مقالات ادبية واجتماعية وفنية
علاء احمد الشاهين
ناقد | عراقي
تعد مجموعة (مدينة من بخار) للكاتب الإسباني كارلوس زافون عملاً سردياً فريداً يكشف الجانب الأكثر حميمية وشاعرية في عالم زافون الأدبي. فعلى الرغم من أن هذه القصص كتبها في أزمنة مختلفة ومن أجل مناسبات متفرقة، فإنها تبدو وكأنها أجزاء متناثرة من الخريطة الروحية نفسها التي شيدها الكاتب في مشروعه الروائي الأكبر، رباعية (مقبرة الكتب المنسية) . هنا لا يعود السرد مجرد حكاية عن شخصيات وأحداث، بل يتحول إلى تأمل طويل في الذاكرة والفقدان والقدر، وفي العلاقة الغامضة بين الإنسان والمدينة التي يسكنها وتسكنه في الوقت نفسه.
في هذه المجموعة تظهر برشلونة الزافونية بوصفها بطلاً خفياً لا يقل أهمية عن الشخصيات نفسها. إنها مدينة ضبابية، متاهية، تتنفس الأسرار وتحتفظ بأصوات الموتى في أزقتها القديمة. غير أن زافون لا يكتب عن المدينة باعتبارها مكاناً جغرافياً، بل باعتبارها حالة نفسية، فضاء تتقاطع فيه الأحلام مع الذكريات، وتتحول فيه الأزمنة المختلفة إلى طبقات متراكبة من الحنين. ومن هنا يأتي عنوان المجموعة، فـ(مدينة من بخار) ليست مدينة ملموسة بقدر ما هي صورة للذاكرة الإنسانية ذاتها، تلك الذاكرة التي تتشكل ثم تتبدد مثل الدخان.
تتميز هذه القصص بالاقتصاد السردي الذي لا يفقد شيئاً من ثراء زافون المعروف. ففي صفحات قليلة يستطيع أن يبني عالماً كاملاً من الغموض والعاطفة، وأن يمنح شخصياته عمقاً إنسانياً يجعلها تبدو وكأنها خرجت من رواية طويلة. وتكشف المجموعة عن قدرة لافتة على المزج بين الواقعي والفانتازي، وبين الرومانسية القاتمة وأدب المغامرة، بحيث يشعر القارئ أنه يتحرك دائماً على الحد الفاصل بين الحقيقة والأسطورة.
كما تكتسب المجموعة أهمية خاصة لأنها تمثل نوعاً من الوداع الأدبي. فبعض القصص تعيد القارئ إلى شخصيات وأماكن مألوفة من رباعية مقبرة الكتب المنسية، وكأن الكاتب يمنحها حياة إضافية قبل أن يغادر عالمه السردي نهائياً. ولهذا تبدو النصوص مشبعة بإحساس خافت بالنهاية، نهاية الحكايات، ونهاية المدن، وربما نهاية الكاتب نفسه.
إن الموت حاضر في هذه القصص، لكنه ليس موتاً مأساوياً بقدر ما هو انتقال من شكل إلى آخر، ومن ذاكرة إلى أخرى.
لقد اعتمدت هذه المجموعة القصصية على لغة شاعرية مكثفة تتجنب الزخرفة المجانية وتستثمر الصورة الأدبية في خلق أجواء من السحر والكآبة معاً. ويبرع زافون في توظيف الضوء والظل والمطر والضباب بوصفها عناصر دلالية تساهم في بناء المعنى، حتى تبدو المدينة كلها مسرحاً قوطياً واسعاً تتحرك فوقه الشخصيات كأنها أشباح تبحث عن خلاصها الخاص.
ان (مدينة من بخار) لا تقرأ بوصفها مجموعة قصصية مستقلة فحسب، بل بوصفها المفتاح الأخير لفهم عالم كارلوس زافون بأكمله. إنها كتاب عن قوة الحكايات في مواجهة النسيان، وعن الكتب التي تمنح البشر حياة ثانية، وعن المدن التي تستمر في العيش داخلنا حتى بعد أن نغادرها. ومن خلال هذه القصص يؤكد زافون مرة أخرى أن الأدب ليس مجرد تسجيل للواقع، بل فعل مقاومة ضد زوال الذاكرة، ومحاولة دائمة لتحويل ما هو عابر وهش، مثل البخار، إلى أثر خالد في وجدان القارئ.
.jpeg)
...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي