loader
MaskImg

المقالات

مقالات ادبية واجتماعية وفنية

مجد الفاشلين

breakLine
2026-10-13

رياض الفرطوسي
كاتب وباحث | عراقي

 


(والآن؟) كلمة واحدة تتسع لعمر كامل. يقولها الرجل حين يلتفت إلى سنواته فلا يجد ما يسنده، وتقولها الأم حين يكبر أولادها في زمن لا تفهمه، ونقولها جميعاً في ليلة ما، حين ينطفئ الضجيج ويبقى السؤال وحده. حياة عريضة تنكمش حتى تصير حرفاً واحداً ثم علامة استفهام.
وعندنا فاشلون كثيرون، كما في كل مكان. لكن الفاشل في بلاد أخرى يعرف أنه فشل، فيراجع نفسه ويبدأ من جديد. أما عندنا فقلّما سمع أحدهم هذه الحقيقة عن نفسه، مع أن الفرص التي تصلح لسماعها مرّت كثيرة. ومن أين له أن يعرف؟ المسطرة التي تُقاس بها الأشياء انكسرت، وصار كل واحد يقيس بطوله.
سمّى عالم الاجتماع إميل دوركايم هذه الحال (الأنومي): أن تفقد الجماعة معاييرها المشتركة، فلا يعود أحد يعرف ما المقبول وما المرفوض، ولا من الذي أخفق ومن الذي نجح. وذهب الفيلسوف ألاسدير ماكنتاير في (بعد الفضيلة) إلى أبعد من ذلك، فرأى أن الناس قد يواصلون استعمال كلمات الأخلاق، من صدق وعدل وشرف، بعد أن تضيع المعايير التي كانت تمنحها معناها. تبقى الألفاظ على الألسنة، ويذهب ميزانها.
وحين يغيب الميزان يختلط كل شيء: الصادق والكاذب، الجميل والقبيح، العميق والسطحي. يقف الفاشل بين فاشلين مثله فلا يرى فرقاً، ثم يسمع التصفيق فيصدّقه. وكتب أورتيغا إي غاسيت في (تمرد الجماهير) عن الإنسان الذي يشعر أنه مثل الجميع ولا يضيق بذلك، بل يرتاح له. والأدهى أن من كان بالأمس فاشلاً بشهادة الجميع صار اليوم ناجحاً بشهادة الجميع، تُفتح له الأبواب ويُترك له صدر المجلس ويُسأل رأيه في كل شيء.
وهنا أصل الكارثة، فالمجتمع يقوم على (الدور). المعلّم يعلّم، والطبيب يعالج، والقاضي يحكم، والجار يحفظ جاره. الدور هو ما يطمئن الناس إلى أن كل شيء في مكانه، وأن من يقف أمامهم يستحق وقوفه. فإذا اختلطت الأدوار وتصدّر من لا يصلح وتراجع من يصلح، اهتزت الثقة التي تقوم عليها الحياة اليومية قبل أي شيء آخر. تركب سيارة الأجرة فلا تدري إن كان السائق يعرف الطريق، وتدخل العيادة فلا تدري إن كانت الشهادة على الجدار تخص صاحبها.
ونعرف حكاية الإمبراطور الذي مشى في موكبه عارياً، والناس تمدح ثيابه الفاخرة. لم يكن أحد منهم أعمى، لكن كلاً منهم خشي أن يكون الوحيد الذي يرى الحقيقة. وهذا ما يؤلم أكثر من الفشل نفسه: أن يبدأ الإنسان المستقيم يشك في استقامته. يرى الشاطر يعلو والأمين يُهمل فيسأل نفسه: هل أنا الغريب؟ فيتحول تمسكه بالأصول إلى عبء يحمله وحده، ويتحول صمته إلى حكمة مؤقتة يعتذر بها لنفسه كل صباح.
وعلّمتنا حنة أرندت أن الخراب الكبير لا يحتاج دائماً إلى أشرار كبار. يكفيه أناس عاديون توقفوا عن التفكير فيما يفعلون، وصاروا يؤدون أدوارهم دون أن يسألوا عن معناها. وكل مجتمع يبلغ هذا الحد يصير مستعداً لتصديق أي شيء.
لكن المجتمعات لا تموت من كثرة فاشليها. تموت حين تفقد القدرة على تسميتهم. وكل ما نحتاجه أن نعيد للأشياء أسماءها: أن نقول للعمل الجيد إنه جيد، وللرديء إنه رديء، دون ضغينة ودون مجاملة. فالمرآة التي لا تُظهر العيوب لا نفع فيها.
أما (والآن؟) فجوابها أبسط مما نظن. نبدأ من حيث نقف، ونتمسك بدورنا الصغير الذي نحسنه، في بيتنا وعملنا وشارعنا. فالمجتمعات لا تُرمَّم بالخطب الكبيرة، بل بآلاف الناس الذين قرروا أن يؤدوا أدوارهم كما ينبغي، ولو لم يصفق لهم أحد.

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي