مقالات ادبية واجتماعية وفنية
د. غانم السامرائي
ناقد وأكاديمي | عراقي
مدخل: الذاكرة والمكان وإشكالية العودة
ثمة روايات تتخذ من الحدث منطلقًا لبناء عوالمها السردية، وأخرى تجعل من السؤال الفلسفي والوجودي نواةً لتجربتها الروائية. وفي رواية "عُمرٌ آخر"، يبدو أن السؤال يسبق الحكاية، بل يؤسس لها ويوجّه مساراتها: ماذا يحدث للإنسان حين يعود، بعد ما يقارب ربع قرن، إلى المكان الذي ترك فيه جزءًا من عمره وذاكرته؟ وهل تكون العودة إلى الماضي ممكنة بالفعل، أم أن الإنسان لا يستعيد، حين يعود، سوى صورة ذلك الماضي كما أعادت الذاكرة تشكيلها والاحتفاظ بها؟ وبعبارة أخرى، إلى أي مدى يستطيع المكان أن يستعيد معناه حين تتغير ملامحه، ويتبدل ساكنوه، ويتحول الزمن الذي كان يمنحه دلالته إلى ماضٍ يتعذر استرداده؟
منذ الصفحات الأولى، يضع عمر عبدالدائم بطله أيوب في مواجهة هذه الإشكالية الوجودية والنفسية. فعودته إلى سراييفو، بعد أكثر من خمسة وعشرين عامًا، لا تمثل مجرد استعادة جغرافية لمكان عرفه وأحبه، وإنما تفتح أمامه مواجهة مع ذاته الماضية، ومع الفجوة التي أحدثها الزمن والحرب بين ما كان عليه وما آل إليه. فالمدينة التي كانت يومًا جزءًا من تكوينه الوجداني تبدو الآن غريبة عنه، مثلما يبدو هو غريبًا عنها. وفي قول الراوي: "غريب هو عنها اليوم كما هي غريبة عنه،" تتجاوز العبارة حدود الوصف المكاني لتغدو مفتاحًا تأويليًا لفهم التجربة الروائية برمتها؛ إذ تختزل حالة الاغتراب المتبادل بين الإنسان والمكان، حين تفصل التحولات التاريخية والنفسية بينهما، وتعيد تشكيل علاقتهما على نحو لا يسمح باستعادة الألفة القديمة بسهولة.
ومن هذا المنظور، لا يعود أيوب إلى سراييفو بقدر ما يعود إلى صورتها المستقرة في ذاكرته؛ إلى مدينة لم تعد قائمة بالصورة التي عرفها، وإلى زمن لم يعد ممكنًا استعادته، وإلى حياة ظلّت احتمالاتها معلّقة عند لحظة الانقطاع التي أحدثتها الحرب. وهكذا تتداخل في الرواية جغرافيتا المكان والذاكرة، ويتقاطع الزمن الموضوعي، بما يحمله من تحولات لا رجعة فيها، مع الزمن الذاتي الذي تحتفظ فيه الذاكرة ببعض اللحظات وكأنها لم تنقضِ قط.
هنا تتجلى المفارقة المركزية التي تنهض عليها الرواية: فالمكان الذي ظل محفوظًا في الذاكرة لم يعد موجودًا في الواقع بالصورة ذاتها، والأشخاص الذين منحوه معناه الإنساني والعاطفي غابوا، أو تبدلت مصائرهم، في حين ظل الرجل الذي يحمل ذكرياتهم على قيد الحياة، وإن لم تعد حياته امتدادًا طبيعيًا لما كان يمكن أن تكون عليه لولا الحرب. ومن ثم، فإن العودة في ’عُمرٌ آخر’ لا تُقرأ بوصفها استردادًا للماضي، بل بوصفها اختبارًا لحدود الذاكرة، ولقدرة الإنسان على التوفيق بين ذاته التي كانها وذاته التي أصبحها. إنها، في جوهرها، مواجهة مع الزمن بقدر ما هي مواجهة مع المكان، وتأمل في الكيفية التي تظل بها الحروب حاضرة في حياة الناجين، حتى بعد أن تنتهي وقائعها العسكرية.
عُمرٌ آخر: عنوان الرواية بوصفه سؤالًا عن الحياة الممكنة
عنوان الرواية بالغ الذكاء من الناحية الدلالية؛ إذ يمكن قراءته على أكثر من مستوى.
"عُمر آخر" هو أولًا العمر الذي يعيشه أيوب بعد عودته إلى سراييفو، وهو رجل تجاوز مرحلة الشباب ويواجه الشيخوخة والوحدة والمرض والذكريات. لكنه، في مستوى أعمق، العمر الذي لم يعشه. هناك حياة أخرى محتملة كان يمكن أن تكون:
أيوب وماريا معًا، عباس وليليانا معًا، الأصدقاء الأربعة في سراييفو، الأبناء الذين كان يمكن أن يولدوا، الرحلات التي كان يمكن أن تستمر،
والسنوات التي كان يمكن أن تكون امتدادًا طبيعيًا لشباب لم تسمح له الحرب بأن يكتمل.
ومن هنا لا يصبح "العمر الآخر" زمنًا إضافيًا، بل حياة بديلة. وهذا ما يجعل الرواية، في جوهرها، رواية عن الاحتمال المفقود بقدر ما هي رواية عن الماضي.
العودة بوصفها منفى ثانيًا
كثيرًا ما تُقدَّم العودة في الأدب بوصفها فعل استرداد: يعود البطل إلى المكان ليستعيد نفسه، أو يستعيد جذوره، أو يلتقي بما فقده.
أما في "عُمرٌ آخر،" فالعودة لا تمنح أيوب شيئًا من ذلك.
إنها تكشف له حجم الفقد.
يتجول في باشتشارشيا، والمدينة القديمة، وإليدجا، ومنتزه المنبع، وسراييفو الجديدة، ورايلوفاتس، والكلية، وسكنديريا، وضفاف الملياتسكا، وحتى ياهورينا؛ وكأن رحلته ليست رحلة سائح، وإنما محاولة لإعادة تركيب خريطة الذاكرة حجرًا حجرًا. لكنه لا يعثر في هذه الأمكنة إلا على آثار ما كان.
فلم يعد مقهى تياترو، مثلًا، والذي ارتبط في ذاكرته بماريا، موجودًا.
وهكذا يتحول المكان إلى أرشيف للفقد. وهذه إحدى أجمل مفارقات الرواية: كلما اقترب أيوب من المكان الذي يتذكره، اكتشف مقدار ابتعاده عنه.
يمكن، لذلك، أن نقرأ عودته بوصفها منفى ثانيًا:
المنفى الأول: حين غادر سراييفو. المنفى الثاني: حين عاد إليها ولم يجدها. وفي المنفى الأول كان المكان بعيدًا عنه. أما في المنفى الثاني فقد أصبح المكان قريبًا جسديًا، بعيدًا روحيًا. وهذا أشد قسوة.
سراييفو: المكان الذي يتحول إلى شخصية
لا تبدو سراييفو في الرواية مجرد خلفية جغرافية للأحداث. إنها تكاد تكون شخصية مستقلة، لها ذاكرتها وتحولاتها وجراحها.
هناك سراييفو التي عرفها أيوب شابًا:
مدينة الحب، والمقاهي، والجامعة، والرحلات، والأولمبياد، والأغاني، وماريا.
ثم هناك سراييفو الحرب:
الحصار، والخوف، والموت، والخراب، والناس الذين يفرون أو يُقتلون.
ثم سراييفو التي يعود إليها أيوب:
مدينة حديثة تغيرت معالمها، بينما بقيت في ذاكرته مدينة أخرى. وبذلك تتقاطع ثلاثة أمكنة داخل المكان الواحد:
سراييفو الواقعية، وسراييفو التاريخية، وسراييفو الذاكرية.
ولعل الثلج هو أكثر العناصر التي تجسد هذا التداخل. فالثلج وحده تقريبًا يبدو لأيوب وفيًا للماضي؛ فقد ظل يعود في موعده، وظل شاهدًا على سنوات الشباب والحرب والجوع والفرار.
ومن هنا يمكن القول إن الطبيعة في الرواية تؤدي وظيفة الذاكرة التي عجز البشر عن أدائها.
من الذاكرة إلى الكتابة
يحدث التحول الأهم في شخصية أيوب عندما يبدأ بالكتابة.
ففي الفندق، أمام الغرفة ذات الرقم 313، تستعيد الذاكرة تفاصيل رحلة قديمة مع ماريا، ثم تخطر له فكرة الكتابة. والأهم أنه سيكتب باللغة التي لم يستخدمها منذ أكثر من عشرين عامًا.
وهنا لا تعود الكتابة مجرد وسيلة لسرد الماضي؛ تصبح فعلًا من أفعال مقاومة النسيان. فأيوب يعرف أن الذاكرة تتآكل. ولهذا يحاول أن يحولها إلى كلمات قبل أن تضيع. لكن الرواية تطرح، ضمنيًا، سؤالًا أكثر تعقيدًا:
هل يمكن للكتابة أن تستعيد الماضي، أم تعيد اختراعه؟
فالذاكرة ليست كاميرا.
إنها انتقاء وحذف وإعادة ترتيب وتأويل. ولهذا فإن أيوب، وهو يكتب عن ماريا وعباس وليليانا، لا يقدم لنا الماضي في صورته الخام؛ وإنما يقدم الماضي كما بقي حيًا في وعيه.
وهنا تصبح الرواية رواية عن الكتابة نفسها. أي أن لدينا داخل الرواية:
أيوب الإنسان، أيوب المتذكر، أيوب الكاتب ثم أيوب الراوي.
وهذا التدرج يمنح العمل بعدًا ميتاسرديًا مهمًا.
ميروسلاف: بين الخيانة والحماية
إنّ من أكثر الشخصيات قابلية للقراءة المركبة شخصية ميروسلاف يانكوفيتش.
فمن السهل أن نراه الرجل الذي فصل أيوب عن ماريا.
لكنه ليس كذلك فقط.
إنه الأب الذي يرى خطرًا لا يراه العاشقان. إنه يتنبأ بالحرب قبل وقوعها، ويحاول إخراج أسرته من يوغسلافيا. وحين يطلب من أيوب ألا يتواصل مع ماريا حتى مغادرة الأسرة، يضع الشاب أمام اختبار أخلاقي بالغ القسوة. هل يكون وفاؤه لماريا في الحفاظ على الحب؟ أم يكون وفاؤه لها في مساعدتها على النجاة؟
هنا يضع النص الحب في مواجهة المسؤولية، لا في مواجهة الشر وحده. بل إن ميروسلاف نفسه يصبح ضحية للتاريخ الذي يحاول الهرب منه. وهذا يمنع الشخصية من التحول إلى "شرير روائي" بسيط.
الحرب بوصفها قدرًا يسبق الحدث
من أجمل عناصر البناء في الرواية أن الحرب لا تظهر فجأة. إنها تبدأ في الوعي قبل أن تبدأ في الواقع. ميروسلاف يشعر بها. ثم يأتي الانفصال والهجرة. ثم يبتعد أيوب.
ثم تقع الحرب. ثم تصل آثارها إلى الشخصيات. ثم تستمر داخل الذاكرة. وهكذا تتحول الحرب من حدث تاريخي إلى زمن نفسي. بل إن الحرب التي عاشها أيوب في ليبيا تضيف طبقة أخرى إلى التجربة. ففي مشاهد الصحراء والقتال يكتشف أنه لم يعد ذلك الشاب الذي كان يحب ماريا؛ بل أصبح رجلًا شارك، بصورة أو بأخرى، في عالم العنف الذي كان يهرب منه.
وفي أحد المشاهد الحاسمة بعد المعركة، لا يشعر أيوب بانتصار، بل يشعر أن قلبه نفسه بدأ يتحول إلى شيء يشبه الصخور التي رأى عليها آثار القتال.
وهنا يتضح أن الحرب لم تقتل الآخرين فقط؛ لقد غيّرت هوية الناجي نفسه.
عباس وليليانا: الحب الذي ابتلعته السياسة
تكشف رسائل عباس إلى ليليانا عن طبقة أخرى من الرواية: الحرب لا تدمر العشاق فقط، بل تسرق منهم حقهم في الحياة الطبيعية.
عباس يريد أن يعود.
ليليانا تنتظر. وهناك طفلة اسمها ساشا. لكن التاريخ السياسي والحروب المتلاحقة يحولان الأسرة إلى مشروع مؤجل لا يكتمل. والرسائل نفسها تصبح في النهاية ما تبقى من العلاقة. وهذا يمنحها وظيفة رمزية بالغة الأهمية:
حين يفشل الإنسان في الوصول إلى الآخر، تصبح الكتابة آخر وسيلة للعبور إليه.
لكن المفارقة أن الرسائل تصل أحيانًا بعد فوات الأوان، أو لا تصل أصلًا.
ساشا: ابنة الذاكرة
مع ظهور ساشا يتغير مسار الرواية. في البداية، تبدو نادلة غامضة في مقهى. ثم يتضح أنها تحمل صلة عميقة بالماضي. وفي النهاية نكتشف أن علاقتها بأيوب ليست علاقة عابرة؛ إنها جزء من سلسلة بشرية امتدت من سراييفو القديمة إلى الحرب.
الأهم أن ساشا لا تقدم لأيوب معلومات فقط. إنها تقدم له أرشيفًا شخصيًا:
صورًا، ورسائل، وذكريات.
ولهذا يمكن النظر إليها بوصفها حارسة الذاكرة. لكنها أيضًا شخصية تحمل مأساة الحرب في جسدها وذاكرتها؛ إذ تستعيد أمام أيوب صورة أمها المقتولة أثناء حصار سراييفو، قبل أن تتكشف له طبقات أخرى من مصائر عباس وليليانا. ومن هنا يصبح اللقاء بين أيوب وساشا لقاءً بين جيلين:
جيل صنع الحرب، وجيل ورث ذاكرتها.
النهاية: أقسى مفارقات الرواية
إذا كانت الرواية قد بنت طوال صفحاتها سؤالًا واحدًا: أين ماريا؟ فإن النهاية تقدم إجابة شديدة الذكاء من الناحية الدرامية. أيوب يغادر.
يكتب رسالته إلى ساشا.
يقول إنه وجد الجميع ولم يجد أحدًا. ثم، بعد مغادرته مباشرة، تصل إلى الفندق رسالة إلكترونية باسم:
ماريا يانكوفيتش. إنها على قيد الحياة. بل إنها رئيسة مجلس الإدارة والمديرة التنفيذية لمجموعة فنادق M&M، وتحجز غرفة في الفندق نفسه بعد مغادرة أيوب. هنا تبلغ مفارقة العنوان ذروتها. لقد عاد أيوب لكي يجد ماريا. ولما عاد، لم يجدها. وحين غادر، كانت ماريا في طريقها إلى المكان نفسه. إنها ليست مجرد مصادفة درامية؛ إنها فلسفة الرواية في سطر واحد:
قد يصل الإنسان إلى المكان الصحيح في الزمن الخطأ.
وهذا هو معنى ’العمر الآخر’.
إنه العمر الذي كان يمكن أن يبدأ، لكنه لم يبدأ.
هل نجح النص فنيًا في كل ما أراد قوله؟
تتضافر في الرواية عناصر قوّة متعدّدة، تتجلّى في بنائها السردي وثرائها الفني وعمقها الدلالي وفي انفتاحها على عناصر جمالية وإبداعية ترتقي بها إلى مصاف الأعمال الروائية الكبيرة. ومن هذه العناصر:
الموضوع الإنساني الواسع الذي يربط الحب بالحرب والمنفى والذاكرة. قوة المكان، وخصوصًا سراييفو بوصفها فضاءً للذاكرة. التداخل بين الحاضر والماضي. فكرة الكتابة داخل الكتابة. المفارقة القوية في النهاية. القدرة على تحويل الأحداث السياسية إلى تجارب شخصية. التعدد الثقافي والجغرافي الذي يمنح النص أفقًا يتجاوز الحكاية المحلية. ومع ما تنطوي عليه الرواية من عناصر قوّة وتميّز، فإن ثراء تجربتها السردية يفتح المجال أمام بعض الملاحظات الفنية التي قد تسهم في تعميق أثرها الأدبي وتعزيز بعض جوانبها الجمالية:
أولًا: الشرح والإيحاء
في بعض المواضع، يميل السرد إلى توضيح دلالات الحدث أو الحوار بصورة مباشرة، في حين قد يكون ترك مساحة أوسع للقارئ كي يستنبط هذه الدلالات بنفسه أكثر قدرة على إثراء التجربة القرائية وتعزيز طاقتها الإيحائية. ولعل إفساح المجال أحيانًا لما يقوله النص ضمنًا، لا لما يصرّح به مباشرة، من شأنه أن يمنح بعض المشاهد مزيدًا من العمق والتأثير.
ثانيًا: توظيف المصادفة في بناء الحبكة
تؤدي المصادفة دورًا ملحوظًا في بعض مراحل البناء الروائي، ولا سيما في الكيفية التي يلتقي بها أيوب بساشا، ثم في مسار وصوله إلى المعلومات التي ظل يبحث عنها. ولا شك أن المصادفة تظل أداة مشروعة في الفن الروائي، بل قد تكتسب أحيانًا دلالة فنية وجمالية خاصة؛ غير أن فاعليتها تزداد حين تندمج في النسيج السردي من خلال تمهيدات وإشارات سابقة تجعل وقوعها مقنعًا للقارئ، وتضفي عليها طابع الضرورة الفنية بدلًا من أن تبدو مجرد وسيلة لتطوير الأحداث.
ثالثًا: حضور ماريا وغيابها
لعل هذه المسألة من أكثر الجوانب إثارة للتأمل والنقاش في الرواية. فماريا، على الرغم من كونها تشكّل مركزها العاطفي ومحورها الوجداني، تظل غائبة عن زمن الحكاية الحاضر، ولا نتعرّف إليها إلا من خلال ذاكرة أيوب، ورسائل الآخرين، والصور، وما يُروى عنها من حكايات.
ويمكن النظر إلى هذا الغياب بوصفه اختيارًا سرديًا ذا دلالة جمالية؛ إذ تتحول ماريا، بفعل الذاكرة وتعدد الروايات عنها، إلى حضور يكاد يلامس الأسطورة في وجدان أيوب. ومن هذه الزاوية، لا يعود غيابها مجرد غياب جسدي، بل يتحول إلى شكل آخر من أشكال الحضور، وربما إلى أحد مصادر التأثير العاطفي في الرواية.
ومع ذلك، قد يثير هذا الاختيار تساؤلًا نقديًا مشروعًا: هل كان من الممكن أن تكتسب ماريا حضورًا أكثر استقلالًا، يتجاوز الصورة التي تتشكل عنها في ذاكرة أيوب وروايات الآخرين؟ فشخصية بهذه الأهمية العاطفية والرمزية ربما كان من شأن منحها مساحة أكبر للتعبير عن ذاتها ورؤيتها للعالم أن يضيف بُعدًا آخر إلى التجربة الروائية، وأن يجعل القارئ أقرب إليها بوصفها شخصية قائمة بذاتها، لا مجرد صورة تتشكل في وعي الآخرين.
وهنا يبرز سؤال نقدي جميل جدًا:
هل أحب أيوب ماريا المرأة، أم أحب صورة ماريا التي احتفظ بها في ذاكرته؟
وربما تكون الإجابة: لقد أحب الاثنين، لكن الفارق بينهما هو بالضبط المسافة التي صنعتها خمسة وعشرون سنة.
الخلاصة
في النهاية، لا تبدو "عُمرٌ آخر" رواية عن رجل يعود إلى مدينة قديمة بحثًا عن امرأة أحبها. إنها، في قراءتي، رواية عن الإنسان الذي يكتشف متأخرًا أن حياته لم تكن سلسلة واحدة متصلة، بل مجموعة من الحيوات الممكنة التي ألغى التاريخ بعضها وأبقى بعضها الآخر.
أيوب نجا من الحرب، لكنه لم ينجُ من آثارها. نجا من الموت، لكنه فقد أصدقاءه. غادر سراييفو، لكنه لم يغادرها داخليًا. نسي الكتابة، ثم عاد إليها. بحث عن ماريا، فوجد آثار الذين فقدهم جميعًا. وحين ظن أنه وصل أخيرًا إلى نهاية الحكاية، اكتشف أن المرأة التي كانت الحكاية كلها تدور حولها كانت على بعد لحظات منه فقط. وهنا تكمن قوة النهاية:
ماريا لا تعود إلى أيوب؛ بل يعود احتمال ماريا.
وهذا هو "العمر الآخر":
ليس العمر الذي عاشه أيوب، وإنما العمر الذي كان يمكن أن يعيشه. ولذلك ربما تكون الجملة الأعمق التي يمكن أن نختم بها هذه القراءة:
في "عُمرٌ آخر"، لا يكون الماضي شيئًا مضى، بل شيئًا كان يمكن أن يستمر؛ ولا تكون العودة استردادًا لما فقدناه، وإنما اكتشافًا مؤلمًا للحياة التي كان يمكن أن تكون لنا ولم تكن. وأرى أن هذه هي الأطروحة المركزية التي ينبغي أن نتوسع فيها لاحقًا إلى دراسة أكثر عمقًا للزمن السردي، والراوي، والبنية الدائرية، ورمزية الثلج والعكاز والرسائل، ثم "جماليات المصادفة" مقابل "مشكلة المصادفة" في بناء الرواية.

.jpeg)
...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي