loader
MaskImg

المقالات

مقالات ادبية واجتماعية وفنية

من مجلس يزيد إلى منبر نيويورك؛ السردية الزينبية في القرن الحادي والعشرين

breakLine
2026-09-25

 


د. فاضل علي/باحث وكاتب عراقي

في أسبوع واحد، وعلى منبر واحد، وقف خطيبان: أحدهما يروي مظلومية شعبه ويمدّ يده للحوار دون أن يُحني رأسه، والآخر يخاطب مقاعد أخلاها أصحابها احتجاجاً. مشهدان يعيدان إلى الذاكرة درساً قديماً: ليس كل من يملك القوة يملك السردية.

قد يعيد التاريخ نفسه أحياناً في قالب جديد. قبل أربعة عشر قرناً، وقفت امرأة أسيرة مفجوعة في قصر ابن زياد بالكوفة، ثم في مجلس يزيد بالشام، فقلبت بخطب معدودة معادلةً ظنّت السيوف أنها حُسمت إلى الأبد. كان يزيد يحسب أن قتل الحسين (ع) وسبي أهل بيته قد أنهى القصة، غافلاً عن أن المعركة الحقيقية بدأت للتو: معركة كتابة التاريخ. وقد افتتحت زينب (ع) هذه المعركة بجملة واحدة: «ما رأيتُ إلا جميلاً»؛ جملة حوّلت الهزيمة الظاهرة إلى نصر معنوي، وأسقطت سردية المنتصرين في اللحظة ذاتها.

واليوم، في مبنى زجاجي في نيويورك، سُمع المنطق ذاته بلغة أخرى. فخطاب الرئيس مسعود بزشكيان أمام الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة لم يكن مجرد موقف سياسي، بقدر ما كان محاولة لإسماع رواية إيران عن الحرب ومعاناة شعبها وضرورة السلام من على أرفع منبر دولي.

من الأرقام إلى الإنسان

لم تتحدث زينب (ع) في الشام عن «خوارج» كما أرادت الآلة الدعائية الأموية، بل تحدثت عن أبناء رسول الله، وعن الرؤوس المقطوعة والأطفال الأسرى، فأعادت الحرب من مستوى حسابات القوة إلى مستوى الإنسان. وقد سلك بزشكيان الطريق ذاته حين استذكر استشهاد قائد الثورة، والأطفال وطلاب المدارس، وضحايا ميناب ولامرد. وكانت الرسالة واضحة: خلف كل رقم في تقارير الحرب عائلةٌ فقدت مستقبلها.

مظلومية، ولكن بعزّة

ما يميّز الخطب الزينبية عن مجرد الرثاء هو اقتران المظلومية بالعزة. فزينب (ع) لم تتوسّل أمام يزيد، بل قالت: «فكِدْ كيدَك، واسعَ سعيَك، وناصِبْ جهدَك، فواللهِ لا تمحو ذكرَنا ولا تُميتُ وحيَنا».

وفي كلمات بزشكيان حضر المزيج نفسه: إيران مستعدة للحوار، لكنها لا تقبل لغة القوة. وجاء ردّه مباشراً على ترامب، الذي تحدث قبل يوم واحد من المنبر ذاته عن إمكانية تدمير الجمهورية الإسلامية إن لم يُتوصَّل إلى اتفاق: نعم للتفاوض، ولكن ليس تحت ظلال التهديد. أما عبارته «إمّا أن نبني الأمن معاً، أو نتحمّل انعدام الأمن معاً»، فليست تحذيراً بل دعوة إلى أمن ينبثق من تعاون دول المنطقة، لا من فرض القوى الخارجية.

مقاعد فارغة… حين تتكلم القاعة

وعلى المنبر ذاته، في الرابع والعشرين من أيلول، وقف بنيامين نتنياهو ليدافع عن سياسة حكومته، فكان المشهد مختلفاً تماماً. مع أولى كلماته، نهضت وفود دول عدة وغادرت القاعة، في مشهد تكرر للعام الثاني على التوالي، بينما تعالت صيحات الاستهجان من بعض من بقوا. وفي الخارج، أغلق متظاهرون من حركة «الصوت اليهودي من أجل السلام» الطريق أمام مقر الأمم المتحدة، مطالبين بوقف الحرب على غزة وحاملين لافتات تصفه بالمطلوب بتهمة الإبادة الجماعية، فيما اعتقلت شرطة نيويورك نحو مئة منهم وفق مصدر أمني تحدث لمجلة «نيوزويك». والرجل، في نهاية المطاف، مطلوب للمحكمة الجنائية الدولية بتهم جرائم حرب في القطاع.

ولم يجد نتنياهو ما يردّ به سوى وصف المنسحبين بأنهم «جبناء أخلاقياً»، مدّعياً أن قادة بعض هذه الدول «شكروا إسرائيل سراً» على ضرب المنشآت النووية الإيرانية. وهنا تكمن المفارقة: خطيب يملك الطائرات والصواريخ والدعم الغربي، لكنه يضطر إلى الاستناد إلى «شكر سرّي» لا يجرؤ أحد على إعلانه، ويخاطب مقاعد فارغة لا تصغي إليه.

أليس هذا ما جرى في الشام قبل أربعة عشر قرناً؟ جلس يزيد على عرشه منتشياً بالنصر، لكن خطبة زينب (ع) وخطبة الإمام السجاد (ع) من بعدها قلبتا المجلس عليه، حتى وجد نفسه يتبرأ من الجريمة ويلقي تبعتها على ابن زياد. القوة تستطيع أن تحتل الأرض، لكنها لا تستطيع أن تُجبر الضمائر على التصفيق.

غزة؛ كربلاء الممتدة

إذا كانت كربلاء رمزاً لمواجهة الحق والقوة في التاريخ الإسلامي، فإن غزة اليوم واحدة من أشد مشاهد تلك المواجهة مرارة. وطرح بزشكيان للقضية الفلسطينية كان تأكيداً على مبدأ واضح: إن كنا نتحدث عن النظام الدولي وحقوق الشعوب، فلا يمكن لهذه المبادئ أن تتوقف عند حدود غزة. وقد جاءت هتافات المتظاهرين في شوارع نيويورك، «دعوا غزة تعيش»، لتقول الشيء ذاته بلغة الشارع.

كلمة أخيرة

علّمتنا الخطب الزينبية أن المنبر قد يكون أمضى من السيف، وأن من يمتلك السردية هو من يكتب التاريخ في نهاية المطاف. وما شهدته الأمم المتحدة هذا الأسبوع كان درساً مصغّراً في ذلك: خطاب يُصغى إليه لأنه يتحدث بلغة الإنسان، وخطاب يُقاطَع لأنه يتحدث بلغة القوة وحدها. وكما تجاوز صوت زينب (ع) قصر يزيد وبقي خالداً في التاريخ، فإن صوت الشعوب التي تقف في وجه العدوان لن يبقى بلا صدى. ورسالة اليوم هي رسالة الأمس: لم نختر الحرب، لكننا لا نستسلم أمام العدوان؛ والسلام لا يدوم من دون عدالة واحترام لسيادة الشعوب. ذلك أن هذه المدرسة هي مدرسة الحسين؛ مدرسة «هيهات منّا الذلّة».

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي