مقالات ادبية واجتماعية وفنية
بسمة مرواني
كاتبة | تونسية
الرفض فلسفة تعني الخروج عن السائد وعدم الرضوخ الى كل ما فيه من تنازلات وتفريط وهو فكر فلسفي مرتبط بدرجة الوعي والقوة والارادة، هي سمات انسانية محفزة للغرائز البشرية النفسية والعاطفية ومن سلكها قد يكون وصل الى قمة الثبات.
الرفض يقتضي إزالة أو تجنب العقبات باستعمال اللاءات والمقاطعة أوالتمرد على كل ما يفسد لذتنا وسعادتنا فنكون قد اقدمنا على امتلاك اختيارين، اختيار الوجود في عالم لا يمكننا فيه الاستفادة من الحياة فنبتئس ونتعب ونتذمر ونخسر كرامتنا، فنسجل الخسارات.. أو ان نقبل بسطر رئيسي آخر: “الحياة عمل لا يغطي تكاليفه الا الرفض قرارا كردة فعل طبيعية لواقع فيه الكثير من الضغوطات النفسية خاصة فنتجاوز الاوبئة الاجتماعية كالنفاق والكره، الحقد، التغافل وقلة الاهتمام وعدم العتراف بالجميل والنرجسية، الإحساس العميق بالأزمة بالتشطي والديستوبيا والسخط وتراجع الرؤى والعدمية ومن ثم الغضب، وهو بطبيعته انفعال أو إحساس يسبق الرفض، حينها نحقق كينونتنا حين نعلن كلمة لا.
فإنسان "لا"، وإن رفضَ، فهو لا يزهد: إنه أيضا إنسان يقول "نعم"، منذ أولى حركاته.
فما مضمون هذه الـ"لا" الرافضة؟.
يقول ول عالم النفس الألماني بيرل – فريتز: "أنا أفعل ما يُناسبني، وتفعل أنت ما يناسبك لم آت لهذه الدنيا لأحقق توقعاتك ولم تأتِ لهذه الدنيا لتحقق توقعاتي "أنت أنت وأنا أنا" لو تلاقى طريقنا بالصدفة فهذا جميل لو لم يتلاقيا فهذه طبائع الأمور"
هذه الـ"لا" تريد التعبير عن "الرفض القاطع لتدخُّل بسيط او لا يطاق" وعن "النفور من الدخيل الذي يفرض نفسه بصلافة جاثماً على الظهور كما يحصل للحصان المُثقل بالسرج وممتطيه".
على الانسان المعتز بذاته، العارف بقيمة نفسه أن يرفض كل نيل من كرامته كإنسان وأن يواجه كل ما من شأنه الحطّ منه والذي قد يتمثل بالذل الممنهج للافراد أو للمجتمع أو للسلطة
فالسلطة مثلا تدير للمرء ألف ظهر وتفرض نظاما سياسيا، وتخلق شرعية لحكمها مهما كان نوعها، تاريخية، دينية، وهو مجبر في ذلك على خلق مجموعة من المعايير والقيم، وخلق هيكل من التصورات، التي لا تكون متناقضة تماما مع طبيعة مجتمعه والسلطة ليست سلطةً محصورةً بالحكومة فحسب بل سلطة رجالات الدين والمجتمع ومايحوي من سلطة الاب سلطة الزوج سلطة الاخ، والفكر الذكوري وسلطة الثقافة، سلطة العقد النفسية إلخ...
فلسفة الرفض هي "لا" للاضطهاد، لا للاستعباد، لا لقهر الانسان وحجب العقل عن التفكير وتغييبه عن الوعي، صرخة لتجاوز العبث الأنطولوجي بفضل هذه الّروح الثائرة. في وجه من يريد اهانتها أو إذلالها بتبخيسها أو بجعلها شخصية تابعة. هي فكرة بعدم قبول ثقافة الاستعلاء وتجاهل الآخر واعتباره غير شريك، بل عدو يُسعى إلى إبعاده ورصد حركاته، ورفض نجاحاته وتبخيسها ورفض وجهات نظره، أن يرفض بالا مبادرة في السؤال بسبب ثقافة الاستعلاء التى تزيح الندية في علاقات الحب مثلا، فيكون الرفض والرفض المضاد ويتطلب الأمر استدعاء موجب لاتخاذ القرار الصارم، وهو الإحساس بالارادة واليقظة والوعي بقيمة الذات انه دور العقل الذي يلكز صاحبه ليميز بين الحق والباطل، والحق حق للحفاظ على كرامة الإنسان، ولا يترك الفرصة لأي آخر ليزدريه، مهما كانت نوعية العلاقات وهنا تكمن قدرة الإنسان الواعي وادراكه بتغيير كل ما يدعو للموت في قواعد الحياة التي هي سبب الإحساس بالعبثية كعدم الانسجام والقبول بالظلم، رتابتها وفقدان الرغبة فيها، قبول المعاناة والألم والمنغصات والتعود على قبول التعامل مع المزيفة مشاعرهم حوله أو الذين يريدون قولبة الأفراد على حسب أمزجتهم ونفسياتهم والطاعة العمياء لاوامرهم وهي جميعها مواقف من الطبيعة السلبية المنغصة للكيان و الباعثة للنفور.. عند الشخصية السوية.. ومن دافع باسلوب راقٍ وتسامح وحوار على راحته ونقائه وجمال الروح والأهم على كرامته
فكلها من الأخلاق، والأخلاق تنبت كالنبات وكالثمار في الأشجار المباركة.. ولكن ان زاد ت ثقافة الاستعباد في الوسط المعتم، في رؤوس أصحابها فالنفور رفض والرفض هو وثبة الخلاص لأن القبول هو الاظطهاد النفسي أي (الانتحار) ذاته في مختلف تمظهراته كما يقول البير كامو..
إن الـ"نعم"؛ هي تلك المواربة المتكلّفة في إستعمال لفظة "اللاعنف" حيث ليس هنالك عنف مطلق، فلا يوجد لهذه المثالية المفرطة في إنسان يواجه الإقتلاع الممنهج كما أن الإطلاق مهما كان هو حكم منعزل وغير موجود من أصل، بل أن هذا الإستعمال "المتطهر" لكذا تعبيرات هي محاولات كيدية لكبح الروح الحية للرافض للمتمرد الذي يسعى لتمزيق أساراتها التقليدية. وان يستعيد ذاته امام غطرسة وعجرفة الاخرين تعاملا...
فالرفض أو المقاطعة والتمرد المحمود، الكلمة البنّاءة التى تخرِج صاحبها من فكرة اللاجدوى تبعد الفرد عن التنظيرات الإفراطية، كقبول الجفاء المتعَمّد المعاناة بحرص المسؤول – المخاتل على التشويه النفسي أو الايذاء وأن يكف عن تقبل هذه السلوكات البغيضة...
ولقد نظّر اليها العديد الفلاسفة كهابيرت ماركيوز، البير كامو وغيرهم حيث أجمعوا على ضرورة الرفض بالبحث عن السبل التي بإمكانها أن تكون عاملا فعالا لاستعادة الإنسان شخصيته واخراجه من من تيهه، بالالتجاء إلى استرجاع القيم الايتقية والى تحقيق الراحة المنشودة والجمال وحب الفن والحياة كأدوات دفاع تحررية في تغيير الواقع الذاتي والمجتمعي.
في الختام ليس أبهى من كلمات حدث بها علي كرم الله وجهه في قولته: لا تكن ممن ينهي ولا ينتهي، ويأمر بما لا يأتي، ويصف العبرة ولا يعتبر، فهو على الناس طاعن، ولنفسه مداهن.. فالمقاطعة أو الرفض ردة فعل تجعل الإنسان يبحث له عن مناخات يجد فيها المتعة، الصفاء والسعادة.
...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي