يعنى بالنصوص الشعرية والادبية
عبدالرحمن مقلد
شاعر | مصري
عبر طريقِ القوافلِ من عسقلانَ إلى مصرَ
كان دمٌ يتبعُ الركبَ
يرسمُ خيط أسى
ودموعٌ تسيلُ وراء ركائبِ جند أمير الجيوش
تسيرُ برأسِ الحسينِ إلى مصرَ
من يُوقِظُ الأرضَ من نومةٍ قاربتْ خمسمائة عامٍ؟
فشا في الهواء من المسكِ ما خبلَ الطيرَ
ما جعل الأثلَ والنخلَ والتينَ في أرض سيناءَ
تفْتَح لابن النبي
وتَسْرِي إليه
لينفتحَ النورُ
يطلعُ فجرُ الحسين بأولِ مصرَ
مسارُ نجومٍ يُرى في السماءِ يُتابع سيرَ المسيرةِ في الأرضِ
من عسقلانَ إلى مصرَ
ألْصِقْتُ في صدرِ نجلِ أمير الجيوشِ
وآلفْتُ هذا الحنوَ
وهل ضمني منذ غادرتُ صدرَ البتولِ
سوى الغلِّ والنارِ
هل بللَ الدمعُ غيرَ إزارِ الرسولِ
وقد خبّرته السماءُ
بكيتُ فأسرجَ دمعيَ قلبَ الأميرِ الصغيرِ
رأى كربلاءَ وجسمي هنالك يمتدُّ في الطينةِ الدمويةِ
يمسكُ بين يديِه الفراغَ
ويبكي عليّ
مضتْ رعدةٌ في عظامِ الأميرِ
ووسدني صدره
وبكى وبكيتُ
وطمأنَني الارتعاشُ بقلبِ الصغيرِ الذي أتمطّى يديه
ويمسحُ عن لحيتي ما تعلّقَ من عَفَرٍ في الطريقِ
ولم أكُ أعرفُ أن الركائبَ تمضي إلى مصرَ
غيرُ البشاراتِ
غيرُ سحائبَ كانتْ تظللُ ركبَ الأميرِ
ومهرٌ يراقصُ بِلّورةَ الشمس
كانت تلوّح لي في السماء أيادٍ
وتمتد حولي حشودٌ
وكانت عصافيرُ تؤنسني عند قبريَ
ما زلتُ أسمعُ تغريدها
..
لأين ستمضي بنا يا ابنَ بدر
تجددُ راحِلتي وبكائي
طريقيَ كان طويلًا طويلًا
إلى عسقلانَ
هنا بين يافا وغزةَ
حلَّ الفِرنجةُ
هل نبَشوا قبرَ سبطِ الرسول؟!
وجئتَ إليّ لتحملني في البلادِ أسيرًا
وما أنا غير الشقي بإرث أبيه
وثاراتِ جدٍ نبيٍّ
رمتني البلادُ هنا
بعدما يتّمتني طويلًا
وآلفتُ هذا المقامَ
فكيف المضيُّ برأسٍ
بلا جسدٍ يستعينُ
وما تضربون بحظي من الأرضِ
لا تلْمَسون سوى النحس
قلبي الشقيُّ الذي ضرّبوه هناك
يئن غريبًا فلا يطمئنُ بقائي بأيديكمُ
لو يطولُ العدوُّ من الركبِ
يرشقُ سهمٌ بقلبِ الأميرِ
فأخذِلُكم بالرجوعِ إلى عسقلانَ
وإن عبثَ الأجنبيون بي
أو يبولُ عليّ الطهاةُ الجنودُ
وهم يرسمون الصليبَ على جبهتي
..
وأقْنِعْتُ أن دمي لا يزال أنيسيَ
يجري قريبًا على رملةِ البحرِ في عسقلانَ
وكانت نسائمُ تأتي
وحمّلتُها بالسلامِ:
إلى أي دارٍ نزلتِ
احملي من حسين السلامَ
رسائلَ سلوى إلى كل من قتَّلوا في البلادِ
ومن جاوزوا شِعْبَ نجدٍ
ومن غامَروا بالمكوثِ بمكةَ
لم يبق لي يا أخي ناصحٌ لم أجربْه
هل كان موتيَ إلا مصيرًا تملاه جدي
رآني أموتُ على الطينةِ الدمويةِ
لا صاحبٌ
لا نصيرٌ
ثمانين رأسًا عددتُ
رأيت لواءَ أبي الفضل دون يدين تعامدَ في الدَّمِ والرملِ
هل كان لا بد من هربي اللا نهائيِّ
هل يدركُ المرءُ يا ابنَ الزبيرِ
من الروحِ إلا السرابَ
هي كالمهاةِ التي شربتْ
ذاتَ يومٍ من النبعِ
حتى انتشتْ
وارتمتْ في مرامي السهامِ
ولم تدرِ أن المصابَ قريبٌ
وإن بَعُدَ الرَميُّ
هِي كالمها يا ابنَ بنتِ أبي بكر ليس تراها
ولكنّ غيرَّك يدركُها ويشدُّ لها قوسَه
فلا تبدلِ البيعةَ الأمويةَ بالبيعةِ النبويةِ
ليس يمدُّ يديه الرسولُ
ومهما اتقتك «القنا والنصولُ»
ومهما أصبتَ
فليس يضرُك كالشاةِ سلخُك من بعد ذبحِكَ
أعرفُ أنهمُ صلبوك
ولم يرحموا قلبَ أمِك
هل حصّنتك المصائرُ باللوذِ بالبيتِ؟
أم ضربوا بالمجانيقِ كلّ جدارٍ أقمتَ؟!
آلآنَ صدقتنَي يا ابنَ أسماءَ
أنّا مصابون أين حللنا
هي كالمهاةِ الطليقةِ في شِعْبِ نجد
تبلغْ سلاميَ من نسمةٍ طوّفتْ في البلادِ
تلامسُ جسمًا تعلّقَ مثل الذبيحة عند «الحَجُونِ»
..
وأفْزِعَ ركبُ أميرِ الجيوشِ
رأى قطرةً من دمٍ ساخنٍ
تتهادى على الأرضِ قربي
فأجفلتِ الخيلُ مما اعترَاها
سرتْ رعدةٌ في عظامِ الجنودِ
..
دمي يا ابنَ بدر سيجري معي أينَ أجري
اطمئنْ
دمي لا يزالُ يفجّرُ من نبعِه
ويقومُ شهيدًا
فلا تخشَ هذي دمائي
ستألفُها في طريقِك أين تسيرُ
تسيرُ وراءك في الركبِ
إن عاودَ الراسُ سيرتَه في القيامِ
مضى في البلادِ سليمًا
معافى بلا حذَّة حَاذَها طرفُ نصلِ ابن ذي الجوشنِ
الأرضُ لم تنسَ فعلتَه
والدماءُ تسيلُ عليها
فتُرْوَى وتعْطَشُ
تشربُ من دمي النبويّ
وإن ينفدِ النبعُ
فارَ دمي وأمدَّ الأديمَ بما يستجدُ
..
مسحتُ دموعَ الأمير
وطيبتُ قلبًا
ولم أدرْ أن الركائبَ تمضي إلى مصرَ
صاحبَني العاملُ الفاطميُّ
براقٌ يطيرُ على أول الركبِ
حادٍ من الريحِ يحدُو
يجيبُ الصدى
والجبالُ تؤوّبُ والطيرُ:
بشرى وبشرى وبشرى
ورأسُ الحسين إلى مصرَ
أسرى
رأس الحسين المبجلْ
رأسُ الحسين تنزلْ
على أرض مصرَ
ادخلوا آمنينَ
فبشرى وبشرى وبشرى
ويشرقُ وجهٌ تعطّلَ فيه التبسمُ
أعطنَه اليأسُ والاغترابُ
-إلى مصرَ يا ابن النبيّ المسيرُ اطمئنْ
-وهذي البشاراتُ من مصر؟
هذا هواها؟
هوا خالتي هاجرَ؟
إن طريقي كان طويلًا طويلًا
لقلبك يا خالةُ
وبكيتُ دمًا
والخلائقُ خلفي ينتحبون
ويلتطِمون
يشقّون قمصَانهم
وورائي لواءُ الرسولِ
وراياتُه الخُضرُ تسقطُ تحت النعالِ
مضى كلُّ ذلكِ؟
اللهُ أعلمُ كيف مضى الحالُ بي
وأنا لم تشبْ لحيتي من قليلٍ
أنا رأسُ سبط محمد
ابن البتولِ
اليتيمُ الرقيقُ بلا صاحبٍ
باعني الناسُ يا خالتي
ودمي الحيُّ يشهدُ خلفِي
طريقيَ كان طويلًا
وأطول منه بكائيَ
من أرض مكةَ حتى وصلتُ إلى كربلاءَ
دخلتُ دمشقَ بلا جسدٍ أستقيمُ عليه
وغرّبتُ في الأرضِ
حتى هبطتُّ إلى عسقلانَ
..
وكان ركابُ أمير الجيوش يسيرُ بأرضِ الفرنجة
لم يوقفُ العسكرُ الأجنبيُّ عساكرَه الفاطميةَ
حين شراني الخليفةُ؛ خمسون ألفًا لرأسٍ!
فلم يأخذوني أسيرًا
ولم ينبشوا القبرَ
لم يخرجوني ليلعبَ بي كرةَ الصولجانِ الجنودُ،
نعستُ
وشاهدتُ سربَ أيائلَ سابَقني في المنامِ
بساطٌ من الريح يحملُني للمدينةِ
ثم رماني إلى صدرِ جدي
أولغتُ فيه
رأيت بكاءَ محمد
تجري دموعُ الرسولِ على لحيتي
وحبوتُ إلى فاطمةْ
كان أبي لا يزالُ يصلي طعينًا
ومثلي ثمانون يلْقَون نفسَ مصيري
وجسمي هنالك كان على الطينةِ الدمويةِ ملقى
ينادي على الراسِ
والصوتُ كان يُبَدّدُ في الريحِ
أيُّ صفيرٍ
وقد غلّقَ الجندُ بابيَ دوني
وقد باعدتني الحدودُ
ولم يبقْ في عسقلانَ سواي
وقد هربَ الجندُ قبل وصولِ الفرنجةِ للبَرِّ
أين جنودُ يزيدَ التي فرّقَتْ في البلادِ اليتامى
وحزتْ رؤوسًا رأتْ أن حكمَ أمية
بالسيفِ لا بالكتابِ
وما زال بالسيفِ لا بالكتابِ
وأن ذقونًا تعفّر في الرملِ تشهدُ
أن الكتابَ تدوسُ الخيولُ عليه
ويسْرِقه الفقهاءُ
..
أفقتُ قريبًا من «الصالحيةِ»
شاور لي الناسُ
هذا هوا النيلِ لامسَ وجهي
وأنعشنِي من جفافٍ
وداعبَ حلقي الكظيمَ
هوا النيلِ لاعبَ وجهي
فقلتُ احملوني إليه
وبلّوا شفاهيَ
إني ظمئتُ على الموتِ
غلْتُ من الدمّ
هذا الترابُ الذي بتُّ فيه سنيًّا
يرافقُ وجهيَ
يطفئ مشكَاته
غسّلُوني
وصبوا عليّ من النيلِ ما يجلوَ النورَ
حتى تبينَ عليّ النبوةُ
ليتَ الذي تحملون غريبًا
يكون على قدمينِ وتطلعُ أيدٍ له
فيغوضُ إلى النيلِ حتى يُمسَّ بماءِ القرونِ
وتفتح «مصرُ» ابنةُ اليمنيِّ ابن ذي يزنٍ
قلبَها لابن بنتِ الرسولِ
فتاخذُه للمنابعِ
يشربُ من قبضةِ اللهِ
شربةَ ماءٍ
فلا ظمأٌ بعدها
أو كلالٌ
وينسى الذي كان في كربلاءَ
وقبلُ وبعدُ
..
وناولَنِي الناسُ من خبزِ مصرَ
طعمتُ
وكان النبي ورائيَ يرفعُ سبابةً
وأشار إلى القاهرةْ
وفاطمُ تستقبلُ الركبَ بالبُرَدِ الخُضْرِ
ترفوُ عمَامتَه
وتغني له لينامَ وينسى
ويا ليتهم تركونِي هنالكَ أعبثُ في ذقنِ جَدي
أصعدُ والحسنُ بن عليِّ على ظهرِه في الصلاةِ
فيضحكُ، يرفعُني فوق عاتِقه، فأرى الحشدَ في مصرَ هلّ عليّ
..
وينصرُك اللهُ يا ابنَ النبيّ بمصرَ أخيرًا؟
وترمي لك الأمهاتُ السَكَاكِرَ؟
الفتياتُ يلاحقنَه بالزغاريدِ
طوقْنَه بالزهورِ
الرجالَ رأى يخلعونَ النعالَ
وينفرجون لتُفتَحَ أبوابُ مصرَ
ليدخل من أي بابٍ يشاءُ
المآذنُ تختصّه بأذانٍ
وسربُ الحمامِ يحطُّ على باحةِ الأزهرِ
الله أكبر.. الله أكبر..
كبّرت الأرضُ
ألقت عليه التحايا عمائرُ مصرَ
وردت عليها الكنائسُ والدورُ
والنخلُ أوّبَ والطيرُ:
بشرى وبشرى وبشرى
مقامُك أضحى بمصر
مقامك يا أيها القرشي
المعلقُ في كربلاءَ
تجمّعَ في أرضِ مصرَ
فمن بعد جُوعٍ طعمت
ومن بعد خوفٍ أمنت
ومن بعد عسرك يُسْرى
طابت ركائبُ «بدرٍ» طلعت بها
يا ابنَ فاطمة النبويةِ
يا ابنَ الرسولِ
تَطيب دماؤك
يُروى بها الطَّلْعُ
تسمحُ أن تتجاوبَ والنيلَ
تمزجُ في الماء
تطرح في وردها البلدي
وتخلط بالطمي
يصعد منه النخيل
يناول من طرحه ما يقيم المساكينَ
..
جاء الحسينُ بلا آلهِ
جاء مصرَ غريبًا
بلا جسدٍ أو رفيقٍ
فآنَسَها
وائْتَنسْ
جلسْنَا حواليِه حيثُ جَلَسْ
وقمُنا وطفنَا ببابه
قصدنا رحابَه
وطيبَنَا منه طِيبُ النَّفَسْ
نزلتَ بمصرَ
فبشرى وبشرى وبشرى
..
وكانت مواكبُ تسري به
والزفافُ الكبيرُ يسيرُ
على ضرباتِ الطبولِ
لقصرِ الزمردِ
حتى استقرَ الرحالُ إلى قبةِ الديْلَم
الله أكبر الله أكبر
الله أكبر الله أكبر
حجَّ إليه المساكينُ
والرهطُ
والضائعون
وأهلُ السبيل
ويأنسُ بالزائرينَ
وبالحائرينَ
وأفئدةُ الناسِ تهوي إليه
ويقصدُه الجمعُ
يسمعُ إنشادَهم لابن بنتِ الرسولِ
فينسى
ويخلصُ من ظلمِه الأبديِّ
يقومُ إلى رعيه في الرعيةِ
يفسح ما وَسِعَ البيتُ للضعفاءِ
وللجائعين يكون لهم من خزائنِ مصرَ
الضعافُ سقى رعيَهم
في البريةِ
دلَّ حيارى إلى وطنِ الاخضرارِ
وينشدُ للنيلِ
إن بطأ الماءُ قام إليه
وأسرى لأوله
ليميط لثامَ حصانِ ابن ذي يزنٍ
ويزيح اللجامَ
فيجري على ركضه الماءُ
حتى يفيضَ إلى البحرِ
أي السدودِّ ستقوى على هامةِ ابن عليّ
وأي الجيوشِ ستقوى على سيفه «ذي الفِقَار»
إذا شاهَ وجهُ السماء
يريقُ عليه من المسكِ والعنبرِ البلديّ
اللذين يدومان في الأرضِ؛ تنبضُ بالعطر
من مطرٍ وندى صابِحيْن لغسل القلوب
ويحرسُ ما يُنبتُ الحقلُ
من ذرةٍ وشعيرٍ وقمحٍ وأرزٍ
ويقسمُ للطير قسمتَه
والقوارضُ يطعمُها في القِصاعِ
ويصلحُ ما يصلحُ العيشَ في البَرّ
والبحرِ والصحراءِ
ممالكُه الباطنيةُ تمتدُ عبرَ العروقِ
ويمسكُ أولَ مصرَ بآخرها
والخريطةُ ملء يديه
له حكمُها الباطنيُّ
ويحكمُ في الظاهرِ الآخرون
الولاةُ لهم طاعةٌ وسلامٌ
وتجري سياساتُهم بالعصاةِ
ولكنَّ ذاتَ الحسين التي بالقلوبِ أضاءتْ
وأشرقَ سمتُ الوجوهِ التي بالحسين ارْتَضتْ
حكمُها بالرضا والسماحِ
الوشاحُ يوشّحُ من قاربَ البيتَ
هذا الوشاحُ المطرزُ في قلبِ فاطمةِ النبويةِ
لم يبهت الأخضرُ النبويُّ به
لم يضقْ
والوشاحُ على الأرضِ يُفْرَشُ حتى يعمَّ الخضارُ
الممالكُ تكبرُ في باطنِ الأرضِ
تمتدُ عامًا فعامًا
وراسُ الحسينِ يقاربُ ألفًا من السنواتِ بمصر
ولم يدرِ أن يزيدَ تجددَ
أن جنودَ ابن سعدٍ يجدّون من خلفه
وكأن الزمانَ يعاودُ ما كان في كربلاءَ
الخزائنُ ينهبُها الخائنون
المقاماتُ تهوي مآذنُها
وتهيلُ رمادًا على عظمِ من حميتَه من الأولياءِ؛
الذين تُبَدّلُ نوباتُهم في الحراسةِ مَالُوا
ويسكنُ مصرَ من الخوفِ والموتِ
ما غال حرّاسَها
فانكفوا واكتفوا بالشرودِ
وغابوا عن الغَفْر في الليلِ
لم يرصدوا ما تخبّأ في الأرض
لم ينفذوا في السماء
وظنُّوا بها السوءَ
حتى لمسنَا السماءَ
فلم نجنِ إلا البكاءَ..
وكان جنودٌ يقصّون ريشَ الملائكةِ السابحينَ بخان الخليليَّ
كان الفرنجةُ بالقربِ
كان المعظّمُ صالحهمُ
وأطاعَ
وساومَ إلا على ماله
وأضاعَ الدماءَ
وأبقى الضياعَ التي يملكُ الوزراءُ
وتحمي القلاعُ مساكنَهم من بعيدٍ
وضاقتْ على الضعفاءِ البيوتُ
..
لم أقو إلا على أن أكون نسيبًا حسيبًا لهم
ينتمُون إليه
ولكن ذاتيَ تهمدُ
كيف تقومُ إلى رعيها في البَريّةِ
ماذا أصابَ حصانَ بن ذي يزنٍ
ربما يُوثِقُ الحبشيُّ اللجامَ لأعلى الهضابِ
وجندٌ هنالك حطوا على بابه
يرفعون النصالَ
فكيف أقومُ إلى النيلِ
كيف أقومُ إلى نصرة الخائفين
وألحقُ من يربطون الصخورَ
ومن يعصرِون البطون
وأعْمُرُ كلَّ القلوبِ التي خرّبوها
وصبّوا الجهامةَ فيها
وقد طاردوا في البلاد دمي
لوّثوه بما حمّلوا من ركازٍ
وقد خرقوا قصتي
حَرَفُوها
وقامت رواياتُهم
ورواها الرواةُ على الجبرِ
كنت بها الخائنَ الفاحشَ
منتشٍ بالقيادةِ والثأرِ
أطلقُ فوضَاي والناسُ تنصرُني بالضَلالِ
وتبقى الحكايا أباريقَ جوفاءَ
ليس تصيبُ العطاشَ سوى عطشٍ من وراء عطشْ
كأنّي على كربلاءَ أزيدُ من الرملِ
حتى تفلَّ الشفاهُ على غبشِ الفجرِ
آتي الصلاةَ بدون كلامٍ
صلاةَ قلوبٍ مذبّحةٍ في المسيرةِ في نينوى
وصلّتْ على الصمتِ خلفي السيوفُ الكليلةُ
صلّت خيولٌ على الصمت دون صهيلٍ
وألفُ ملاكٍ حزينٍ وعشرون ألفًا من الطير
صلّتْ على الصمتِ
صلت ثمانون روحًا ورائي
وخمسون نجمًا تقول لنا ما سنصبحُ فيه
ويظهرُه الضوءُ فوق الرمالِ
..
على الصمتِ صلوا جميعًا
ولم ينبسوا في الصلاةِ الأخيرةِ خلف الحسين
وكان على رأسِه الطيرُ
يعرف أن صلاةً تطول إلى غبشِ الليلِ
حتى يحينَ الهروبُ من القاهرة
وتبقى القلوبُ ليومِئذٍ ساهرةْ
تقيمُ الصلاةَ على الصمتِ
تسهرُ حتى يضجَ السكونُ
من الصمتِ
تصرخ ملءَ الشجونِ التي بالعيون
مآتمُ قامتْ على الصمتِ
فيها بكاءُ القلوب أشدُّ
تئنُّ أنينًا خفيضًا
ولا يسمعُ القومُ إلا هسيسًا
تجاوبُ فيه القلوبُ على بعضها
والدعاءُ يكون على الصمت
آمين آمين ينطق رَمْشُ العيون
فلا يعرف الفاجرون بأن الدعاء عليهم
ولا يدرك العسس الدائرون
بأي العيون أقام الحسين
وأي العيون بكته
وأي العيون ستصبحه في المسيرة من مصر
حين تفارقُ أصحابَها
في الركاب الأخير
..
يحلّ بمصرَ الذي حلَّ من قبل!
ضاقتْ على ابن النبيَّ!
وضاقتْ على الضعفاءِ!
يرون دمي فارغًا لا يروي القلوب
وضلَّ ورائي رهطي الحيارى
يتوهون في الأرض
أو يهجرون البقاع
وما أنا إلا شريدٌ
رمته البلادُ لمصرَ
فماذا دها أهلَها
فنسوْني
وفاتَ عليّ الكثيرون
لم يعْرفُوني
ولم يرثِ الأولياءَ
من الخدمِ الأتقياءِ
سوى فئةٍ خائفينَ
يسدُّ عليهم جنودٌ مساربَهم
فيكون الضريحُ فقيرًا
وما أحدٌ يختليِ بالسماءِ
وخلوتُه بالسماءِ تضاءُ
وأين مضى الفاطميون
لم يبق غير اسمهم
وتعودُ بكائيتي
اللاطمون يَعودُونَ سيرتَهم
والصراخُ يرجُّ البيوتَ
من الحزنِ
ما يفلقُ الأرضَ
ما يمْزِقُ الرئتينِ
تقوم النساءُ إلى اللطمِ
شقِّ الجيوبِ
وهدمِ الرؤوسِ على الأرضِ
تخبيطِها بالنعالِ
ننكّسُ راياتنا الخضرَ
حتى نمرَّ وليس يراها الجنودُ
وهم يبسمون
..
أودّعُ مصرَ على عجلٍ
لا أرى نيلَها
لا أرى الأرضَ إلا على الليلِ
أرحلُ كاللصِّ
أينُ ركائبُ جند أمير الجيوش
أغادر مصرَ
فما صاحبُ الدارِ راضٍ بذلك
لكنه خائفُ
مضى الزمنُ العاطفُ
مضى ومضينا على عكس ما يرسمُ النيلُ
نزَّ دمًا
الوداعَ على الليلِ يا نيلُ
هذا الوداعُ الذليلُ
أتانا من الصحراءِ العويلُ
أتى الزمنُ العاصفُ
الذي لا يحبُّ التماسَ السكينةِ
ليس يريدُ التمهلَ
ليس يجيدُ سوى العدو
والقفز
قصفِ القلوبِ
وأنت هنا واقف
ونحن نباعدُ عنك مسير ليال طوالٍ
ركنّا إلى بقعةٍ في السواد
نشاور للنيلِ
يا حسرتاه على زمنٍ ينزفُ النازفُ
على زمنٍ من دموعٍ
على السنواتِ التي عَمَر القلبُ قربك
حتى حسبنا الزمانَ انتهى
والأمانَ يدومُ
ولكنه حلمٌ خاطفٌ
أطلنا عليه المكوثَ
أطلنا
ولم ندر كيف نسينا المسيرةَ في نينوى
ليس هناك رجوعٌ لها للمدينةِ
لا أبوةٌ نحو مكةَ
قد قطعُ الجندُ خطّ الرجوع
وغُلّق بابُ التقدم
مهما قطعنا من الأرض
موتى وأحياء
تحصرنُا الدائرةْ
هنالك في كربلاء
هنا خلف باب الفتوح
تغلّق أبوابَها القاهرةْ
وتبعث أسوارُها الخوفَ
مهما شربِنا عطاشًا
نشاورُ للنيل في الليلةِ الآخرةْ
ما نامتِ الرأسُ إلا على نسْمَة كنتَ ترسلُ لابن عليّ
عليكَ السلاماتُ يا نهرُ
أي بكاء سيشفي القلوبَ
وقد نشفَ النيلُ
لم يبق إلا الحصى الناشفُ
..
سلامًا عليك؛
سلامًا على ليلةٍ لم تمرْ
وأنت بها لا تزالُ قتيلًا
رأيناك مهما رأيناك
كنت هناك قتيلًا حزينًا
وإن طال وقتُك في مصرَ
لم ننس أنك للآنِ قرب الفرات تموتُ
وتحيا
تموت
وتَرْهجُ رهجةُ سيفِ ابن ذي الجوشن الأموي إلى الآن
ها أنا أبكي الطلولَ عليك
وأنظرُ للبحرِ أنظرُ في عمقه الحادِ
أحضنُ كل هواءٍ
وآخذُ ما يكفيَ الصبرَ
حتى أطيقَ وداعك
أرسل بعضًا من النسمات لتنعس
بعد كلالٍ كبيرٍ ستلقاه
أرجعُ نبعًا صغيرًا
وأبكي
وأمرجُ مائي
وأخبطُ رأسي بملح السواحل
علِّي أفجّر مهوى ويقبلني البحرُ
أُذْبحُ حتى أسيلَ دمًا
وأشيعَ البكاءَ عليك
لتنتحبَ الأرضُ والناسُ
يا ابنَ الزمانِ السليبِ
الذي لم يردْ أن يطولَ
وإن طالَ
حتى سقطنا ذليلين
نرثي الغرامَ القديمَ
وداعُك يا ابنَ عليّ المصابُ المقيمُ
وليس يليه مصابٌ يصيبُ حبيبا
ترى أين تمضي غريبًا غريبا
وتسلكُ أيَّ الدروبِ التي غَفَلَتْها العيونُ
..
ولن تدركَ الشرطةُ الرأسَ
حين يُكون بثوبِ المهربِ
في ذيلِ قافلةٍ من حيارى
ومن شعراء
ومن هاربين لصوصٍ
عجائزَ
جندٍ قديمٍ ومن أولياء
وآل الرسول
ركابٌ تسير به الأمهاتُ وآباؤهن وهم يحملون الصغار وهم يحملون الدمى
وتسير ظلالٌ
قواريرُ ماء
خرائبُ تتبعُهم
وبيوتٌ تُهدّم
خيلٌ
تسيرُ إلى الصحراء
وينخطفون من الخوف
خوفَ الذئابِ
وخوفَ العقاربِ
خوفَ الأدلّاء
خوفَ الوجوهِ التي في السماء
تغيبُ
ويفني الزمانُ قوافلَ من سافروا خلفَ رأسِ الحسين
ومن سَلكَوا في الطرائقِ
من وحِّدوا في الطريقِ
تهادى إلى اللهِ جمعُهم المستضاءُ
على الإبلِ العربيةِ يخفون في الأرضِ
يستتبعون النجومَ إلى اللهِ:
بشرى وبشري وبشرى
غاب هلالُ ابن فاطمة النبوية
غاب هلال الحسين
بمصرَ
ونحن سعاةٌ وراءك في الأرض
أسرى بنا الله فوق البِرَاقاتِ
نطلعُ حتى السماواتِ
نشكو له ما يلاقي حسينُ القتيلُ
هنالك قربَ الفرات
هنا في الشتات
هناك تنازَع أشياعُه
يمزقونُ الذي يتواصلُ فيه
هنا رأسُه لم يعدْ آمنًا
ومضى دمُه
في السراديبِ
عبر المدقاتِ
من نفقٍ يعبرُ الأرضَ نحو نفقْ
ليس يراهُ جنودُ الحدودِ
ولا تتركُ الطائراتُ الأفقْ
..
لأين المسيرِ
إلى عسقلانَ أعودُ
- هي الآن أرضُ الفرنجةِ
والعربيُّ هناك غريبٌ
كغربة آل الرسول
-دمشق؟
-التي زرتَها دون جسمٍ
فهل تحتويك غريبًا طريدًا؟
-إلى برقة جهةَ الغرب؟
-هل برقةُ الآن غير طلول
طرابلسُ محكومةٌ بالميليشيا؟
ومُرَاكش سوف يهلكُنا الخوفُ قبل الوصول
-إلى القيروانِ؟
لأي الثغورِ
إلى الشرق حتى سمرقندَ؟
حيدر آبادَ؟
يكون المسيرُ إلى أصفهان؟
-وكيف الولوجُ إلى أصفهانَ
وقد قطع الفرسُ كلّ طريقٍ
وطوسَ وشيرازَ
أي الدروبِ ستسلكُ
-نحو الحجاز ومكة؟
-فاحذر جنودَ المسوّدةِ الجائلين وراءكَ في الأرضِ
هم يشبهُونك
أبناءُ عمِك
لكنهم كجنودِ يزيدَ
الخلافةُ لاقَفَها حاملُ السيفِ والدرعِ
كالكرةِ المستباحة لاقِفُها الأمويُّ
ولاقِفُها من دعاة السوادِ
ومن يلبسون الجلاليبَ والجينزَ
لاقِفُها العسكريون
لاقِفُها ساسةٌ لا يكونون منا
فخذ يا حسينُ سبيلًا لبيشاورَ
واختبي من مقاديرَ
واسلك طريقَ الحرير القديمةَ
إن غفلَ القومُ عنها
وخافت قوافلُهم من عواءِ الذبابِ
فهذا طريقُك
كلُّ طريقٍ غريبٍ طريقك
لا بد أن السماءَ ستخبر جدَك
أي الدروبِ ستبقى لك الآن
للسندِ
خلفَ البلادِ
أمامك نهران
جيحان سيحان
لكنَّ أي الثغور ستأمنها
والعدو يجولُ الزمانَ
وراءك
يستشرفُ الأرض
يقمعُ رائحةَ المسك أين تحلُّ
ويقطعُ صوتَ صفيرك
حتى تتوهَ
ويخذلَك الناسُ من خوفهم
يخفضِون البكاءَ عليك
وينصرفون إلى العيشِ
لم يبقَ إلا الفرارُ إلى البحر
فاركبْ سفينَك
خذْ ما تريدُ
سفينُك أوسعُ مما تظنُّ
وفي البحرِ أسرعُ مما ستحسبُ
خذْ ما تحبُّ
ودعْ ما تشاءُ
ومثلَ سفينةِ نوح ستبحرُ
ليس إلى يابسٍ أو بلادٍ جديدةْ
إنما للجنانِ البعيدةِ
تبحرُ عبر الزمانِ
لواءُ أبي الفضل صاريك
نسرُك حلّقَ ملءَ السماءِ
جَناحان طالا من الشرقِ والغربِ
ظلٌّ أظلَ السفينةَ
يلحقُك المبحرون
أنرْ من منارِك ما يرشدُ الراكضين إليك
المسيرةُ إن هزمتْ في المدائنِ
عرّجْ
وألق إليها يدًا
وثوارُك الخارجون على البطشِ
قرب الهزيمةِ
أرسل لهم ما يشدُّ القلوبَ
حبالًا من النورِ يمسكُ فيها الجريحُ
ويسلكُ فيها الطعينُ
وتسري بها الروحُ إن فارقتْ جسمَها
والسفينةُ تمضي بك الآن
آنسك الهاربون
مديحُك دوّى على البحرِ
سبّح لله ما في السماءِ وفي الأرضِ
صلى وراءك جمَعُ الملائكة الموكلين
وصلى وراءك مليونُ حاجٍ ومليون حاجْ
صلاتُك في الجهرِ
ليست على الصمتِ
صلى بكل الفجاجِ
الحجيجُ من الجانِ والعربِ البائدين
وصلى العماليقُ خلفك
صلى من النيل ماءٌ وراءك يسعى وما خالط الملحَ
عذبٌ فراتٌ وملحٌ أجاج تآخا وصلّا
وقد سجدَ الموجُ من فوقه الموجُ من فوقه الموج
حتى تهادى السجودُ إلى شاطئٍ أزرقَ في العيونِ
التي غالبتْ دمعَها وأقامتْ على البحرِ
ترجو وصولَك
قد سمِعَ اللهُ قولَك
قد سمِعَ الناسُ
هذا مديحُك دوّى وهزّ القلوبَ
وصوتُك طمأنَ قلبَ النبيّ محمدّ
قلبَ البتولِ التي تلتقيك هناكَ
بلا أثرٍ من صراخٍ عليك
بلا حسرةٍ من غيابك عن بيتها
كلَّ هذي السنيّ
..
كأن رحيليَ يا أمُّ
في غفوةٍ
رحتُ فيها
رأيتُ الذي كان في «الطَّفِ»
أغلقتُ عينِي
وعدتُ إلى حِجْرِ جدي
فوسدَني صدرَه وبكى وبكيتُ
رأيت ملاكًا يعاودُ نحو السماءِ
وها أنا أرجعُ يا أمُّ
أرجعُ من غفوتي
نصفَ غافٍ
إلى صدرِ حوراءَ زهراءَ
أسكنُ حتى أفيقَ من الموتِ
عطشانَ أشربُ
حين تعودُ المسيرةُ من نَيْنَوَىٰ
بيديّ ألاقيِهم وأسوقُ على الإبلِ الهائمةْ
عطاشًا
أتوا وارتَووا من زِيَارِك يا فاطمةْ
هنا ولداك اللذان على عينِك الآن يرتميان
ولن يبعدا عن بساطِك طرفةَ عينٍ
إذا ما ختمتِ التشهدَ
سلّمتِ
ردّا عليك السلامَ
ولا يكبران عليك
..
وتصعدُ والحسنُ بن علي على ظهر جدِّك وقتَ الصلاةِ
وهذا أبوك يعود إليك على وجهِه الحقُّ أبلجُ
لا يرفعون المصاحفَ فوق الرماحِ إلى وجهِه
فيميلُ إليها ويسكنُ
كي لا تُلّوثَ في الدّم آيٌ
وهذا عليٌّ يكون على الحصنِ يحرسُ ليلَك
من خنجرٍ للخوارجِ ليس تراه
ولكن قلبَ أبيك حفيظٌ عليك
على ما خرَجتَ لمكةَ تلمسُه
لا تهون النفوسُ عليك
وليس يهونُ الكتابُ
وليس يهونُ كلامُ النبيّ
وليس تهونُ عليك البلادُ
العراقُ ومصرُ
الحجازُ وسوريا
ولبنانُ والقدسُ
ليس تهونُ
وإن خذلتَك الشجونُ
بكيتَ على ما يكون بكل البلاد التي وحدتَك عليها
وما فطرَ القلبَ أنك لم تقدِ الجيشَ
يومًا تكافأتِ الكفتانِ به
لكنَّ ميلًا كبيرًا تميلُ الموازينُ
أبحرْ بنا يا حسين
الشّجونُ التي لا نهايةَ فيها
ستغلبُنا في الأخيرِ
لننشدَ
حتى يقومَ لك الحوتُ والقرشُ
كلّ الدوابِ تؤوبُ والريحُ
بشرى وبشرى وبشرى
ورأسُ الحسين يسافرُ في البحرِ سرّا
فبشرى وبشرى وبشرى
وإن تاهَ
يرشدُه الحوتُ
تسعى دماؤك
خلفَك
في البحرِ أوغلْ به
سيحالُ الزَرَاقُ إلى أحمرٍ دمويٍّ
تقومُ هنالك مملكةُ ابنِ الرسولِ
وتُرفعُ راياتُك الخضرُ فوق السفينةِ
تبحرُ دون إيابْ.
...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي