في كل نص أدبي وخصوصاً النص الروائي،يوجد خيط خفي يربط المكان بالذاكرة، ويجعل من التاريخ مرآة نشفّ من خلالها بؤس الحاضر وأحلامه،وفي تجربة الروائية العراقية الشابة أطياف السعيد، نلمس ذلك الاشتغال الجمالي الذي يجعل من اللغة مأوى، ومن البصرة بكل ثقلها البصري والتاريخي شفرة سحرية تحرّك شخوصها.

وفي هذا الحوار معها،نستكشف معاً عوالمها الروائية، ونستقرئ طريقتها في الكتابة والمكان والرمز وجرأة الخيال.
حاورها | الشاعر العراقي غسان عادل
غ.ع/ كيف تجدين تأثير البيئة البصرية العريقة التي أنجبت محمد خضير على صياغة عوالمك الروائية وشخصياتها؟
أ.س/ المكان لا يسكننا كما نظن، نحن الذين نسكنه ثم نحمله معنا أينما ذهبنا. والبصرة في كتابتي ليست خلفيةً للأحداث، إنما هي ذاكرةٌ تتخفّى في الشخصيات وتتكلم بأصواتها.
غ.ع/ ما هي الأسباب الحقيقية التي تدفعكِ أحياناً نحو اختيار التاريخ محركاً أساسياً لأحداث رواياتكِ؟
أ.س/ لأن الماضي لا يموت حين ينتهي، إنما حين نتوقف عن الإصغاء إليه. أعود إلى التاريخ لأفهم الحاضر، وأبحث في ما مضى عن الإنسان الذي ما زال يشبهنا.

غ.ع/ هل تعتقدين أن الرواية النسوية اليوم قادرة على تغيير المفاهيم السائدة في مجتمعاتنا العربية؟
أ.س/ أؤمن أن الرواية النسوية لا تأتي لتعلن الحرب على المجتمع، وإنما لتعيد للمرأة حقها في أن تُرى كما هي، لا كما يريد الآخرون أن تكون،فحين تكتب المرأة تجربتها، تتحول معاناتها من صمتٍ شخصي إلى وعيٍ يمكن أن يغيّر نظرةً كاملة للحياة.
غ.ع/ كيف تديرين العلاقة الصعبة بين الخيال الأدبي الجريء والواقع الاجتماعي المحافظ في روايتكِ "طفيف الظل"؟
أ.س/ لا أرى بينهما صراعاً؛ فالخيال أحياناً أكثر قدرةً على قول الحقيقة من الواقع،أستعين بالرمز حين يعجز الواقع عن احتمال الحقيقة عاريةً.
.jpeg)
غ.ع/ ما هو المعيار الذي تختارين على أساسه عناوين رواياتكِ؟
أ.س/ أبحث عن عنوان يشبه المفتاح؛ لا يفتح الباب للقارئ، وإنما يجعله راغباً في معرفة ما وراءه. العنوان الجيد لا يكشف الحكاية، إنما يوقظ فضولها.
غ.ع/ ما رأيكِ في واقع النقد الأدبي المعاصر، وهل يمنح الرواية حقها النقدي الكامل؟
أ.س/ النقد حين يكون قراءةً عميقة يضيء النص، وحين يتحول إلى حكمٍ مسبق يطفئه. بعض النصوص تحتاج إلى ناقدٍ يصغي إليها، لا إلى ناقدٍ يبحث عن إدانتها.
.jpeg)
غ.ع/ كيف تستطيعين الحفاظ على خيط التوتر الجذاب طوال صفحات السرد دون أن يشعر القارئ بالملل؟
أ.س/ أؤمن أن الغموض ليس إخفاءً للحقيقة، وإنما تأجيلٌ لها. أترك للقارئ سؤالاً في كل مرحلة، لأن الإنسان يواصل القراءة ما دام هناك شيء لم يفهمه بعد.
غ.ع/ هل تخضعين أحياناً لسيطرة شخوصكِ الروائية بحيث تقودكِ هي إلى نهايات لم تكن بالحسبان؟
أ.س/ حين تولد الشخصية حقاً، تكفّ عن كونها ملكاً لكاتبها. أحياناً أبدأ بقيادتها، ثم أجدها تقودني إلى المكان الذي لم أكن أعرف أنني أبحث عنه.
غ.ع/كلمة أخيرة..
أ.س/ أؤمن أن الكتابة ليست نجاةً من الألم، وإنما تحويله إلى معنى.. فما يؤلمنا اليوم قد يصبح غداً اللغة التي نكتب بها نجاتنا.
.jpeg)