مقالات ادبية واجتماعية وفنية
فريال حنّوف/باحثة لبنانية
في هذا المقال سأتناول قراءة رواية «بيت عزيز» للكاتب السعودي عادل الدوسري. هذه الرواية، كما يعبّر عنها عنوانها، تدور حول قصة بيت لا نعرف هل قصد الكاتب نسبته إلى مالكه (عزيز) أم نسبة إلى الأوضاع والتحولات التي طالت أفراد هذه الأسرة. وكيف استعرض الدوسري مخلفات البيت العربي، وأمتعنا واستفزّنا في روايته؟ في بادئ الأمر، سأتناول حلقة البداية والأساس في هذا المقال، ألا وهو الموت. ومن ثم سأحاول فهم أسلوب الدوسري السردي، وقراءة بعض من نواحي شخصيات الكتاب، دون البوح كثيرًا بما يطاله الكتاب طبعًا، كي لا أبدّد على القرّاء لذّة قراءة «بيت عزيز».
ما لفتني عندما بدأت قراءة الرواية هو الجملة الأولى منها: «ماتت إذن». قد بدت لي مألوفة ثلاثة فقرات من الوصف الوجداني المرهف، والذي يحمل عبق الفاجعة، حتى أبدأ أتبيّن المقصود فيها: الأم هي التي ماتت. لم تعد الجملة مألوفة. لم يسعني إلا مقارنتها مع رواية «الغريب» لألبير كامو، افتتاحًا: «اليوم ماتت أمي»، بحسب ترجمة محمد آيت حنّا: «Aujourd'hui, maman est morte». المترجم حنّا قد وضع تفسيرًا لاختياره «أمي» بدل «ماما»، في حين أن مستعمله الكاتب الأصلي هو «ماما»، لعدم فصاحته وبراءة «مرسو» في كلامه، وسطحية عباراته، وبعده الحميمي وعلاقاته الجافة والباردة مع الآخرين، حتى مع أمه. لكن هذا ليس بيت القصيد في رواية «بيت عزيز». الأسلوب الكتابي للدوسري هو عكس ذلك تمامًا؛ فعلى قدر ما يستفزنا مرسو في برودته لحظة الخبر المفجع، على قدر ما يبرد قلبنا عادل الدوسري بفصاحته، ويواسي الكبرياء العربي والتعلّق الشديد بالوالدة، إذا كان لدينا الحق طبعًا في قول ذلك.
الموضوع الأساسي الذي يفتتح به الكلام هو موضوع بحد ذاته، مقلق ووجداني: الموت. ومن خلال ما جاء في الخامسة، نستشف الوضع النفسي الذي يمر به البطل، أو أحد الأبطال (علي)، ليس النكران، بل اليقين والكسرة: «راح يجلده اليقين الذي لم يكن يمنح أي شيء إياه قبل موت أمه، يرهقه كما لم يرهقه يومًا». البعد النفسي للبطل لم يكن النكران كما اعتدنا رؤيته فيما يخطّه الكُتَّابُ عادة، بل الاعتراف بقدر ليس منه مفر. ومن ثم نستشعر لحظة الغدر من خلال أسلوب الكاتب الدوسري، الذي ينتقل بسرعة من الكتابة بأسلوب وجداني وانفعالي إلى أسلوب بارد صريح من خلال وصفه للبطل: «وعلى الرغم أنه يعيش بلا رغبة بلا دافع، فإنه كان يخشى الموت بسبب الموت بسبب الموت نفسه، بشكله التجريدي». ومن خلال هذه النظرة نرى في الكاتب الدوسري نفسه إجابة على سؤالين: هل تأثر بفكره من خلال قراءة رواية «الغريب»، أم أن الأمر مجرد صدفة؟ السؤال لا لنكران عمل ولا لإضعاف ريشة، بل العكس تمامًا، كما فعل كامل داوود في رواية «مرسو، تحقيق مضاد»، عندما ابتدأ روايته بصفعة في وجه استعمار، قائلًا: «اليوم، مازالت ما حيّة...» أو بتعبير آخر: «اليوم، أمي ما زالت على قيد الحياة». دون الدخول في معترك وتفاصيل رواية داوود، لنستكمل الخطى في رواية الدوسري، حيث أبدع في طرح أسئلة غير مباشرة ما بين السطور عن الموت والحياة والصراع بينهما. غير أنني شخصيًا لا أؤمن أن الرواية هي فعلًا ما يعيشه أو يفكر فيه حقًا الكاتب، لأن الموضوع لا مفر لنا منه كبشر. فالكاتب يسوق أفكارًا قد تبنّاها أولًا من موضوع الموت والحياة، وغصبًا عنا نرى أنفسنا قابعين وجالسين نفكر معه فيما حدث له، وما سيحدث لنا، أو ما قد حدث من حولنا.
عمر، أحد الأبطال والذي أراه يقدم أنموذجًا واضحًا للرأسمالية وما فعلته بالإنسان، نرى اسمه للمرة الأولى في الصفحة 15. هل هو حقًا بطل؟ أم يستفزّنا كي نسقط عليه إطارات كي نضعه فيها؟ هل هو البطل الإشكالي، البطل المعيب، أم هو تلك الشخصية الرمادية؟ تحديدًا في الصفحة السادسة عشر، عندما كان يتحدث مع أخيه عاطف:
«- إذن، علي، العودة إلى العمل. ما زال لدى الكثير من الأعمال التي لا بد من إنجازها، ثم إنه لن يكون بمقدوري الذهاب إلى العمل في أيام العزاء كما تعرفون.
وبصوت حادّ ويميز غاضبًا ثارت ثائرة عاطف:
- عن أي عمل تتحدث وقد ماتت أمك؟
- الحيّ أبقى من الميت»
عمر، ليس الشخصية التي تستفزّنا فحسب، فالدوسري يفضح النفاق العربي خلال العزاء، والذي نراه للأسف في المجتمعات خلال الحداد: من يدّعي القرب وهو كاره، ومن يبكي وهو شامت... إلخ. «هل ننسى، باعتقادك، دعواتك التي أطلقتها جهرًا أمامنا أكثر من مرة متمنيًا أن تلقى حتفها؟ أيها الوغد».
الحلقة الأولى من هذا الكتاب تدور حول موت (نشمية) أم علي، التي هي زوجة عزيز، والتي لطالما اهتمت بنفسها جسديًا، ولكن هل كان الأمر سيّان نفسيًا؟ ما نفهمه من الجو العام من هذا المنزل أن الأمور ليست على ما يرام، وأن الوضع النفسي العام مرهق، وأكثر فتكًا من التدخين: «منذ ربع قرن، أم علي تقول لزوجها عزيز: ستموت باكرًا من كثرة التدخين. ولكنها ماتت قبله، بل قبلهم جميعًا». وجملة «قبلهم جميعًا» لا نستطيع أن نمرّ من خلالها مرور الكرام. الجو العام يبدو سامًا حقًا في بيت عزيز.
وبالرغم من سخط الدوسري تجاه مجتمع لا يعرف التعامل مع مشاعره، إلا أنه كان يحاول جاهدًا، على ما يبدو من خلال قراءتنا للكتاب، التعامل بحكمة وفلسفة تجاه ما أسماها هو في كتابه «لعبة الحياة والموت». فنشميّة أو أم علي مثلًا، إحدى شخصيات الكتاب، عندما باغتها المرض، لم تعرف كيف تتصرف إزاءه، «لم تكترث بما قاله لها الطبيب، أن الحالة النفسية والمعنويات المرتفعة هي ثلاثة أرباع العلاج، بل وجدت نفسها غارقة بأفكار تشاؤمية يومًا بعد يوم، مستسلمة لجيوش الحزن والتعب التي تحاصر حصونها المنيعة». ولكن هل فعلًا كانت حصونها منيعة؟ سؤال يستحق التأمل، لأن في منزل عزيز لا توجد فعلًا مناعة، ولا نتكلم هنا عن المناعة الجسدية.
عادل الدوسري سابقًا في مقاله على صحيفة الجزيرة قال: «كل الحريات تبدأ بحرية القراءة، وتتفرع بعد ذلك عدة حريات من الحرية الأصلية». ولحبنا ولرغبتنا في التعمّق بأسلوب ولادة أفكار الدوسري وشغفنا في علم الجيني النصي la génétique textuelle، قمنا بالبحث والتحرّي عما قد يكون خلفه وراءه الدوسري من مقابلات ومقالات وأفكار، فوجدنا أنه كان قد فكّر في عنوان آخر للكتاب، ألا وهو «الموميائي»، قبل أن ترسو سفينة أقلامه إلى «بيت عزيز». أما ما يلفتنا حقًا في هذه الرواية، فهو ما وراء كواليسها ومخلفات الماضي في ذاكرة ناحتها، وأن القصة لا يمكن حصرها في «موميائي واحد». بيت عزيز قد يكون بيت الكل.
في الرواية الدوسرية، الحياة فيها حقيقة مُرّة، وليس فيها من المواساة شيء. هل هي واقعية أم عدمية سلبية؟ مهما تعددت الأسامي، هي شيء واحد على الأقل: فعلًا، لم نختر لحظة الدخول والخروج. قد نكون اخترنا أن نلعب، لكن لم نختر مثلًا متى ندخل اللعبة ولحظة خروجنا وكيفيتها. «أما في الحياة، أو ما تسمى الحياة هزلاً، فإنك بلا إرادة، جئت بلا إرادة، وستعيش مسلوب الإرادة، وستذهب بلا إرادة.
من الشخصيات المستفزّة أيضًا في هذه الرواية عاطف ونورة، كما هو حال بقية الشخصيات في القصة. لا أدري هل استمتعت بهما أم مقتهما أكثر، لكن ما أعجبني هو جرأة الكاتب في محاكاتهما دون تجميل الواقع بينهما. لا علاقة لطيفة، ولا علاقة زوجية اعتيادية بينهما؛ حتى العلاقة الجنسية فيها تمرّد ووقاحة، دون الاحترام المزيّف في محيطهما. هذا هو الموضوع الثاني الذي أخذ حيّزًا من قلم ودفتر الدوسري: العلاقة الحميمة المتسمة بالعنف، دون أن يكون لدى الشخصيات رغبة حقيقية في إعطاء فرصة لحياة إنسان جديد، بل الهروب من أسئلة مجتمع حشري. لماذا، ولغاية اليوم، لم ينجبا طفلًا؟ «غير أنه بعد كل مضاجعة كان يستسلم لحزنه العظيم».
عاطف شخصية من شخصيات المجتمع العربي المألوفة، فكم من عاطف ونورة بيننا؟ الدوسري استوحى النموذجين من الواقع حُكمًا. وما أجمل أن تقول للجلاد بأنه جلاد، وألّا نقوم بتجميل الكلام؛ فعلى كل حال، سيقوم بجلدك، فلتثأر لكرامتك... الدوسري يستعلي على العادات ولا يمقتها فحسب، وفي الصفحتين 47-48، نرى كيف أن تسمية الأم والأب بكنية ابنهما الأوسط أسّست فيها الكثير من التمييز، خاصة أن ابنهما البكر لم يُنجب، فيستبدلان «أم عاطف» و«أبو عاطف» بـ«أم علي» و«أبو علي». وكأن الدوسري يقول لنا: ألم نملّ عادات غريبة، عادات فيها تمييز جنسي، حتى لو ادّعينا العكس؟ من كان له فتاة قبل الصبي، لماذا لا يُلقّب بأبو الفتاة؟ «شعر عندئذٍ بالمهانة الكبيرة، عزّ عليه أن يكون شاهدًا على كيفية إنهاء وجوده ببساطة مثلما انتهى وجود خال أبيه بورقة وحيدة في شجرة عائلة بائسة».
الدوسري تناول موضوع حالة المرأة في العالم العربي بشكل عام، وكيف لها القيام بتنازلات تحت شعار الأسرة، من خلال نماذج كنموذج نورة وعبير وحتى أم علي، وهذه الأخيرة التي جسّدت علاقة المرأة العربية بجسدها.
خاتم علي ذو الثلاثة فصوص، على ما يبدو، ليس تفصيلًا مملًا في الرواية، بل هو تداعٍ لتلك العائلة شيئًا فشيئًا، فعندما ماتت أم علي تداعى فص: «إن كان الفصل الأول مرتبطًا بأمي، فهذا يعني أن الفصين مرتبطان بقدر شخصين آخرين. من هما باعتقادك؟» لا ندري حقًا إذا كان الدوسري يخطّ الشخصيات ويكلّم نفسه، أم هي الشخصيات نفسها التي كانت تخطّ نفسها بنفسها من خلال الوجوه التي عاصرها سابقًا الدوسري، فرؤية ما يحدث كالبلور النظيف.
ونحن لا نريد أن نقوم بإخباركم بكل ما حدث في هذه الرواية، فهذه الرواية نوعًا ما كبيرة، من ثلاثمائة وخمسين صفحة، وفيها مواضيع قد تكون تابو أو محظورة نوعًا ما لغاية اليوم. الرواية فيها مواضيع متعددة مثل الجنون، والانتحار، وعدم الإنجاب، والجنس، والاضطرابات النفسية، وأسطورة عذرية المرأة، والإنسانية والرأسمالية إلخ. وأنهي كلامي في هذا المقطع عن هذا الكتاب: يأخذكم في تفكّر في ما قد أوجزه الدوسري على الطاولة، مواضيع متعددة جدًا طرحها في كتاب قارب الأربعمائة صفحة. قد يكون رغبة سابقة، ونحن لا نعلم، أن يكون بكتابة مجلدات حول هذه المواضيع، والوقوف عندها والتأمل. الدوسري اختار أن يعطي رواية دسمة بكل ما تحمله الكلمة من معنى للقراء. نرجو منكم الاطلاع عليها وقراءتها.

...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي