مقالات ادبية واجتماعية وفنية
إبراهيم رسول
ناقد | عراقي
"المال في يد العارف خادم لا سيّد" (الرواية, ص 21).
بهذه العبارة، تضعنا الكاتبة اللبنانية والأديبة ناتالي الخوري غريب أمام تصوّرٍ يتجاوز علاقة الإنسان بالمال إلى علاقته بالعالم كلّه؛ فالمسألة ليست في امتلاك الأشياء، بل في الموقع الذي تحتلّه داخل الوعي الإنساني, حين يصبحُ المال سيّدًا، يفقدُ الإنسانُ شيئًا من حريّته، وتغدو رغباته قيودًا تُحدّد خياراته وتوجّه مصيره؛ أمّا حين يكون خادمًا، فإنَّ الإنسانَ يستعيد قدرته على الاختيار، ويعيد ترتيب علاقته بما يملك، من دون أن يسمح للمادّة بأن تستولي على روحه. ومن هذه العتبة الفكريّة يمكن الدخول إلى رواية " الهارب "، حيث لا يبدو الفرار مجرّد حركة في المكان، بل احتمالًا للتحرّر من أنماط العيش والتفكير التي تستعبد الإنسان، وتمنعه من الإصغاء إلى أسئلته العميقة.
تخرج إلينا المبدعة ناتالي الخوري غريب بعملها الروائي الجديد "الهارب"، حاملةً عنوانًا لا يستنفد دلالته في معناه المباشر؛ فالهارب، في ظاهر الكلمة، هو مَن يغادر مكانًا أو يبتعد عن شيء يطارده، لكنّ العنوان، في أفقهِ المجازي، يفتحُ بابًا آخر للتأويل: ماذا لو لم يكن الفرار انسحابًا من المواجهة، بل محاولةً لاستعادتها في شروط مختلفة؟ وماذا لو غادر الإنسان ما اعتاده لا لأنَّه عاجزٌ عن البقاءِ، بل لأنَّ البقاءَ نفسه صار عائقًا أمام اكتشاف حقيقة جديدة عن ذاته والعالم؟.
من هنا، لا أقرأ الهارب بوصفه شخصيةً تدير ظهرها للحياةِ، بل بوصفه إنسانًا يسعى إلى تغيير موقعه منها، وإعادة النظر في المسلّمات التي تحكم علاقته بها, فالفرار، وفق هذا المنظور، لا يعني دائمًا الخوف، كما أنَّ البقاءَ لا يدلُّ بالضرورةِ على الشجاعةِ؛ إذ قد تكون المغادرة فعلًا من أفعال الإرادة، حينَ يكتشف الإنسان أنَّ الاستمرارَ في الطريقِ المألوف لا يقوده إلا إلى تكرار ذاته. إنَّه فرارٌ إيجابيٌ، لا يستمدّ معناه من الشيء الذي يتركه الهارب خلفه فحسب، بل من الوجهة التي يقصدها، ومن الإمكان الذي يفتحه أمامه.
وتكتسب هذه القراءة حضورًا بصريًا لافتًا في لوحة الغلاف، حيث يتجه الهارب نحو ضوء الشمس والماء, فالصورة لا تقدّم حركة ابتعاد وحسب، بل ترسم اتجاهًا نحو عناصر تنطوي على إمكانات رمزية متعددة. الشمس، بما تبعثه من ضوء، تستدعي معنى الانكشاف والخروج من العتمة، فيما يحيل الماء إلى الحياة والتجدّد والعبور. وبين الضوء والماء، تتشكّل صورة توحي بأنّ الغاية ليست الفرار من مكان بعينه، بقدر ما هي التوجّه نحو أفق مختلف، تتبدّل فيه علاقة الإنسان بنفسه وبما يحيط به.
ولعلَّ أهميةَ الغلاف تكمن في أنَّه لا يحسم معنى الرحلة، بل يهيّئ القارئ للدخول إليها محمّلًا بالأسئلة, فالضوء لا يمنح المعرفة تلقائيًا، كما أنَّ الوصول إلى الماء لا يعني بالضرورة بلوغ الطمأنينة؛ إنّما تظلّ هذه العناصر إشاراتٍ تكتسب قيمتها من علاقتها بمسار الشخصية وتجربتها. ومع ذلك، فإنّ اتجاه الهارب نحو الشمس يمنح العنوان مفارقة دالّة: قد يغادر الإنسان شيئًا، لكنّ حركته لا تُفهم تمامًا إلا إذا نظرنا إلى ما يسعى إليه. وهكذا يتحوّل السؤال من: ممَّ يهرب؟ إلى: نحو ماذا يمضي؟.
إنَّ هذا الانتقال هو ما يمنح فعل الكشف أهميّته في قراءة الرواية, فالكشفُ ليس مجرّدَ العثور على إجابة أو إزالة غموض يحيط بحقيقة ما؛ إنّه، في معناه الأعمق، مواجهة الإنسان لما كان يحجبه عن نفسه، وإعادة النظر في رؤيته للعالم. وقد يكون أصعب ما يواجهه المرء ليس ما يعترض طريقه من الخارج، بل ما استقرّ في داخله من تصوّرات ومخاوف وأوهام جعلها حقائق لا تقبل المساءلة. عندئذٍ، لا يعود الكشف معرفةً تضاف إلى معارفه، بل تحوّلًا في طريقة النظر، يغيّر معنى الأشياء وموقع الإنسان منها.
من هنا تتقاطع الدلالة الفلسفية مع الأفق الصوفي في (الهارب). فالفلسفة تضع الإنسان أمام أسئلة الحرية والمعنى وحدود المعرفة، فيما يفتح التصوّف مجالًا للتأمل في الباطن، وفي المسافة بين امتلاك المعرفة وتحقّقها في التجربة. ولا يبدو هذا التداخل، في مستواه الأعمق، جمعًا بين خطابين منفصلين، بل محاولةً للنظر إلى الإنسان بوصفه كائنًا لا تكفيه معرفة العالم من الخارج ما لم يختبر علاقته به من الداخل. فأن يعرف المرء الطريق لا يعني أنّه قطعه، وأن يتحدّث عن الحقيقة لا يعني أنّه واجه مقتضياتها في حياته.
وفي هذا السياق، ترد العبارة: (التصوف ليس هروبًا من العالم، بل إصلاح له من دون الذوبان فيه) (الرواية، ص 133)، وهي عبارة تضيء المفارقة التي يقوم عليها عنوان الرواية، وتمنح مفهوم الفرار دلالةً تتجاوز الانسحاب إلى إعادة تحديد العلاقة بالعالم. فالتصوّف، وفق هذا التصوّر، لا يقتضي أن يتخلّى الإنسان عن الحياة أو يعتزل أسئلتها، بل أن يعيد النظر في طرائق حضوره فيها؛ أن يشارك من دون أن يفقد استقلاله، وأن يمتلك من دون أن يصبح مملوكًا لما يمتلك، وأن يقترب من الآخرين من دون أن يتنازل عن حريته الداخلية.
إنَّها رؤية تميّز بين التحرّر من العالم والتحرّر من الاستعباد له, فالأوّل قد ينتهي إلى القطيعة، أمّا الثاني فيتيحُ للإنسانِ أن يعيشَ في العالم بوعي مختلف، وأن يتعامل مع متغيّراته من دون أن يجعلها المقياس الوحيد لقيمته ووجوده. وبذلك لا يكون الفرار نقيضًا للمواجهة، بل قد يصبح شرطًا لها؛ إذ يحتاج الإنسان أحيانًا إلى الابتعاد عن الضجيج كي يسمع ما كان يعجز عن سماعه، وإلى مغادرة المألوف كي يكتشف مقدار ما فرضه المألوف على رؤيته للأشياء.
غير أنّ هذا الابتعاد لا يمنح صاحبه حصانةً من الأسئلة، ولا يعفيه من مواجهة تناقضاته. فالهارب لا يستطيع أن يضمن أنّ المسافة التي يقطعها ستقوده إلى الحقيقة، كما لا يستطيع أن يفترض أنّ تغيير المكان سيغيّر بالضرورة ما يحمله في داخله. هنا تتجلّى القيمة الفلسفية للرحلة: ليست في وعدها بخلاصٍ سهل، بل في قدرتها على وضع الإنسان أمام مسؤوليته عن المعنى الذي يمنحه لحياته. فالطريق لا يصنع الوعي وحده؛ إنّما يكشف، في كثير من الأحيان، ما كان الوعي يتجنّب النظر إليه.
لعلّ العبارة التي تقول: "وحده المجنون يبدو على محيّاه الفرح والطمأنينة" (الرواية، ص 82)، تفتح بدورها بابًا للتأمل في العلاقة بين الإنسان والعالم، وبين ما يشعر به في داخله وما ينتظره المجتمع من ملامحه وسلوكه. فالفرح والطمأنينة، اللذان يُفترض أن يكونا علامتين على الاستقرار، قد يبدوان في عالم مضطرب أمرين عصيّين على التفسير؛ حتى يصبح من لا يخضع لمقاييس الآخرين موضع استغرابهم. لكنّ المفارقة هنا لا تستلزم تمجيد الجنون أو اعتباره طريقًا مضمونًا إلى الحكمة، بل تثير سؤالًا عن المعايير التي نقيس بها سلام الإنسان: أهي مطابقة سلوكه لتوقعات الآخرين، أم قدرته على بلوغ نوع من التصالح مع ذاته؟
إنَّ ما يستوقفني في هذه العبارة هو التوتر الذي تقيمه بين المظهر الخارجي والطمأنينة الداخلية, فالمجتمع قد يخلط بين الاتزان والامتثال، كما قد ينظر بريبة إلى كلّ مَن يخرج عن الصورة المألوفة للسعادة. ومن هذه الزاوية، يمكن أن تتصل العبارة بفكرة الهروب بوصفه تحرّرًا من سلطة النظرة الخارجية، لا بوصفه رفضًا للناس أو إنكارًا للعالم. فليس كلّ ما يبدو غريبًا فاقدًا للمعنى، وليس كلّ ما يحظى بقبول الآخرين دليلًا على أنّ صاحبه قد بلغ السلام الداخلي.
وتتجلّى أهمية هذا البعد حين ننظر إلى العلاقة بين المعرفة والتجربة. فالأفكار الفلسفية والصوفية تفقد جانبًا من قدرتها على التأثير إذا بقيت محصورة في مستوى القول، أمّا حين تدخل في صميم التجربة الإنسانية، فإنّها تتحوّل إلى أسئلة تمسّ اختيارات الإنسان وعلاقاته وموقفه من ذاته. وهنا يكون الرهان الفني للرواية: كيف تمنح الأفكار جسدًا سرديًّا؟ وكيف تجعل التأمل جزءًا من حركة الحياة، لا وقفةً منفصلة عنها؟ إنَّ قيمةَ الكتابة التي تتّخذ من الفلسفة والتصوّف أفقًا لها لا تُقاس بكثرة الأفكار التي تطرحها، بل بقدرتها على تحويلها إلى تجربة روائية تُختبر آثارها في الشخصيات ومساراتها.
وعلى هذا الأساس، لا يعود عنوان (الهارب) مجرّد تسمية لشخصية أو وصف لحركة، بل يصبح مدخلًا إلى مساءلة معنى الحرية ذاتها, فالحريّة ليست أن يغادرَ الإنسان كلّ ما يقيّده فحسب، بل أن يفهم طبيعة القيود التي تحكمه، وأن يُميّز بين ما ينبغي التخلّي عنه وما يستحقّ أن يظلَّ حاضرًا في حياته. وقد يهرب المرء من سلطة المال، أو من أحكام الآخرين، أو من صورة صنعها لنفسه، لكنّه لا يبلغ تحرّره بمجرّد الابتعاد؛ إنّما يبدأ ذلك حين يواجه حقيقة علاقته بما تركه، ويفهم الأسباب التي جعلته أسيرًا له.
لهذا أرى أنَّ الانتقالَ من الفرارِ إلى الكشفِ لا يعني انتهاء الهروب والوصول إلى حقيقة نهائية، بل يشير إلى تغيّر في طبيعة الرحلة نفسها؛ من حركة تحكمها الرغبة في الابتعاد، إلى حركة يوجّهها السعي إلى الفهم. وفي هذا التحوّل تكمن المفارقة التي يمنحها العنوان للقارئ؛ فالهارب قد يكون أكثر اقترابًا من الحقيقة في لحظة مغادرته، شرط ألّا يجعل المغادرة غايةً مكتفيةً بذاتها، وألّا يستبدل قيدًا بآخر، أو يهرب من مواجهة العالم ليصنع من عزلته عالمًا لا يقلّ انغلاقًا.
إنّ الشمس والماء في لوحة الغلاف يظلان، في هذا الأفق، علامتين على وجهة ممكنة لا على نهاية مضمونة. فالضوء يكشف، لكنه يكشف أيضًا ما قد يكون الإنسان غير مستعدّ لرؤيته، والماء يمنح الحياة، لكنه لا يختصر تعقيد التجربة الإنسانية. وبينهما يمضي الهارب نحو ما لا يعرفه كامل المعرفة، مدفوعًا برغبة في تجاوز حدود ما ألفه، واختبار إمكان آخر للعيش والفهم.
وهكذا، تتحدّد دلالة (الهارب) في المسافة الفاصلة بين المغادرة والمواجهة؛ فليس كلّ فرار ضعفًا، كما أنَّ الكشف ليس وصولًا سهلًا إلى الحقيقة. قد يكون الفرار فعل شجاعة حين يحرّر الإنسان من سلطة ما يستنزفه، وقد يكون الكشف لحظة مواجهة حين يضطرّ إلى النظر في ما ظلّ يتجنّبه. أمّا الرحلة الأعمق، فهي التي لا تكتفي بتغيير المكان، بل تغيّر طريقة النظر إليه؛ فلا يعود العالم سجنًا ينبغي الفرار منه، ولا تصبح الذات حقيقةً مكتملةً ينبغي الاكتفاء بها، بل يغدو الوجود كلّه مجالًا مستمرًا للسؤال والمراجعة وإعادة الاكتشاف.
فالهارب، في النهاية، ليس مَن يترك العالم وراءه بالضرورة، بل مَن يحاول أن يعود إليه بعينين مختلفتين؛ وقد لا يكون الكشف أن يجدَ الإنسان ما كان يبحث عنه، بقدر ما يكون أن يصبح قادرًا على رؤية ما كان أمامه طوال الوقت، من دون أن يعرف كيف يراه.
.jpeg)

...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي