مقالات ادبية واجتماعية وفنية
للرِوائي عبد الرِّضا صَالح محمَّد
د. جبَّار ماجد البهادلي / كاتب عراقي
مِهادٌ تَقديمي
القارئ النابه لرواية (ثلاثيةُ اللَّوحةِ الفارغةِ *), سيلحظُ أنَّها تجمع في فضائها البنيوي التركيبي بين الهمِّ الواقعي الاعتباري اليومي المألوف لحياة الناس, والمخيال الأسطوري السردي الذي يُضفي على العناصر الأساسية الأربعة بُعداً جمالياً مقبولاً. والعمل السردي الذي يُوحد فيه السارد (المؤْلِف) بين واقعية الحال وَمِخيالِيةِ الحدث السَّردي يُعدُّ عملاً فنيَّاً ناضجاً ومُستحباً عند المتلقِّي.
والمتتبع لأحداث الرواية بعين نقديةٍ ثالثةٍ, سيقرأُ بوعيٍ أنَّ ثيمة الروايةَ وفلسفتها الأساسيَّة بُنيتْ على هرم جدلية ثنائية(الحياة والموت). بمعنى المأثور الوجودي(أكون أو لا أكون), أي وفق جدلية الحضور والغياب. وهذا ما تُدلِّلُ عليه وتكشفه حدثياً وفعلياً شخصيات الرواية الأوليَّة والثانويَّة.
تبدأ أحداث الرواية في مُستهل مطلعها التصديري بشكل رتيبٍ عادٍ, وبإيقاع رتمي أسلوبي بسيط خالٍ من الهجس المضيء اللَّافت لنظر القارئ الواعي, إلَّا أنَّ تنامي الحدث السردي واشتداد حرارته التفاعلية بالصعود هرمياً والتأثير المباشر بنفس المتلقِّي الناقد لأحداثها, ابتداءً من الصفحة (39) تحديداً وفيما بعدَ. أي أنَّ الأحداث الحقيقية الشائقة لروح النصِّ الروائي تبدأ من هذا التصعيد الرقمي الواثب لزمكانية أحدث الرواية, حتَّى تصل حِبكةُ الحِكايةِ الفكرية إلى قمة ذروتها الحدثية.
لم يخرج الكاتب عبد الرضا صالح عن أسس وآليات عناصر الفنِّ الروائي المعروفة الأربعة, وأعني,(الأحداث, والشخصيات, وعنصري الزمان والمكان), بل كان الكاتب حريصاً جداً على أنْ تكون الفعليات الحدثية, والفواعل الحادثية, ووحدتا الزمان والمكان المحدَّدتان بزمان ومكان ما معينين موزَّعةً توزيعاً فنيَّاً وجمالياً مناسباً لواقعة الحدث الموضوعية والوحدة العضوية للرواية. فضلاً عن جماليات الأسلوب السياقي الذي سار عليه الكاتب في خطابه السَّردي الذي كُتبتْ به الرواية باقتصادٍ لغوي واعٍ لفكرة الحكاية دون ترهل يُقلِّل من قيمة البناء اللُّغوي لأحداث الرواية.
وهناك من لا يُفرقُ بين النسق الثقافي والنقد الثقافي, فالنسقُ يُعرَّفُ بأنَّه هو النظام أو السستم أو السياق الذي ينتهجه الكاتب أسلوبياً في نتاجه الفكري الإبداعي. في حين أنَّ النقد الثقافي في أقرب تعريف له, هو أحد حقول علم اللغة أو فقه اللُّغة, أو ما يسمَّى باللَّسانيات النقدية اللُّغوية الحديثة. والحقيقية أنَّ النقد الثقافي ليس حلاًّ ناجعاً أو بديلاً عن أزمة النقد الأدبي, بل هو يعدُّ إضافةً نوعيةً فريدةً,واستئناساً تعضيدياً متمِّماً وسانداً لكلِّ منجزاته القديمة والحديثة على مستوى نوعية الخطاب.
والأنساق الثقافية تؤكِّد على الإنتاج الفكري من خلال تفكيك شفراته الموضوعية ومرموزاته اللغوية النصيَّة, وسواءٌ أكان هذا النصُّ الأدبي شعراً أمْ نثراً؟ أي كان خطاباً روائياً أو قصصياً أو غير ذلك من النتاجات الفكرية الإبداعية الإنسانية لمعرفة أنساقه الظاهرة الجلية والمضمرة الخفية.
وثمَّةَ أيضاً من لا يُفرِّق بين مفهوم النسق الثقافي الذي يعني النظام السياقي, ومفهوم المؤسساتية المرتبطة بقوانين وضعية تنظم الحياة والسياسية والاقتصادية والثقافية والشرعية تكون إلزامية بها. وبعد هذا المهاد التقديمي لعناصر الرواية ومفهوم النسقية الثقافية نخلص بإيجاز إلى ذكر الأنساق الثقافية سواء أكانت الظاهرة منها أمْ المضمرة الخفية التي تضمَّنتها أحداث رواية (ثلاثية اللَّوحة الفارغة), وبالشكل الهرمي الذي يبدأ من القاعدة الأكثر اتساعاً واهتماماً ورسوخاً إلى الأقل منها:
1- النسق العنواني لعتبة النص الروائي (ثُلاثيةُ اللَّوحةِ الفارغةِ), بوابة النصّ الخارجية ومفتاح بابه الرئيس. والذي يمثلُ نسقاً لغوياً انزياحياً انحرافياً فنِّيَّاً جمالياً موازياً للنصِّ الروائي الذي هو (متنُ الرِّوايةِ). وقد مزج فيه الكاتب السارد بين لغة السرد التشكيلي, والتشكيل الفنِّي السردي. ((وَتفرَّغتُ لِكتابةِ رِوايتِي الرَّابعةِ, بَاشرتُ بِكتابتِهَا تَحتَ عُنوانِ (ثُلاثيةُ اللَّوحةِ الفَارغةِ) الَّتي أَتحدَثُ بِهَا عَنْ سِيرتِي الذَّاتيةِ. بَدأتُهَا بِإِهداءٍ إلى زَينبَ, وِفِي نَفسِ الوَقتِ بَدأتُ بِرسمِ لَوحَةٍ زِيتيةٍ؛ لِتكُونَ غِلَافَاً لِلروايَةَ سَمَّيتُا بِاسمِ زَينبَ.)) (1)- ثلاثية اللَّوحة الفارغة, ص 269, 270) .
فهذا التمايز الأسلوبي اللُّوني هو ما تكشف شفراته وتفكِّكه بوضوحٍ تامٍ الوجوه الثلاثة لشخصيات الرواية (الرئيسة والثانوية أو الفرعية). والتي تمثَّل نسق الحياة المستديم لأبعاد اللّوحة الثالثة من وجوه النسوة الثلاثة التي أحبَّها(مُختار) بطل الرواية الرئيس وبُعدُ اللَّوحةِ الرابع المُغيَّبِ. قائلاً :((ثَلاثةُ وُجوهٍ مُتشابهةٍ, كأنَّها خُلِقَتْ مِنْ طِينةٍ وَاحدةٍ,...هُنَّ وَجهٌ وَاحدٌ تَكرَّرَ فِي مَراحلٍ شَتَّى مِن مَراحلِ الزَّمنِ(مَريمُ, دِيدكا, زَينبُ), ثلاثةُ أبعَادٍ لِلَوحَةٍ وَاحدةٍ.))(2)- ثلاثية اللوحة, ص 76). وقد تجسَّدت هذه الوجوه الثَّلاثة التي تُشكِّل موضوعات الرواية الحيّة بثلاثة أنساق سردية مختلفة هي:
أ- الوجهُ الأوَّلُ, نسقُ الطفولة الصادقة والبراءة والعفوية الذي تَمثَّلَ بشخصية الفتاة (مريم), الحبُّ الأوَّل لمختار بطل الرواية الرمز, والذي انتهى بزواج مريم من ابن عمِّها, وبالنتيجة ابتعاد مختار عنها وحرمانه منها, الأمر الذي وَلَّدَ له ردةَ فعلِ كبيرةٍ في البحث عن وجوهٍ بديلةٍ أخرى عن مريم. ((كَانَ حُبُّهَ لِلوجهِ الأوَّل(مَريمَ),حُبَّاً بَريئاً طَاهرَاً, حُبَّ الطفولةِ,لا يَعتمدُ الجَنسَ وَالرَّغبَةَ الجَسديَّةَ, يَسودُهُ الخَوفُ مِنَ المَجهُولِ, قَويَّاً وَغَيرَ اِعتياديِ نُبوغَ المُراهَقَةِ فِيهِ.)) (3)- ثُلاثيةُ اللَّوحةِ, ص39).
ب- الوجه الثاني, نسق الشباب واللَّهو والعبث والتعويض المبني في دوافعه على غريزة الرغبة الجنسية والاندفاع الجسدي الآيروتيكي تعويضاً عن علاقة البراءة المفقودة في وجه الحبِّ الأول. وقد تمثَّلت صورة هذا الوجه الثاني بشخصية(ديدكا), الفتاة الشقراء ذات الأصول الروسية التي التقاها البطل مختار في إحدى سفراته السياحية والفنيَّة لأروبا المتكرِّرة خارج بلده الأُمِّ العراق.
((أمَّا عَلاقتَهُ(بِدِيدكَا)-الوَجهُ الثَّانِي-فَإنَّها تَعويضٌ عَنْ العَلاقةِ الأُولَى. وَمَا اِفتقدَهُ فِيهَا,أَو بِالأَحرَى مَا لَمْ يُمارسهُ مَعَ مَريمَ, حبٌّ مَبنيٌّ عَلَى الرَّغبَةِ الجَسديَّةِ بِدافعٍ جِنسيٍ بَحتٍ, غَيرُ مَلتزمٍ وَغيرُ مَسؤولٍ, قَضاءٌ لِلوقتِ, وإِشباعٌ لِلرغبَةِ, نِسيانٌ لِلمعاناةِ النَفسيةِ الَّتِي تَفَاقَمَتْ عِندَهُ.)) (4)- ثُلاثيةُ اللَوحةِ, ص39). وبذلك ضاع البعد الثاني للَّوحة كما ضاع البعد الأول؛ بسبب ظروف مختار القاسية.
ج- الوجه الثالث, هو نسق النضوج الفكري والفنِّي والعقلي والجسدي المبني على خيارات التفاهم والتوافق النفسي, والتكافؤ الاجتماعي والثقافي الإبداعي والجمالي. وقد تمثَّلت أُسُ مزايا هذا الوجه الصادق بوجه المرأة الثالث(زينب) الشخصية البطولية الثانية من أركان الرواية وشخصياتها المهمَّة.والتي تزوَّجت بمختار البطل وأتمَّتْ فصول وأحداث روايته المخطوطة التي تركها ناقصةً.
وقد عبَّرت زينب عن هذا الحبِّ بتفاخرٍ وزهوٍ قائلةً: (( أمَّا حُبُّهُ لِي أَنَا -الوَجهُ الثَّالثُ- فَقدْ نَمَا وَكَبُرَ فِي مَرحلةِ النُّضوجِ الفِكرِي وَالعَقلِي وَالجَسدِي, حبٌّ مُتأنٍ وَاعٍ, مِبنيٌّ عَلَى التَّفاهُمِ وَالتكافُؤ الاِجتماعِي. إذنْ أَنَا كُنتُ اِختيارَهُ الأوَّلَ فِي ِسياقِ السُلم التَّسلسلِي فِي الحُبِّ, وَكانَ إِحساسِي يَفوقُ ذَلكَ التَّحليلَ وَالاكتشافَ, وَيُؤكِدُ مَدَى ارتباطِي وَتَعلُّقِي بِهِ.))(5)- ثُلاثيةُ اللَّوحة, ص 41, 42).
هذه هي الوجوه الثلاثة التي تمثِّل الأبعاد الثلاثة لوجوه اللَّوحة الفارغة التي وصفتها زينب, وجهُ اللوحة الحقيقي الثالث.أمَّا علاقة مختار بالمرأة المُتصابية النسق الطارئ للعلاقة, فتقول عنها:((أمَّا تِلكَ المَرأةُ المُتصابِيَةُ شَقيقةُ أَحدِ القِياديينَ فِي أَجهزةِ الدَّولةِ, وَزوجةُ مُديرِ السِّجنِ الَّذي كَانَ مُختارُ مُعتقلاً فٍيهِ,فَهيَ الأُخرَى عَلاقةٌ جَبريَّةٌ, اِتقاءَ شَرِّهَا وَمَا يَتَرتَبُ عَليهِ بَعدَ ذَلكَ.))(6)- ص39).
2- أمَّا النسق الثاني, فهو نسق الفراغ المضمر, وهو البعد الرابع المفقود من وجوه (ثلاثية اللوحة الفارغة), والمتمثِّل هذا الوجه الفنِّي بشخصية الرواية الرِّوائي المُّثقف(مُختار) الذي غيَّبه الموت المفاجئ بعد أسبوعٍ من زواجه بزينب؛ بسبب الإرهاب الذي ضرب البلد بعد تغيُّر نظام الحكم. وتذكر زينب هذا الوجه البطولي الحيُّ الميِّتُ في باب المفاضلة بين الوجوه الثلاثة التي أحبَّها بحياته مُتسائلة,((تُرَى مَا الوَجهُ الَّذي أحبَّهُ مُختارٌ أكثرَ وَبِصدقٍ؟ ))(7)- ثلاثية اللَّوحةِ الفارغةِ, ص 39).
3- نسقُ عتبات التصدير القولي الذي صدَّرها الكاتب عبد الرِّضا صالح في عتبة أو مُفتتح كلِّ عنوان من فصول الرواية السبعة. وكانت غاية الكاتب من تلك التناصات القولية المتفرِّدة لكُتَّابٍ كُبارٍ عالميين, هو تعضيد وتأكيد الوحدات الحكائية الموضوعية لتلك الفصول السبعة بما يناسب فكرة الحكاية.لا أدلُّ على ذلك النسق ما جاء بمقدمة الفصل الأول للشاعر الإيطالي دانتي اليغييري التي يقول فيها:((لَيسَ ثَمّةَ أَلمٌ أَعظمُ مِنْ تَذكُّرِ الأوقاتِ السَّعيدةِ, وَسَطَ الشَّقاءِ وَالبؤسِ.))(8),ص5).
4- نسق تنامي الوعي السردي الذاتي, والذي حرص فيه الكاتب بعد نهاية أحداث هذه الرواية أن يكون تتمة موضوعية لأحداث الرواية بطريقةٍ لم تشعر معها بزيادة أو ترهل يثقل كاهل الرواية, وكأنَّ الكاتب يتواصل مع حكاية روايته الرئيسة بأفكار جديدة تبحث حكاياتٍ جُدَدَاً يُتمِّمُ بها تَسريدَه. لعلَّ هذ الأسلوب السردي الجديد للكاتب يُعدُّ تقنيةً جديدةً تُضافُ لتقنياته في الاستباق والاسترجاع. وقد تجسد نسق التنامي الجديد على السرد بتقنية الاسترجاع والتواصل مع أحداث الرواية الأولى التي تقول :((تَفَرَّقَ الجَميعُ وَبَقينَا وَحدَنَا َأنَا وَمَختارُ. مَا زِلتُ بإكليلِ العُرسِ, وَهوَ وَاقفٌ كَالشَّجرَةِ البَاسقةِ بِحذائهِ الأَبيضِ, وكَذا...وَقَالَ وَهوَ مُبتَسِمٌ:...مَا هَذَا؟ قَمرٌ بِليلةِ تَمَامِهِ!))(9)- ثُلاثيةُ,ص285).
5-أمَّا النسق الثقافي الخامس, فهو النسق الفنِّي التشكيلي الإبداعي لفلسفة الرواية, وهو يمثِّل النسق السردي المضمر للذات الأنوية التي ترمز لشخصية المؤلِّف أو الكاتب عبد الرِّضا صالح محمَّد. ((اِنتهتْ زَينبُ مِنْ رُؤيةِ اللَّوحِاتِ كَافةً عَنْ كَثبٍ كَانتْ جَميعُ اللَّوحاتِ مَرسومَةً بِأُسلوبِ وَاقعيِ, إلّا لَوحةَ زَينبَ, فَإنِّي رَسمتُهَا بِأُسلوبٍ رَمزي, تَركتُها تُطيلُ النَّظرَ إِليهَا وَتَكتشفَ مَعانيهَا...)) (10) - ثلاثية اللَّوحة الفارغةِ, ص 282 ).
6- النسق السردي الظاهر المتجلِّي لأحداث الرواية والمتمثِّلة ببنيته تمَظهُرات ألوان الفقر والعوز والحرمان والمعاناة التي عانى منها بطل الرواية ذاته, والشخصيات القريبة منه في الحياة. فضلاً عن الوجه الإيجابي منه المتمثِّل بالاستقرار والعيش الرغيد للوجه الآخر الضدِّ في الحياة المُعاشة. فَيسرِدُ البطلُ هذا الحرمان مؤكِّداً, ((بَقِينَا أَنَا وَأُمِّي فِي هَذهِ الفَترةِ تَحتَ رِعَايةِ الخَالِ, فَهوَ الوَحيدُ الَّذِي يُؤمِّنَ لَنَا مَصروفَ البَيتِ, فَليسَ هُناكَ عَملٌ أَقومُ بِهِ لَأُساعدَهُ فِي ذَلكَ, عَلَى الأقلِ تَأمينُ مَصروفِي وَمَصروف, أُمِّي فِليسِ لِدينِا طُموحٌ أَكثرَ مِنَ الأَكلِ وَالشُّربِ.))(11)-ثُلاثيةُ اللَّوحةِ, ص 234).
7- النسق الثقافي الاجتماعي القائم ثوابته السوسيوثقافية على أسس أفقِ المُشتركات الثقافية والفنيَّة والوظيفية لشخصيات الرواية ذكوراً وإناثاً, فضلاً البيئة المكانية للرِّواية وزارة السياحة والآثار. يقول بطل الرواية عن أواصر العلاقة الحميمية لهذا النسق الجمعي:((تَعودُ عَلاقَتِي بِفُؤادَ إِلى الأَيامِ الأولَى الَّتِي تَعَيَّنتُ فِيهَا مُوظَّفاً فِي قِسمِ العَلاقَاتِ فِي مُديريّةِ السِّياحَةِ وَالآثَارِ. وَسُرعَانَ مَا تَوَثَّقتْ أَواصِرُ الوِّدِّ بَينَنَا, وَقَدْ دَعَانِي إِلى ضِيافتِهِ فِي الأُسبوعِ الأَوَّلِ, وَفِيهَا تَعَرَّفتُ عَلَى زَوجتِهِ الفِاضلَةِ أُمِّ قَادِرٍ. أَحَبَّ مُجًالَسَتِي طُولَ وَقتِ الاِستراحةِ عِندَ الدَّوَام.))(12)- ثلاثيةُ اللَّوحةِ الفَارغةِ, ص 319).
8- نسق الإرهاب والاقتتال الطائفي الذي كان سائداً وقت أحداث الرواية الزمانية والمكانية العام 2006 م. وهو العام الدامي الذي راح ضحيته جراء العنف والانفجارات بطل الرواية مختار نفسه في أسبوع زواجه الأول من زينب الشخصية الثانية, وقد ترك آثاراً سلبية على نفسيتها كعروسة. فَتُوثِّقُ لذلك الحدث المؤلم قائلة: ((فَزَزتُ مِنْ غَفوتِي مَرعوبَةً عَلَى صَوتِ دَويٍ هَائلٍ! طُرتُ مِنْ السَّريرِ جَرَّاءَ الصَّعقِ الرَهِيبِ وَارتَطمْتُ بِالجِدارِ! ثُمَّ وَقَعتُ عَلَى أَرضيةِ الغُرفةِ.)) (13)- ص291).
هذا المشهد الدامي هو ما حدث لزينب في الداخل, أمَّا صورة الشارع في الخارج فتروي عنها, ((لَيسَ هُناكَ سِوَى جُثثٍ مُتناثِرةٍ, وَأنَّ المَحلَّاتِ تَقيَّأتْ أَغراضَهَا خَارِجَاً؛ لِتكسوَ الشَّارعَ مِنهَا! وَأَحذيةٍ, وأجزاءٍ مِنْ أجسادٍ قُطِّعتْ! وَبُقعِ دِماءٍ تَصبغُ أسفلتَ الشَّارعِ وَجدرانَهُ بِمِساحاتٍ كَبيرةٍ! دَخلتُ البَيتَ, وَأغلقتُ البَابَ, وَالخوفُ والفَزعَ يَعترينِي.))(14)- ثلاثية اللوحة الفارغة, ص 292).
9- النسق المكاني لأحداث الرواية المتعدِّدة والمحدَّدة مثابتها الزمكانية بـرمزية (العُمَارةِ), تلكَ المدينةُ الجنوبية لمسقط شخصية بطل الرواية مختار. والتي كانت المنعطف الأول لمسرح أحداث الرواية, ((كَانَ إسماعيلُ قَدْ سَبقنِي إِلَى المَرْأَبِ. صَعدنَا مَعَاً فِي الحَافلةِ المُتوجِهَةِ إِلى مَدينةِ العُمَارَةِ. وَصلنَا المَدينةَ مَساءً. دَعوتُهُ مُرافقتِي إِلى البَيتِ, وَقَضاءَ اللَّيلةِ عِندِي, وَغداً صَبَاحَاً يًتوجَّهُ إِلَى أَهلِهِ فِي مَدينةِ المِجرِ الكَبيرِ إلَّا أنَّه رَفضَ [دَعوتَهُ]...))(15)- ثلاثية اللوحة الفارغة, ص224).
وهنا البطل مختار في روايته لا يُوثقُ لمدينته العُمارَةِ فقط, بل يُوثق لمدينة المجر الكبير, مدينة رفيقه بالسجن إسماعيل. ومروراً بتوثيقة لحدث التحوِّلات السردية المكانية السريعة التي عاشها في مدينة بغداد العاصمة مركز الحدث والمدن العراقية الأخرى التي تعاني طائلة التهميش والتغيِّب القصدي والاختلال وعدم الهدوء والأمان والاستقرار.((هَذَا مَا حَصلَ لِي وَقتَهَا, وَعَلَى الرُّغمِ مِنْ أَنِّي عِشتُ مُدَّةَ دِراستِي فِي بَغدادَ, بَغدادُ عَاصمةُ النَّواسِي, مَدينةُ السِّحرِ وِحَاضرةُ الأُنسِ الَّتي أَشرَعَتْ خِيامُهَا لِلشعرِ وَالوَجدِ وَالسَّمرِ, وكلِّ مَا فَقدتهُ المُدنُ الأُخرَى.)) (16)- ثُلاثيةُ اللَّوحةِ, ص 203).
10- نسق الفساد المؤسساتي لفلسفة الدولة الحاكمة وقتذاك ما بعد التغيير السياسي لنظام الحكم البائد, وقد تمثلت تمظهرات هذا النسق المُستشري بجسد الدولة بشخصية(سَيِّدةُ القَصرِ), تلك المرأة الشهوانية المتصابية السلوك وذات السلطة النافذة المتحكمة برقاب الآخرين؛ كونها شقيقة أحد قيادي الدولة وزوجة مدير السجن العسكري الذي أُودعَ فيه مختار بوشاية سياسية ظلماً وعدواناً.
وقد وظفَّ المؤلِّف هذا النسق الفاسد من خلال حديث زينب عنها, ((فَقَدْ اِستغلَتْ شَبابَهُ اِستغلالاً بَشِعَاً؛ بِسببِ وَضعهِ؛ كُونهُ سَجينَاً؛ وَكُونَهَا اِبنةَ الذَواتِ المُهيمنِينَ عَلَى السُّلطَةِ, وَالمُتنفذينَ فِيهَا آنذَاكَ. أَمسكَتْ بِزمامِ رَقبتِهِ بِيدِهَا لِتحقيقِ رَغباتِهَا الجِنسيةِ كُرهَاً.))(17)- ثُلاثيةُ اللَّوحة الفارغة, ص 40).
11-نسق الجَورِ والظلم وعدم احترام حقوق الإنسان والانتهاكات اللأخلاقية جراء فعل الممارسات الأمنية التعسفية التي لقيها مختار الضابط العراقي المكلَّف والتي أفضت به إلى السجن العسكري. ويصف البطل ما تعرَّضَ له, وما لَقيهُ من ظُلمٍ وتعسفٍ, ((فِي مُديريةِ المُخابرَاتِ العَامَّةِ صَفعنِي أَحدُهُم وَبَصقَ فِي وَجهِي آخرٌ! قَبلَ أنْ يَتعرَّفُوا عَلَى جَريمَتِي- كَمَا يُسمونَهَا- ثُمَّ أُلقِيتُ بِزنزانَةٍ قَذرةٍ لِمُدَّةِ ثَلاثةِ أَيامٍ. كَانَ الضَربُ وَالكَيِّ قَدْ تَعايشَا مَعَ جَسَدِي. وَكَانَ مُبرِحَاً, مُتَوَحِشَاً, سَافِرَاً تَعدَّى حُدودَ القَوانينِ الإنسَانيةِ عَامةً, وَحتَّى قَوانينَ الغِابِ.)) (18)- ثُلاثيةُ اللَّوحةِ, ص 109, 110).
12- النسق التاريخي المثيولوجي التراثي الشعبي لوقائع حكايات(ألف ليلة وليلة), والمتمثِّل بشخصية شهرزاد المرأة العراقية القويَّة الأنموذج الصُلب وحكاياتها الألفية المستمرة مع الأمير شهريار. تلك الحكايات التُّراثية الشهيرة التي استفاد من سردياتها كاتب الرواية عبد الرِّضا صالح فأسقط وقائع تاريخها المخيالي العجائبي على واقع حاضره الحياتي الآني. ((شَهرَزَادُ الأُنثَى الَّتي أَوقَفَتْ نَزيفَ الدَّمِ الَّذي كَانَ شَهريارُ يُمارسُهُ كُلَّ لَيلةٍ مِنْ لَياليهِ الصَّاخبَةِ مَعَ صِبيةٍ بِكٍر مِنْ مَدينتهِ كَمَا جَاءَ فِي حِكاياتِ (أَلفِ لَيلةٍ وَليلةِ), وَشهرزَادُ اَنقذتْ أَلفَ فَتاةٍ مِنْ ذَلكَ المَلكِ الظَّالِمِ الَّذي أَرادَ الثَّأرَ لِشرفِهِ بِطريقةٍ بَشعَةٍ لَا يَقبلُهَا العُرفُ وَلَا المُعتَقَدُ.))(19)- ثلاثية اللوحة الفارغة, ص 42).
13- النسق الأخير والذي تمثَّل بالنسق الخفي المضمر للروائي كاتب هذا العمل النصي السردي الرسالي الذي تقنَّعَ خفياً بشخصيته الحقيقية الفنية وراء شخصية مختار البطل الروائي الفني. فعلى الرغم من موت بطل الرواية جراء الانفجار العاصف ألَّا أنَّ شخصية مختار تبقى شخصيةً رمزية كبيرةً مؤثرةً للبطل المثقف الواعي. والمعادل الموضوعي بين البطل وبين الكاتب هو الإبداع الفنِّي .كون البطل روائياً وفناناً تشكيلياً مُثقفاً, والمؤلِّف يمتاز بهذه الصفات كلِّها التي هي سمات البطل.
((بَدَأتُ بِرسمِ لَوحةٍ زَيتيةٍ؛ لِتكونَ غِلَافَاً لِلروايَّةِ سَمَّيتُها بِاسمِ(زَينبَ), وَرحتُ بُعدَ ذَلكَ أُثَبِّتُ الأَحداثَ الَّتي مَرَتْ بِحياتِي مُنذُ عَهدِ التَّلمذَةِ فِي الكُليَّةِ وَحَتّى لِقائِي بِهَا.))(20)- ثلاثية اللِّوحة, ص270). أما فيما يتعلق بالمشترك الأسلوبي الذي يجمع بين الكاتب المُؤِلِّف وبطل الرواية الفنَّان المثقف من حيث المنهج الرمزي لهذه المدرسة التجريدية التي يتبعها الاثنان في أسلوبيتهما, فيقول البطل مختار عنها في رسم لوحة التي انجزها بأيام قليلة كما يروي لذلك:((َوَقَدْ قَرَّرتُ رَسمَهَا بِأُسلوبٍ رَمزيٍ, بَعيداً عَنْ الوَاقعيةِ, طَليتُها بَادِئ الأمرِ بِألوانٍ سَماويةٍ فَاتحةٍ, بَأُخرَى رِماديَّةٍ, عَلى شَكلِ مِسَاحاتٍ تُوحِي بِالغُيومِ, ثُمَّ رَسَمتُ ثَلاثَ دَوائرَ فِي زَوَايَا اللَّوحَة.)) (21)- ثُلاثيةُ اللّوحة, ص 270).
14- نسق المفارقة السردية التي تعتمد على أسلوبية المفاجئة الإدهاشية الماتعة التي تداعب فكر المتلقِّي وتستحوذ على ذائقته النفسية في التواصل مع الحدث الحكائي المباغت له. وهذا الأُنموذج النسقي نجده موظَّفاً بحكاية الأب ماجد والد البطلة زينب, الرجل لبعيد والمغيَّب عن أنظار الجميع. والتي تفاجأت ابنته زينب حين عَرِفَت شيئاً عن قصدية غيابه بإلحاحٍ شديدٍ منها. وقد أعلمها عمُّها ماهر سرِّ اختفائه وهروبه إلى سوريا؛ بسبب ملاحقة النظام الحاكم له وظلم السلطة التي أرادت مساومته في الاستحواذ على ثرواته وأملاكه الخاصة به؛ الأمر الذي اضطره للهروب خارج البلد.
لَقدْ ((هَرَبَ مِنْ هَؤلاءِ الطُغاةِ الَّذينَ سَاوموهُ التَّبرعَ بِثلاثةِ أَرباعِ أَموالهِ, دَعمَاً لَاقتصادِ الدَّولةِ الخَاوي جَرَّاءَ الحصارِ. وإلَّا يَتمُ تَهجيرُهُ إِلى مَدينتهِ فِي الجَنوبِ؛ بِحجَّةِ أَنْ سَكنهُ فِي بَغدادَ غَيرُ قَانونيٍ؛ وَبِذلكَ يَتمُّ الاستحواذُ عَلَى جَميعِ ثَرواتِهَ.))(22)- ثلاثية اللوحة الفارغة, ص 311).
فضلاً عن كلِّ ذلك دهشة زينب الكبيرة حَمْلِها المُفاجئ بمولود جديد صغير أسمته مختاراً على اسم زوجها,وَجمْعها بأخوة كُبَار لها من زوجة أبيها حامدةً الله على هذه المفارقة بقولها:((حَمدَاً لِملكوتِ اللهِ وَقُدرتهِ, إِذْ عَوَّضنِي عَمَّا لَحِقَ بِي مِنْ حَيفٍ, وَبِإخوةٍ كُبَارٍ, وَعَنْ مَختارٍ الكبيرِ بِمختارٍ صٍغيرٍ, جَنينٌ فِي بَطِني. وَرِوايةٌ عَلَى وَشَكِ طِباعتِها فِي إحدَى دُورِ النَّشرِ.))(23)- ثُلاثيةُ اللَّوحة, ص 346).
15- نسق الإغراء الجنسي, سواءٌ أكان فعلاً إيجابياً بإقدام ورغبة جسدية عارمة من تلقاء نفس البطل مختار, وكما هو حاصل في ممارسته الفعلية له مع المرأة ذات الأصول الروسية(ديدكا) التي مَثَّلتْ مرحلةً من مراحل حياته التعويضية, أم أكان الإغراءُ الشهواني فعلاً سلبياً وإحجاماً وعدمَ رغبةٍ منه. وهذا ما حدث له أثناء سجنه العسكري, وعلى وجه الخصوص مع المرأة الشبقية ذات النفوذ الاستهوائية, زوجة مدير السجن التي تُدعَى بـ(سيِّدةِ القَصرِ) التي أُرسلَ لبيتها بأمرٍ من زوجها لرسمها وهي عارية. والتي قامت بجريمة إغوائه واغتصابه دون وعي تحت تأثير المُخَدِّر.
فلنقرأ تداعيات ما حصل لمختار من خلال هذا المشهد,((نَظَرتُ حَولِي فَرَأيتُ اِمرأةً عَاريَةً أَيضَاً إِلَى جَانبِي بِدُونَ غِطَاءٍ, وَكَمَا خَلَقَهَا اللهُ, طَالَعتُ فِيهَا فَإِذَا هِيَ زَوجةُ مُديرِ السِّجنِ, قَفزتُ مِنَ السَّريرِ فَزِعاً غَيرَ أَنِّي تَعثَّرتُ وَسَقطتُ أرضَاً. لَا أَزالُ أَشعرُ بِالدوارِ فِي رَأسِي وَخَدَرٍ فَي جَميعِ جَسدِي,جَمعتُ قُوايَ وَنَهضتُ لَأجدَ مَلابسِي مُتناثرَةً فِي أَرجَاءِ الغُرفةِ.))(240)-ثلاثيةُ اللَّوحة,ص 204).
وقد تضمنت هذه الرواية أنساقاً أخرى, ولكنَّها بمستوىً أقلَّ تأثير من الأنساق التي تمَّ التنقيب عنها والتمثيل بها بهذه الدراسة التي بحثت في جماليات الأنساق الثقافية المتوافقة والمناهضة في أسلوبية الرِّوائي عبد الرِّضا صالح التي كشفت عن قدرته الإبداعية العالية في تجلِّيات بناء النقدية السردية.
*ثلاثية اللَّوحةِ الفارغةِ, عبد الرضا صالح محمَّد, المؤسسة العربية للدراسات والنشر, بيروت, ط3, 2023م
...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي