مقالات ادبية واجتماعية وفنية
اسماعيل ابراهيم عبد
ناقد | عراقي
بجهد وتأنٍ يبث لنا الكاتب حميد الكناني (318) قصة قصيرة جداً، يضمها متحفه المُرَتَّب بصور من "القص الموجز"؛ انه كتاب (متحف الصدمات) قصص قصيرة جداً، صادرة عن دار السرد، بغداد 2026.
هذه القصص مبنيّة على تصميم الإيجاز الكبير للجمل النحوية، وتركيز مناسب للأفكار.. ولعل أول صدماتها هو العنوان؛ هو نحت لعنوان قصة من المتن هي"متحف الصدمة" عند الصفحة 22. وما يتلو العنوان ؛ لن يكتفي بالصدمات اللفظية والدلالية فقط، إنما تعدّاها الى صدامات وصدامات على مستوى البناء والغايات. هذا العدد الكبير الموزّع على مئة وأربع صفحات؛ احتفى بمجموعة قضايا ومواقف تكاد تغطي خلجات النفس البشرية المهمة، تلك المتعلقة بطبيعة خفايا الناس الذاتية، وخفايا نشاطاتهم الاجتماعية المتعددة المختلفة والمتخالفة ـ المتخلفة أحياناً ـ
الكاتب في متحفه هذا لا يوجّه رسالةً واحدة، انه ينحو ان يدنو عشرات القضايا بترتيب؛ يكون اسهاماً قيمياً ـ الى حد ما ـ في معالجة تلك القضايا الممتدة على أكثر من 1560 سطراً. أي بما يعادل ـ تقريباً ـ 12480 كلمة.
هذا الامتداد ليس امتداداًعفوياً ولا لعباً بلا هدف، إنه صُنِعَ ليصير متحفاً يستوعب جميع الداخلين إليه من القرّاء. وفوق هذا سيصطدم بنواياهم وطواياتهم المتخفية عبر البوح غير المباشر لأسرارهم ومكنونات رغباتهم.. تُرى أثمة فلسفة خاصة للقص هذا؟..لنتابع وقد نحصل على الاجابة المناسبة. أولاً: متحف أم معرض؟
سنُعِدُّ متحفَ الصدمات معرضاً للعنوان والعنونات اللاحقة؛ في هذا نرى: بما أن عنوان المجموعة "متحف الصدمات"، مولّد عن قصة متحف الصدمة؛ فـ/
1ـ لماذا صيغ العنوان بقيمة الجمع (الصدمات)؟.
2ـ لماذا هو ليس متاحف (الصدمات)؟.
3ـ لماذا ليس متحف (صدمات) وليس الصدمات؟. 4ـ أين هي الصدمات؟.
5ـ كيف يتشكل هيكل متحف الصدمات في متون المجموعة؟.
الأسئلة الخمسة لها أجوبة خمسة، انها ستحدد فلسفة العنوان وارتباطه بالعنونات الداخلية.
لنقل:
1ـ صِيغ العنوان بقيمة الجمع، لأن القاص (حميد الكناني) قد صيّرَهُ خلفية وعمق للقصص كلها، باعتقاده؛ ان كل صدمة لن تذهب عن النفس مهما تعداها الزمن، وسيراها الناس كأنما هي تحفة معروضة على الجميع. وبرأيي انه يعتقد ـ ربما ـ ستمثل حالاً لصدمات مرّتْ وستمر بها الأنفس البشرية جميعها.
2ـ ولكون مستثمر (الصدمات) ومالك سرّها (حميد الكناني) ليس بطراً ولا متزعماً لرأس مال يستدر أرباحاً، فهو له قدرة واحدة ليفتح متحفاً واحداً؛ معروضاته صدمات ستلحق وتلتصق بجميع الناس، فلن يحتاج الى متاحف جديدة. سيكون بداخل كل فرد متحف، ولكل (داخل) معرض لصدماته الخاصة على الأقل.
3ـ لقد قرر الكاتب ان يكون المتحف معرفاً بـ (أل) لأنه يرى؛ وأنا معه كذلك، كلَ نفس لها متحف يعرفه جميع الناس، ووراء كل نفس صدمات معروضة فيه، فلا حاجة لجعله غير معرّف، كونه مفضوحاً يوماً ما "شاء أم لم يشئ حمّالو الصدمات.
4ـ قد استعجلُ الأمرَ ان قلتُ؛ لجميع القصص صدمات لاذعة طريفة، عددها (318) صدمة = 318 لذعة = 318 خفاء مفضوحاً.
5ـ للمتحف هيكل مؤلف من/ (الناس، القاص، فعل التصادم الدرامي، الرسالة)؛ وللصدمات هيكل يتألف من ستتة أطراف، هي/ (العبرة، الندم، السخرية، المتعة الحرة، التجربة اللغوية، طرافة القص).
بظني ان القارئ فَهِمَ ـ بعد التوضيح السابق ـ أن ارتباط العنوان بالعنونات الداخلية هو ارتباط فني وقيمي من جنبة البناء (للعنوان)، والمعنى من جنبة (عنونات القصص) بداخل متن الكتاب. ثانياً: قص لا حدثي
ان القصة القصيرة جداً هي قصة ذات تركيب ذُهالي مُزاح خارج عن فيض الذاكرة غير المنتظم. وهذا النوع يعتمل تكوّنه في لاوعي الكاتب حين يمارس التركيب والترتيب والتفتيت الجملي لأجل أقلمة (ما) بين ذاته الانفعالية، وقولية روي المرسل، بذهالية خاصة متشبعة برغبة الابداع، هذه الذُهالية تحتمل وجود شرطين هما: دربة مسبقة في الكتابة القصدية + فيض كبير من مزاح الذاكرة، كون القاص منغمراً بعملية جدية، فيشعر بأهمية هذا الفيض الذي أصبح وعياً وحكماً نهائياً بثبوت كيان نوعه القصصي. أي باقراره انه يشتغل بقص موجز هو القصة القصيرة جداً. يمكن القول أيضاً أن نصوص (متحف الصدمات) ذُهال نصي يشبه التمرين الكتابي، كلها توحي بملحقات لن يصرح الكاتب بها، كلها تعتمل بنفس وفكر وذُهال او ذهن الكاتب، ولا شيء خارج ذلك. وتمرين الكتابة هذه منتج بحالة آنية؛ وانتاجيته متأتية من كون النصوص تحتفظ بعفوية وطبيعة وتلقائية خاصة، يمكن أن تؤلف موضوعاً مستمر الحيوية..وكونه منتجاً فخزينه يتزود من خلائط عقلية/وجدانية، تمثل خصوبة الانتاج، كونه مكثف العبارة والدلالة. لنأخذ نموذجين بشكل عشوائي هما:
نور المناداة/ ص16
"الظلام؛ عيدان الثقاب تطرده، لم يشتعل العود الأخير، فنور بيته ناداه بأمان".
رقص المساحي/ ص89
"نقيق الضفدعة ربيعٌ، وهديلُ الحمامةِ وعدٌ. أجفلَ الغرابُ الشتاءَ، للفلاحِ فصلُ الحبِ، أرض تهلل، والمساحي رقص الرجال".
ان القصتين ينظمان ترابطاً للقص القصدي عبر انزياحه نحو الفعل المؤجل، فيتخلص النص المُنَفَّذ من الفائض الذي حضر لحظة الكتابة، دونما ضرورة مباشرة، فنثار الحدث، ذُهال البطل المخفي، سيحفظ للقاص شظايا ميسّرة للاستمرار، يمكن أن تصير دليلاً ادراكياً يوجه الدلالات المتعددة.
لنقل/ نور المناداة؛ تومئ الى/
1ـ ان المناداة هي تناغم غير متوافق بين التضايق من البيت والرغبة في الأمان.
2ـ بين أعواد الثقاب يوجد عود القلب، الذي منع الحريق، فليس من العقل او الانذهال بحال الظلام، ان تصير عيدان الثقاب وسيلة مدمرة للبيت والظلام.
3ـ تفكير المتضايق متعلق بجو البيت الضاغط على نفسه يمثل حدثاً ذهنياً أو ذهالياً لحال الظلام، لم يجد الفاعل المخفي مبرراً حقيقياً لفعل الاشتعال.
4ـ ان الايحاء النهائي هو؛ إلغاء فكرة حرق البيت لطرد الظلام، فالفكرة دارت بذهن مشوش وماتت قبل تنفيذها عند أعواد ثقاب عاطلة، لأن عود القلب حنَّ لنداء الود والسلام.
ــ تلك المعاني التي أومأ بها او نادى إليها ضوء البيت وسكينة النفس، وطمأنينة القلب. فما الذي يبوح به رقص المساحي؟.
رقص المساحي؛ نرى أنها تومئ ـ بعد لمِّ نثار صورها الذهنية ـ الى/
1ـ مذ وُجِدَ الإنسان صار للزمن فصول؛ وفي القصة؛...للكائنات الحيوانية فصلان، وللأرض فصل، وللإنسان فصل، يتداخل مع الفصول كلها.
2ـ فصل الربيع وضع دلالته (الضفدعة)، ربما هي ضفدعة هايكو اليابان الشهيرة، كونها ستترك سباتها وتبدأ العيش والاخصاب.
3ـ للحمامة فصل شبيه ـ ربما ـ بالربيع الثاني لبعض أماكن البلاد، دلالته هديل الحمام، كونه الحمام سينشط عنده التخصيب والبيض والتفقيس.
4ـ للانسان فصل مزدوج ومضخم بحمولاته وأحواله، ليس بفترته الزمنية؛ انما يمكن ان يكون موزعاً بطريق فاتنة، على النحو الآتي:
ـ فصل شتاء يتقلص فيه الخير، وينشط فيه الحزن والشؤم غالباً، دلالته تزعم الغراب حال التخويف، وحال الاستقرار، وحال توقف الأعمال عن النشاط.
ـ الفصل نفسه يحفز الإنسان ان يعطي وقته للأرض؛ يهبها حرارة يده، وجهد ساقه، وعنفوان جسده. ـ للارض والإنسان وجميع الكائنات فعل كبير، ذلك هو النهوض؛ نهوض لباطن الأرض، ولربيع الحيوانات، ولوعود هديل الحمام، ولخير دفائن باطن الأرض؛ عبر مساحي الفلاح، التي هي ذُهاله وذهانه وتفكره بخلق فصول جاهزة للفرح والعطاء.
نعتقد ان القصتين قد أوصلتا لنا صياغة قصصية مميزة بـ /
ـ ان كلا القصتين تستثمران اللقطة الحدثية بلا أفعال تقريباً، فقصة "نور المناداة" فيها ثلاث جمل، جملة واحدة منها فعلية فقط. بينما قصة "رقص المساحي" فيها ست جمل، واحدة منها فقط جملة فعلية.
ـ ان التأكيد على تقليص عدد الجمل الفعلية يؤشر ظاهرة شفاء القص من الشعر.
ـ ان أتمتة البيئة السردية للقص قد تكون بتقليص فعل الحركة وزيادة فعل الصورة الذهنية.
ـ ان الصدمة القصصية تجيء بمثل تلك المباغتات الحدثية، التي لا يُرى فعلُها ولا فاعلُها إلّا ايماء.
ثالثاً: تشكل الثيمات
حاولتُ ـ بمتابعتي قبل التدوين ـ ان أُصنف جميع القصص القصيرة جداً، على وفق نوعها الثيمي لكنني وجدتُ ان الأفضل أ، أشير الى انماط موضوعاتها عموماً، مع مثال عنها. سأتواصل مع هذه الفكرة على النحو الآتي:
1ـ قصص العبرة: وهي تبثُ الحكمةَ على أثر قصة او لقطة حياتية او طريفة، تنبَّهَ لها الكاتب؛ غايتها ان تجنب القارئ الأخطاء والأخطار، وأحياناً تريده ان يتبع الفعل النيّر ليصير تقليداً إنسانياً عاماً؛ مثال ذلك/ (انتفاض، ص21، عمود مبهم، ص25، مفتاح، ص30، استغراق، ص35، انقاذ، ص38، استخفاف، ص46، فزاعة، ص50، عطر ص50).
2ـ قصص الرومانس: تهدف الى بث النُبل العاطفي والعفاف في علاقة الذكور بالاناث. مثالها/ (حافة الجنون، ص7، استغراق، ص35، عطر الرغبة، ص36، قلبها، ص33، تعالٍ، ص65، ايقاع، ص66).
3ـ قصص المتعة غير المشروطة: هي قصص سردية تشيع رغبة المتعة بالتتبع لمعرفة الغامض من الحدث. مثالها/ (سر الخطى، ص78، تخاذل، ص92، كف الإباء، ص96، تشذيب، ص101، عين بلا ناب، ص104).
4ـ قصص السخرية: هي من أخطر وألذ القصص، تجمع أغراض الأنماط الثلاثة السابقة، وتزيد عليها اللذع والمفارقة. مثالها/ (سخرية، ص27، استثناء، ص35، تميمة، ص50، خيط قوي، ص53، جنون السراب، ص54، تداخل، ص56، اختلال، ص72، تلاعب، ص99، نبش، ص100، لسان وشارب، ص104).
رابعاً: نظرة أخيرة
عندما راجعتُ ملاحظاتي عن هذه المجموعة الصادمة بمحتواها، وجدتُ ان/
1ـ قصّ المجموعة صادم بتقنياته اللغوية أيضاً؛ فقد تضاءلتْ مساحة استخدام الجملة الفعلية ـ وَضَّحْتُ ذلك قبل قليل ـ ، وتوسعتْ مساحة وأفضية الجملة الاسمية. ثم ان الجملة الاسمية المتصدرة للقول السردي اعتمدت ديناميكية التخيل الذهني، لا التركيب الصوري المعروف في القص. أقصد أن المعتاد في السرد؛ ان تكون جملتُهُ تحمل محمولين؛ محمول مادي، كأن يكون انساناً او حيواناً او نباتاً او كائناً مادياً معيناً، يلحقة او يجيء بعده فعله او فعل وقع عليه، لكن ما حصل ان الكثير من الجمل جاءت مطروحة مثل كلمات متناثرة، لها مجرى صغير، بويب اتصال، ينفذ منه العقل القرائي، ليربط النثارات اللفظية ببعضها ويشكل القصة. هذا الترتيب لايخص نظرية في القراءة، انما هو رغبة كاتب؛ ان يستقرئ ذكاء القارئ، يجعله يتحدى النص، فتزيد متعة القراءة، وعمق التقصي. ومن جنبة أُخرى تكون الصفات معوّضعة عن الأفعال، وفي ذلك خرق نحوي مهم. وعلى الرغم من شيوع هذا الخرق في اللغات العالمية، إلّا انه قليل الاستخدام عربياً. فلدى الكاتب صار المفعول المطلق والمصدر المؤول هما القادران على التعويض عن الفعل.
ــ هذه النتائج محصورة بالتكنيك النحوي فقط، فماذا غير هذا؟
2ـ في واقع التعدد الكمي ان لا يكون بمستوى واحد من التأثير. وقد وجدتُ التصنيف الرباعي السابق يميل الى رجحان كفة (القص الساخر)، فهو ممتع وموجّه للنبل السلوكي، وقد أغفلتُ عمداً الظاهرة الموازية للسخرية. أي التلقائية الحوارية، التي تجعل بيئة السخرية بيئة حكائية جدالية.
3ـ في تتبعي الفاحص تعرفتُ على ما أُسميه "بندلة السرد" على أساس ان في القصة أحداث تدور متصاعدة من البداية حتى النهاية، ثم تعود من النهاية الى البداية. هذه التقنية وجدتْ لها ملاذاً عند بعض القصص. لنقرأ قصة (خيط قوي، ص53).
"اكتشف اصابته بمرض خطير، لم يكترث لطبيبه: أيامكَ معدودة، متعلقاً بخيط الإيمان. خُتِمَ مجلس عزاء تتصدره صورة الطبيب".
"تعمدت ان تكون هذه القصة سردية خالصة، تعتني بالفعل السردي كي أقول ان ليس للأحكام السابقة مطلق او قانون مكتمل، لأن الإبداع؛ أي كان نوعه لن يحصره قانون اشتراطي مسبق".
ملاحظاتنا الآتية عن سطري القصة:
ـ بدأت القصة باكتشاف المرض، بينما عقدتها عدم اكتراث المريض، وانتهى الحدث الى قمته بـ (تحدد إيام حياة المريض)/ هذه حركة التصاعد السردي = حركة البندول من البداية الى القمة.
ثم تعاد الحركة نزولاً فيصير ايمان المريض سبباً في شفائه، ثم يموت الطبيب، ويحضر المريضُ مأتمَ الطبيب/
هذه حركة النزول السردي = حركة البندول الأسفل من النهاية الى البداية/ وفي تكرار مثل هاتين الحركتين تتحقق تقنية البندلة السردية.
3ـ يكتشف الأخرون جماليات اكثر طرافة مما ذكرته!.

.jpeg)
...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي