مقالات ادبية واجتماعية وفنية
هادية آمنة |كاتبة تونسية
أتذكّر تلك السنوات التي كان فيها التلميذ يدخل المدرسة وفي قلبه شيء من الخوف، لا من الدرس، بل من المربي. كانت العصا حاضرة أحيانًا، وكان الولي، حين يُستدعى بسبب ابنه، يقول بكل بساطة: «حاسبني بجلده». وكأن المدرسة يومها كانت تملك حقًا إضافيًا في تربية أبنائنا، حتى لو تجاوزت أحيانًا حدودها.
لم نكن نعرف يومها أن الضربة التي تنزل على يد طفل قد تترك في داخله شيئًا لا تراه العين، وأن الخوف قد يصنع طاعةً سريعة، لكنه لا يصنع بالضرورة إنسانًا سويًا.
ثم تغيّر الزمن. أُغلقت أبواب كثيرة في وجه العصا، وأصبح ضرب التلميذ ممنوعًا. وهذا، في رأيي، كان انتصارًا للطفل وللإنسان.
لكننا، ونحن نزيح العصا من المشهد، نسينا أحيانًا أن نضع مكانها شيئًا آخر.
أخذنا من المربي سلاح الخوف، ولم نمنحه دائمًا سلاح الهيبة. فبدأ بعض التلاميذ يدخلون القسم كما يدخل السيد إلى ملكه؛ لا يخشى المعلم، ولا يحسب حسابًا للمدرسة، ولا يرى في الأسرة إلا جهةً مطالبة بتلبية رغباته. كأننا انتقلنا من طفل يخاف الجميع إلى طفل يريد أن يخاف منه الجميع.
وبين هذا وذاك ضاعت البوصلة.
لسنا بحاجة إلى أن تعود العصا، ولا إلى أن يعود ذلك الخوف القديم الذي كنا نظنه احترامًا. نحن بحاجة إلى تربية تعرف كيف تقول للطفل: أنت لست ضعيفًا لأنني لا أضربك، ولست سيدًا لأنني لا أضربك.
المدرسة بيت للعلم، والمربي ليس جلادًا، لكنه أيضًا ليس موظفًا في خدمة نزوات التلميذ. والطفل له حقوقه، نعم، لكن عليه واجبات أيضًا؛ عليه أن يتعلم أن الحرية لا تعني الفوضى، وأن الكرامة لا تعني الوقاحة، وأن من حقه أن يُحترم مثلما أن عليه أن يحترم.
ربما أخطأنا حين ظننا أن التخلص من العنف يكفي لإصلاح التربية.
فالطفل لا يحتاج إلى يد تضربه، لكنه يحتاج إلى يدٍ تعرف متى تربت على كتفه، ومتى توقفه بحزم، ومتى تقول له: قف هنا.. هذا ليس حقك.
تلك هي الهيبة التي نحتاجها اليوم؛ هيبة لا تُصنع بالخوف، وإنما بالعدل والحزم والاحترام.
...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي