loader
MaskImg

حوارات

الكاتب منتظر عبد الرحيم: "الرواية التاريخية لم تعد مهمتها سرد الماضي فقط، بل إعادة التفكير فيه"

breakLine

 


خاص بنخيل عراقي حاوره سعد حسين

 

س: بدايةً، كيف وُلدت فكرة رواية «منتصف الليل في بغداد»؟

ج: الفكرة جاءت من سؤال بسيط لكنه مُقلق: ماذا لو استطعنا رؤية التاريخ حيًا، لا كما كُتب في الكتب، بل كما عاشه الناس؟ بغداد العباسية كانت دائمًا حاضرة في ذهني، ليس بوصفها ماضيًا منتهيًا، بل زمنًا مليئًا بالحركة والتناقض. من هنا جاءت فكرة الجهاز الغامض الذي يكشف الماضي، كوسيلة سردية لاختراق الزمن.


س: اخترتَ المزج بين الفانتازيا والتاريخ، هل كان ذلك خيارًا واعيًا منذ البداية؟

ج: نعم، كان خيارًا مقصودًا. لأني أعتقد أن أي عمل فني أو أدبي—سواء كان لوحة تشكيلية، فيلمًا سينمائيًا، قصة، رواية أو حتى مقطوعة موسيقية—يقترب من الكمال حين يجمع بين عنصر الاستمتاع والقيمة الفكرية. فالموضوعات شديدة التعقيد يجب أن تُقدَّم للناس بأسلوب ممتع كي يتمكن المشاهد أو القارئ أو المستمع من استيعابها والتفاعل معها. وفي المقابل، فإن العمل الذي لا يحمل قيمة فكرية أو إنسانية، ويُنتَج فقط لغرض التسلية والترفيه، غالبًا ما يُحكَم عليه بالنسيان مهما حقق من انتشار لحظي. لذا مزج التاريخ بالفانتازيا هو مزج بين الاستمتاع والقيمة الفكرية.

 

س: لماذا جعلت بطل الرواية سائحًا إسبانيًا يصل إلى بغداد؟

ج: لأنني أردتُ شخصية تنظر إلى بغداد بلا ذاكرة مسبقة. السائح الأجنبي لا يحمل أحكامًا تاريخية أو عاطفية، بل يندهش ويسأل. هذا يتيح للقارئ أن يرافقه في الاكتشاف، وأن يرى بغداد العباسية كمدينة إنسانية قبل أن تكون رمزًا حضاريًا أو دينيًا.
 

س: الرواية تتناول الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية لتلك المرحلة، كيف تعاملت مع هذه العناصر؟

ج: حاولت أن أقدّمها من خلال تفاصيل الحياة اليومية، لا عبر خطاب مباشر. السياسة تظهر في السلطة وصراعاتها، والاقتصاد في السوق والفقر والترف، والاجتماع في العلاقات بين الناس. لم أرد أن أحاكم المرحلة، بل أن أُظهرها كما هي، بإنجازاتها وإخفاقاتها.
 

س: هل تعمّدت الابتعاد عن تمجيد العصر العباسي أو تشويهه؟
ج: بالتأكيد. أنا أؤمن أن كل عصر يحمل نوره وظلاله. التمجيد يُفقد التاريخ صدقه، والتشويه يُفقده عدالته. الرواية تحاول أن تكون مساحة محايدة، تترك للقارئ حرية التأمل والحكم.
 

س: إلى أي حد يمكن اعتبار الرواية إسقاطًا على واقع بغداد المعاصر؟

ج: ليست إسقاطًا مباشرًا، لكنها حوار بين الأزمنة. القارئ قد يلاحظ تشابه الأسئلة: السلطة، المعرفة، الصراع، الإنسان. التاريخ لا يعيد نفسه حرفيًا، لكنه يكرر أسئلته بطرق مختلفة.
 

س: كيف ترى دور الرواية التاريخية اليوم؟

ج: الرواية التاريخية لم تعد مهمتها سرد الماضي فقط، بل إعادة التفكير فيه. هي جسر بين ما كان وما نحن عليه الآن. القارئ المعاصر لا يبحث عن المعلومة بقدر ما يبحث عن المعنى.
 

س: أخيرًا، كيف تصف مشروعك الأدبي بشكل عام؟
ج: أطمح إلى كتابة روايات تطرح أسئلة أكثر مما تقدّم أجوبة، وتستخدم التاريخ لا كملاذ آمن، بل كمساحة للتأمل النقدي. أؤمن أن الأدب الحقيقي لا يطمئن القارئ، بل يوقظه.