجوهر المنظومة الأفلاطونية هو الإيمان بوجود عالم المُثُل (عالم الحق المطلق والمُثُل الثابتة، وهو عالم كلي متجاوز لعالمنا له هدف وغاية) من جهة، ومن جهة أخرى عالم المادة والتغير الذي يحجب عالم المُثُل، أي أن ثمة ثنائية أساسية في المنظومة الأفلاطونية تُعبِّر عن نفسها في ثنائية الدال (المحسوس) والمدلول (المتجاوز) وانفصال الواحد عن الآخر.
أي أن المعنى الذي نصل إليه يستند إلى ميتافيزيقا التجاوز، فثمة علاقة وثيقة حتمية بين ما يُسمَّى (الحقيقة) وبين ما يُسمَّى (الميتافيزيقا). ويُلاحَظ أن الحواس والعقل واللغة، كلها مجرد آليات للوصول إلى الهدف النهائي، أي المعنى الكلي الثابت المتجاوز ذي الغرض وهو الحقيقة، ولذا فهذه الآليات تُعتبَر ثانوية بالنسبة للأصل وتأتي بعده في الدرجة .
ويكاد مصطلح "ما بعد الحداثة" يترادف مع مصطلح "التفكيكية". وللتمييز بينهما، يمكن القول بأن "ما بعد الحداثة" هي الرؤية الفلسفية العامة، أما "التفكيكية" فهي بالمعنى العام أحد ملامح وأهداف هذه الفلسفة. فهي تقوم بتفكيك الإنسان، كما أنها منهج لقراءة النصوص يستند إلى هذه الفلسفة. ويجب ملاحظة أن اصطلاح (ما بعد الحداثة) يكتسب أبعاداً مختلفة بانتقاله من مجال إلى مجال آخر، فمعنى ما بعد الحداثة في عالم الهندسة المعمارية يختلف من بعض الوجوه عن معناه في مجال النقد الأدبي أو العلوم الاجتماعية.
مصطلحات التفكيكة:
الميتافيزيقيا: ما وراء الطبيعة وهو فرع من فروع الفلسفة يَدرس جوهر الأشياء.
الموتيفات: عباره لغويه تعني حدث قصصي او صورة نمطيه في النص أو العمل الأدبي أو رمز على وضع معين.
الدائرة الهيرومنطقيه: الهير ومنطقيه تعني: علم التأويل أو التفسير مدرسه فلسفيه تشير لتطور علم فهم النصوص.
أما الدائرة الهير ومنطقيه: مفادها ن النقاد لا يصلون الى البصيرة النقدية الا هناك نوع من العمى النقدي وهو منهج مخالف للاستبصار والتي تحدث من فعل التفسير للنص.
الكوجيو الديكارتي: هو المبدأ الذي انطلق منها العالم (ديكارت) لإثبات الحقائق بالبرهان وترجمتها (انا أفكر إذا انا موجود).
التفكيكية:/ قراءات دريدا
تشكل استكشافا لمركزيه الكلمة الغربية وميتافيزيقيا الحضور والتي يمكّن النصوص من أن تؤكدها أو تزعزعها. ويمكن القول ان الميتافيزيقيا وراء تفكيرنا وتؤدي لمفارقات تتحدى تماسكها الفكري. وحسب رأي دريدا: من الممكن للمرء باستمرار أن يستغل الإمكانية الاستراتيجية أو البلاغية، وحتى لا بقع في فخ تخيل وجود أفكار هرمي متناسق تحتل فيه الكتابة مكانه متميزة كما فعلت البنيوية الذين يصرون على ان النص الادبي بنية متراصة ومتكاملة دون الاعتماد على عنصر خارجي، أوجد دريدا أفكارا جوهرية من المقولات والمصطلحات في التفكيك.
المقولات المركزية للتفكيكية
القراءة المزدوجة: التفكيكية تأخذ على عاتقها قراءة مزدوجة، تقوم عليها أفكار النص المحلل وتضعها موضع تساؤل، فهي تصف الطرق التي تضع بواسطتها المقولات التي تقوم عليها أفكار النص المحلل لتضعها موضع الشك والتساؤل.
أوجد دريدا بناء على ما يقوله (نورث)طريقة نموذجية بتحديد منهجية فعالية التفكيك وتعتمد على مقاومتها لاي نوع من المعاني المستقرة، فلجأ الى حصن من الاصطلاحات ومن أهمها:
الاختلاف/ الإرجاء (DEFERENCE)
يرى دريدا أن فكرة الاختلاف والارجاء أساسية في تصور التفكيكية فاللغة تعتمد على الاختلاف كما يرى سوير أيضا: (تحمل معنى المكان والزمان) وهو: مفهوم فلسفي ارتكزت عليه التفكيكية الذي مصدره هدغر عن الكينونية (ثنائيه المعرفة: وهي تتغير بتغير عوامل الزمن) و(الذات العارفة: وهي تتطور بمرور الزمن) وتسمى أيضا ب (ثنائيه الحضور والغياب) وهي قائمه على الاختلاف وان الدوال تحمل معاني متعددة في النص لذلك تكون عمليه الفهم قابله للاختلاف دائما ومن هنا جاءت فكرة المعنى غير ثابت بإرجاء لحين ظهور معنى جديد.
(الانتشار والتشتت والتشظي)
أي تناثر المعنى والكلمة يستخدمها دريدا في مقام كلمة دلالة وهي من فعل “DISSEMINATE” بمعنى: يبث أو ينثر، وهو انتشار المعنى الادبي في النص باشكال مختلفه. وهنا تكمن فرصه اللعب الحر وهو لعب لا يرتبط بقواعد تحدُّ من حريته، وهي تشير لعدم ثبات النص أي انها ب (حركه مستمرة)، وألف دريدا كتاب الانتشار' حول هذا الموضوع.
وحسب رأى دريدا أنّ النص فيه من احتمالات لا متناهية ومن لعبة المعاني التي تضيع عبر مصادر النص أو ما اصطلح على تسميته: بالتناصية: وهي قراءه النص ويتداعى في ذهن القارئ نص اخر مما يتيح للنص الانفتاح على دلالات ومعاني جديدة. الأثر: وهو استبدال لفظ العلامه بلفظ الأثر يوحي بامكانيه المحو والازاله. نقد المركزيه: رفض أي مرجع للنص الادبي ورفض كل المدارس العقليه التي تتركز عليها أي نقد وتحليل سواء (تاريخي / اجتماعي/نفسي وغيره) وهكذا: وتستمر عمليه الحضور والغياب والأثر وإنتاج عدد لا متناهي من المعاني الجديدة.
إجراءات النص التفكيكية:
البحث عن المسكوت عنه ورفع المهمش لمرتبة المركزيه مؤقتاً. والبحث عن المتناقضات في النص. من خلال المتناقضات في النص الادبي يكون (معول هدمه) لوجود نقص يعيبه لذا يلزم هدمه والاتيان بمعنى جديد من خلال المسكوت عنه في النص. والوقوف على كل هامش حتى يبنى من خلاله معنى جديد. واظهار أن استخدام اللغة في نص أدبي غير ثابت ومعقد، غير قابل للتبسيط، وغير مستقر، وقابل للتفكيك. ويبقى" المعنى"هو صلب التفكير الفلسفي حين التفت كوكبه من المفكرين والفلاسفه الى نقيض المعنى الثابت لفهم أسرار وأبعاد المعاني في النص الأدبي أمثال (نيتشه وهيدغر وفرويد وماركس وغيرهم) ليرتقي هذا التوافق الفكري الى درجه التنظير والكتابة والتفكيك مع دريدا. أفكار دريدا لقيت قبول وتنمية فكرية ونقدية وبلاغية لدى كوكبة من النقاد الامريكيين مثل (بلوم) و" بول دي مان" الذي كتب كتابين مهمين متأثرا بدريدا ونظريته وهما: (امثولات القراءة) و (العمى والبصير) لكنه أوجد مصطلحاته الخاصة ،وأنّ كثيرا من النقاد اكتشفوا معاني متعددة الأوجه في القصيدة. يعني حركة نقض ترابط البناء وبحسب دريدا التفكيك حركة بنيانية وضد بنيانية في الآن نفسه، فنحن نفك بناء أو حادثاً مصطنعاً لنبرز بنيانه وأضلاعه وهيكله، ولكن نفك في آن معاً البنية التي لا تفسر شيئاً فهي ليست مركزاً ولا مبدأً ولا قوة، فالتفكيك هو طريقة حصر أو تحليل يذهب أبعد من القرار النقدي. بكلماتٍ أخرى التفكيكية تعنى في الأساس بهدم المركز المرجعي لمعنى النص، ويسمونه اللوغوس، أي المرجعية في علاقة الدال بالمدلول، وبالتالي فإن كل قراءة للنص هي قراءة ناقصة تتطلب قراءة جديدة إلى ما لا نهاية له من القراءات والتفسيرات، فالمعنى الكامل لن يمكن الوصول إليه إطلاقاً، وبتجدد القراءات يتحقق الإبداع الحقيقي،وتقوم التفكيكية على مبادئ الاختلاف، وعلم الكتابة والتمركز حول العقل وموت المؤلف.
النظرية التفكيكية وانعكاسها على الكتاب العرب:
هناك وجهتا نظر الأولى: وجد هذا التيار أنصارا له في الفكر العربي يمارسونه في الفكر الفلسفي والأدبي هدفها زعزعة المفاهيم الجامدة لملاءمتها للتحولات في الفكر العربي الحديث.
أما وجهة النظر الأخرى تقول: لم يوجد ناقدا عربيّا يمكن أن يقارن أو يقارب بكل من جاك دريدا ورولان بارث بالثقافة الفرنسية والغربية بشكل عام، سوى الدكتور عبدالله الغذامي، بدقة تحليلاته وسعة اطلاعه وأصالة ثقافته وروعة كتاباته ودقة تشخيصاته وغزارة علمه، من طروحات نقدية وفكرية وفلسفية. بين الفكرين العربي والغربي في النقد والذي يعني فيما يعني، ليس فقط نقد النص، بل مفهوم فلسفة النص، حيث التقى هؤلاء النقاد الثلاثة في رؤية واحدة تقوم على إقصاء المؤلف، ومن أهم هؤلاء المفكرين: النقاد السعودي (عبد الله الجذامي) حيث يعد من رواد التجربة النقدية التفكيكية في العالم العربي، وهناك أيضا الناقد المصري (مصطفى ناصف) والناقد اللبناني (علي حرب). فيرى اتباع التفكيكية فيما تتلخص مبادئها في محورية القارئ، فأهمية العمل الأدبي تكون بالقراءة فقط. النص الأدبي نص مفتوح، وبهذا المعنى أعادت لذلك العمل جماليات التلقي للقارئ الذي سلبته إياه الكلاسيكية، فجعلته منتجاً للنص . فالنص لا قيمة له ما دام حروفاً على الورق حتى يعطيه القارئ الحياة، ولهذا جعلت جماليات التلقي القارئ قوةً مسيطرةً تمنح النص الحياة، وتعيد إبداعه وتصبح القراءة عمليةً إنتاجية.
الوقوف عند إيجابيات التفكيكية:
النقاد الفلاسفة الثلاثة جاك دريدا ورولان بارث بالثقافة الفرنسية والغربي بشكل عام، والدكتور عبدالله الغذامي بالثقافة العربية بشكل خاص في نقد النص ومفهوم فلسفة النص، حيث التقى هؤلاء النقاد الثلاثة في رؤية واحدة تقوم على إقصاء المؤلف، حيث نظّرت طروحاتُهم من خلال هذه الفلسفة أو هذا المفهوم إلى معالجة للنص من زاوية إقصاء المؤلف، نعرف أنّ مفهوم إقصاء المؤلف قد ارتبط بمدارس النقد التي جاءت ما بعد الحداثة، حيث ركز النقاد الثلاثة الكبار على مفهوم واحد هو الاحتكام إلى النص دون صاحبه، ومن هنا جاءت فلسفة جاك دريدا بإقصاء المؤلف، يعني فيما يعني فكَّ الارتباطِ بين لغويّة المفرداتِ وكلِّ ما يؤّولُ خارجَها. من جهة أخرى نرى أن رولان بارث قد أفرد مقالا مشهورا حول موت المؤلف وليس فقط إقصائه كما فعل دريدا أو الغذاميّ، حيث شكّل مقال رولان بارث هذا منعطفا تأريخيا في مسيرة النقد الحديث، ليعلن بشكل رسمي عن موت المؤلف، هذا المؤلف الذي أرسله عبدالله الغذاميّ بدوره إلى المتحف بإطلاقه رصاصة الرحمة عبر فلسفة النقد الثقافي، والتي نقلت النقد العالمي من عصر إلى عصر آخر، بما جاءت به من مفاهيم جريئة ومتجددة تواكب روح العصر وإيقاعاته وتطوراته السريعة، وتستجيب إلى تطلعاته، وفي هذا الكتاب الذي أنا بدأت بتأليفه، وقفتُ على تجارب هؤلاء النقاد الثلاثة الكبار، كان لا بد من تحليل أهم كتبهم والتي كانت تجارب عميقة في هذه الفلسفة، مثل كتاب رولان بارث درس السيميولوجيا، وكتابا الدكتور عبدالله الغذامي الخطيئة والتكفير، وثقافة الأسئلة، وأخيراً كتابا جاك دريدا في علم الكتابة والكتابة والاختلاف. الناقد في حالة من التفاعل المستمر مع النصوص، إذ يمتزج لديه الإبداع بالقلق النقدي والرغبة الدائمة في تحسين ما كتبه، فالناقد، بوصفه مبدعاً، لا يرى النصوص كنتاج نهائي مكتمل، بل كمشروع مستمر للنقد والتجديد، فالاقتناع بالكمال في النقد يُعد أحد أكبر التحديات التي تواجه النقاد، إذ إنَّ الركون إلى نتائج التحليل والرضا الكامل عن النص يعوق النمو الإبداعي ويحد من قدرة الكاتب على التطور، وهنا التقى كل من الغذامي وجاك دريدا بأنهما كلمّا توصلا إلى معنى يسارعان إلى نقضه ولا يثبتان على معنى بعينه، ولا يقفان أو يصلان إلى مركز أو مسار إلا ليبعداه عن مكانه وينأيان به بعيدا عن خطه ويحوّلانه من دائرة إلى أخرى، وكأنّهما في انهماك دائم عن النأي عن معنى ما، وترك الأشياء بعيدة عن ذواتها متشظية بلا هوية حتى تتحوّل تدريجيا إلى تراكمات من التحولات ولا حدود نهائية،لذلك وجد مناصرين كثيرين لهذا المنهج من الأدباء والمفكرين والكتاب.
...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي