loader
MaskImg

المقالات

مقالات ادبية واجتماعية وفنية

ملعون دوستويفسكي.. حين تعود الجريمة إلى أرض لا تعرف معنى العقاب

breakLine
2026-08-21

 علاء أحمد الشاهين
ناقد | عراقي

 


ليس من السهل أن يقترب كاتب من دوستويفسكي من دون أن يقع في ظله. فـ(الجريمة والعقاب) ليست رواية يمكن استعارتها ثم إعادة سردها ببساطة، لأنها قبل أن تكون حكاية جريمة، هي امتحان طويل للضمير، وللعلاقة الملتبسة بين الإنسان وفكرته عن الخير والشر. لكن عتيق رحيمي، في روايته (ملعون دوستويفسكي) ، لا يحاول أن يكتب نسخة أفغانية من رواية دوستويفسكي بقدر ما يضع الرواية الروسية داخل جرح أفغاني مفتوح، ثم يسأل: ماذا يحدث للجريمة عندما تقع في مجتمع اعتاد الموت إلى الحد الذي لم يعد فيه للقتل ذلك الأثر الأخلاقي الذي كان له عند راسكولنيكوف؟
تفوم الفكرة الأساسية للرواية على استدعاء (الجريمة والعقاب) إلى أفغانستان، عبر شخصية رسول، الشاب الذي يرتكب جريمة قتل في كابول، ثم يجد نفسه في مواجهة سؤال أكبر من الجريمة نفسها: هل يمكن للقتل أن يكون له معنى؟
منذ الجملة الأولى، يعلن رحيمي بوضوح أنه لا يريد إخفاء علاقته بكتاب دوستويفسكي. يقول:
(ما كاد رسول يرفع الفأس كي يضرب رأس المرأة العجوز حتى عبرت رواية الجريمة والعقاب في ذهنه). 
وهنا تبدأ اللعبة الحقيقية. فرسول ليس راسكولنيكوف آخر فحسب، والفأس ليست مجرد أداة قتل، والعجوز ليست مجرد معادِل أفغاني للعجوز المرابية في الرواية الروسية. رحيمي يأخذ المشهد الشهير من (الجريمة والعقاب) ويضعه في كابول التي أنهكتها الحرب، وكأنه يريد أن يعرف إن كانت الأسئلة التي طرحها دوستويفسكي في القرن التاسع عشر ما تزال قادرة على الصمود في بلد أصبح القتل فيه جزءاً من الحياة اليومية. وقد لاحظت دراسات نقدية للرواية أنها تقوم تحديداً على إعادة كتابة (الجريمة والعقاب) وتحويلها إلى سؤال عن الخراب الأفغاني.
لكن المفارقة الأكثر قسوة تأتي بعد الجريمة.
رسول يعود إلى مكان العجوز، منتظراً أن يجد آثار الجريمة، أن يرى الشرطة، أو أن يشعر بأن المدينة قد اهتزت لما فعل. لكنه لا يجد شيئاً،الحياة مستمرة، الناس يمشون، المكان هادئ. لا أحد يبدو معنياً بجثة أو قاتل، وهنا يصبح السؤال أكثر رعباً من الجريمة نفسها: ماذا لو لم يهتم أحد؟، هذه النقطة بالذات تمنح الرواية خصوصيتها.
عند دوستويفسكي، الجريمة تفتح داخل راسكولنيكوف هاوية نفسية هائلة، أما عند رحيمي فإن الجريمة تصطدم بمجتمع استهلكته جرائم أكبر منها، ولذلك يصبح عذاب رسول مختلفاً: هو لا يعاني فقط لأنه قتل، بل لأنه يريد أن يعرف إن كان لقتله قيمة أصلاً.
كأن رحيمي يقول لنا إن المأساة الحقيقية ليست دائماً في أن يرتكب الإنسان جريمة، وإنما في أن يعيش في مكان تصبح فيه الجريمة حدثاً عادياً لا يملك القدرة على إيقاظ ضمير أحد.
ولهذا يبدو رسول شخصية قلقة، معلقة بين رغبة في الاعتراف ورغبة في تبرير ما فعل. إنه يريد أن يمنح جريمته معنى، يريد أن يقول إن ما فعله ليس مجرد قتل، بل فعل احتجاج على قتلة أكبر، وعلى تاريخ طويل من الدم لم يخضع للمحاسبة. وهنا تتسع الرواية من سؤال فردي إلى سؤال سياسي وأخلاقي: من يحاكم من؟ ومن يملك حق إدانة القاتل إذا كان المجتمع نفسه قد فقد ذاكرته الأخلاقية؟
ولعل أجمل ما في الرواية أن رحيمي لا يقدم لنا رسول بوصفه قاتلاً شريراً بالمعنى التقليدي. إنه شخصية مضطربة، مكسورة، تبحث عن تفسير لنفسها قبل أن تبحث عن تبرئة نفسها. ولذلك تأتي عبارته:
(وهذا أيضا يتعبني .. هذا العجز عن افهامي وعن فهم العالم)، وهي جملة تبدو، للوهلة الأولى، بسيطة، لكنها تختصر مأزق الشخصية كله. رسول لا يفهم العالم، وفي الوقت نفسه عاجز عن فهم نفسه. وهذه الثنائية هي إحدى أكثر النقاط دوستويفسكية في الرواية: الإنسان ليس لغزاً لأن العالم غامض فقط، بل لأنه يحمل داخله تناقضات لا يستطيع هو نفسه حلها.
ومن هنا يصبح عنوان الرواية (ملعون دوستويفسكي) أكثر من مجرد عنوان ساخر. إنه صرخة ضد ذلك الكاتب الذي جعل الجريمة باباً لا ينتهي إلى الأسئلة. فلو أن رسول قتل وانتهى الأمر، لكانت الرواية حكاية بوليسية عادية. لكن دوستويفسكي، أو بالأحرى ظله الثقيل، لا يسمح له بذلك. يلاحقه في ذاكرته، في أفكاره، وفي الطريقة التي ينظر بها إلى جريمته.
كأن رسول يريد أن يقول: لماذا جعلتني أفكر بعد أن قتلت؟ و هنا تكمن لعنة دوستويفسكي.
إن رحيمي لا يكتب عن الجريمة بقدر ما يكتب عن ما بعد الجريمة، عن ذلك الفراغ الذي يتركه الفعل حين يفقد العالم قدرته على تفسيره. ولذلك تبدو الرواية أحياناً كأنها محاكمة بلا قاضٍ، أو تحقيقاً بلا شرطي، أو اعترافاً لا يعرف صاحبه لمن ينبغي أن يعترف.
وفي هذا السياق تصبح الذاكرة شخصية أساسية في الرواية، حتى لو لم تظهر بأعتبارها شخصية بالمعنى التقليدي. فالحرب الأفغانية ليست مجرد خلفية للأحداث، إنها الذاكرة التي تتحرك تحت كل مشهد. الماضي لم ينتهِ، والقتلى لم يختفوا، والجريمة الفردية التي ارتكبها رسول تبدو صغيرة أمام تاريخ طويل من الجرائم التي لم تجد قاتلاً واضحاً ولا محكمة عادلة، ولذلك تأتي العبارة:
(بإمكاننا هدم كل شيء، إلا الذاكرة، لا يمكن حذف الذكريات، أبداً). 
وهي من أكثر العبارات دلالة على مشروع الرواية. فالخراب يستطيع أن يهدم البيوت والشوارع والمؤسسات، لكنه لا يستطيع أن يمحو ما بقي في ذاكرة الإنسان. وربما لهذا السبب تحديداً يبدو رسول مسكوناً بالماضي أكثر من خوفه من المستقبل.
واللافت كذلك أن رحيمي لا يتعامل مع مفهوم (الخير) بوصفه حقيقة واضحة. الخير نفسه يصبح موضع شك. ففي عالم الرواية، قد يرتكب الإنسان الشر وهو يظن أنه يفعل الخير، وقد يتحول الذين رفعوا شعارات الخلاص إلى أدوات جديدة للقمع والقتل. ومن هنا تأتي إحدى العبارات اللافتة:
(كي تفعل الخير، لابد من المعاناة).
إنها جملة تبدو كأنها تحمل حكمة أخلاقية، لكنها داخل الرواية أكثر التباساً، لأن المشكلة ليست في المعاناة وحدها، بل في السؤال عن حدود الخير: هل يمكن أن نرتكب الشر للوصول إلى الخير؟ وهل يستطيع القاتل أن يمنح جريمته شرعية أخلاقية بمجرد أن يضع لها هدفاً نبيلاً؟
وهذا تحديداً هو قلب (الجريمة والعقاب) ، لكن رحيمي يغير موقع السؤال، عند دوستويفسكي كان السؤال متعلقاً بفلسفة الفرد وإرادته وقدرته على تجاوز القوانين الأخلاقية، أما عند رحيمي فإن الفرد يتحرك داخل تاريخ جماعي من العنف، ولذلك يصبح من الصعب الفصل بين جريمته الشخصية وجرائم المجتمع الذي أنجبه.
حتى الكرامة، وهي قيمة حاضرة بقوة في الرواية، لا يقدمها رحيمي بصورة رومانسية، بل يضعها أمام هشاشة الإنسان. يقول:
(يدرك أن الكرامة ليست عبارة عن كبرياء ذكورية حمقاء، ولا هي نوع من العبث الأخلاقي القبلي، إنها تكمن ببساطة في إرادة الإنسان في تحمل ضعفه، وجعله محترماً).
وهنا يبدو رحيمي أكثر اهتماماً بالإنسان الضعيف منه بالإنسان المنتصر. فالكرامة عنده ليست القوة ولا القدرة على الانتقام، وإنما القدرة على الاعتراف بالضعف. وهذا موقف مهم، لأن عالم الرواية محكوم برجال يتحدثون باسم القوة والدين والسياسة والشرف، بينما الإنسان الفرد يضيع بينهم.
ولعل هذا ما يجعل الرواية، رغم بنيتها البوليسية، بعيدة عن أن تكون رواية بوليسية خالصة. التحقيق في الجريمة موجود، لكن التحقيق الأهم يجري داخل النفس. ومن هذه الناحية، فإن رحيمي يستفيد من الشكل البوليسي ليقوده إلى مكان آخر: إلى الرواية النفسية، ثم إلى الرواية السياسية، ثم إلى سؤال فلسفي عن المسؤولية والعدالة.
أما أكثر الجمل التي تختصر مأزق رسول فهي:
(لا أريد مغادرة هذا العالم دون أن أقول شيئاً، دون أن يكون لدي الكلمة الأخيرة).
إنها ليست رغبة في الكلام فقط، بل رغبة في امتلاك الرواية. فالإنسان الذي عاش في عالم تُكتب فيه الحقائق من قبل الأقوياء يريد، قبل موته، أن يقول نسخته الخاصة. وهنا تتحول الكتابة نفسها إلى نوع من المقاومة.
ولذلك يمكن قراءة (ملعون دوستويفسكي) بأعتبارها رواية عن من يملك حق رواية الجريمة. القاتل لديه روايته، والضحية لديها روايتها، والمجتمع لديه روايته، والتاريخ لديه روايته، وحتى دوستويفسكي لديه روايته التي تفرض ظلالها على النص كله.
لكن رحيمي لا يسمح لأي رواية منها بأن تكون نهائية، وهذه ربما إحدى نقاط قوة الكتاب: أنه لا يمنح القارئ راحة الحكم السريع. لا يقول لنا ببساطة إن رسول مجرم وعليه أن يعاقب، ولا يقول إن المجتمع هو المجرم الحقيقي وأن رسول بريء. إنه يضعنا في المنطقة الرمادية التي يصعب فيها الفصل بين الضحية والجلاد، وبين الجريمة والعقاب، وبين العدالة والانتقام.
وفي النهاية، تبدو (ملعون دوستويفسكي) وكأنها رسالة طويلة من كابول إلى بطرسبورغ. رسالة تقول إن أسئلة دوستويفسكي لم تمت، لكنها تغيرت. لقد خرج راسكولنيكوف من غرفته الروسية الضيقة ودخل مدينة أفغانية مدمرة، وحمل فأسه معه، لكنه اكتشف أن الجريمة التي يرتكبها ليست أكبر جرائم المدينة.
وهنا تحديداً ينجح عتيق رحيمي في أن يجعل من دوستويفسكي حاضراً وغائباً في آن واحد. حاضراً لأن (الجريمة والعقاب) تسير في عروق الرواية، وغائباً لأن الواقع الأفغاني يفرض أسئلته الخاصة التي لا يستطيع دوستويفسكي أن يجيب عنها نيابة عن رحيمي.
(ملعون دوستويفسكي) ليست رواية عن تقليد كاتب روسي، بل عن محاولة التخلص من ظله. غير أن التخلص من دوستويفسكي لا يحدث بالابتعاد عنه، وإنما بمواجهته. وهذا ما يفعله رحيمي: يأخذ الجريمة، ويعيد وضعها في عالم آخر؛ يأخذ راسكولنيكوف، ويمنحه اسماً أفغانياً، يأخذ سؤال العقاب، ثم يضعه أمام مجتمع لم يعد يعرف بالضبط من ينبغي أن يعاقب.
وفي ذلك كله، تظل الجملة الأكثر مرارة هي أن الإنسان قد يستطيع هدم كل شيء، لكنه لا يستطيع بسهولة أن يهدم ذاكرته.
وهذه، في تقديري، هي لعنة الرواية الحقيقية: أن يبقى الإنسان حياً بما يكفي ليتذكر، وبما يكفي أيضاً ليتساءل إن كان ما فعله يستحق كل هذا العذاب.

 

 

 

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي