loader
MaskImg

المقالات

مقالات ادبية واجتماعية وفنية

في مديح الوهم: خطاب الفضيلة داخل المرآة السوداء

breakLine
2026-06-30

رياض عبد الواحد السعد
ناقد | عراقي

 


ثمة ما يُغري في الخطابات الناعمة...
كأنها قوارير محكمة الإغلاق، مملوءة بعطور الأخلاق، ومختومة بشمع النوايا الطيبة.
لكن ما أن نفتحها حتى تفوح منها رائحة الواقع المؤجَّل، والحقيقة المغفلة، والوهم المؤثث بالكلمات.
في العالم الافتراضي، تُحاك الأنساق الوردية بعناية فائقة.
يبدو كل شيء قابلًا للتهذيب: الكلمات، المشاعر، وحتى القيم.
لكن خلف الشاشات، لا وجوهٌ حقيقية ولا أرواحٌ شفيفة.
فما يُقال لا يُقصد أحيانًا وما يُقصد لا يُقال غالبًا.
وهكذا، تغدو الأخلاق التي تُكتَب على الجدران الرقمية مجرد أقنعة تزهو في لحظة، وتتكسّر في لحظةٍ أخرى.
هذا النص محاولة لتفكيك (النقاء المصطنع) في خطاب شاع حتى كاد أن  يُصبح عقيدة في فضاء لا يعترف بقداسة الأشياء
في زحمة المنصات الرقمية، لا تكفّ بعض الخطابات عن اجتراح صورٍ مثالية لعالمٍ افتراضي (نقيّ) يُفترض فيه أن يتحقق التفاعل الإنساني بمعزلٍ عن الأسماء، والمواقع، والهويات، والمصالح. ومن بين هذه الخطابات ذلك النص الذي يتكرر بصيغٍ مختلفة على صفحات التواصل، ويتبنّى نبرة أخلاقية حالمة، تبدأ بعبارات مثل: (لا يهمّني اسمك، ولا عمرك، ولا عنوانك بل يهمّني حرفك وأخلاقك وأسلوبك.)
وإن كنا لا ننكر جمال النوايا خلف هذا الطرح، فإن من الضروري إخضاعه لمنظور نقدي يبيّن هشاشته البنيوية وانفصاله عن الواقع السيبراني المركّب. فالتواصل ـ حتى في أبسط أشكاله ـ لا يُمكن فصله عن السياق والهويّة؛ الاسم، والعمر، والانتماء، ليست تفصيلات عرضية بل مفاتيح ضرورية لفهم الخطاب، وتأويل النوايا، وتحديد مستوى العلاقة.
يتغافل النص عن هذه البُنى، ويستبدلها بمجموعة من القيم المجردة التي تُعرض وكأنها متاحة دومًا: (الاحترام، التواضع، اللباقة، الارتقاء بالروح) ، وكأن الفضاء الرقمي خالٍ من الاستعراض، ومن الاستقطاب، ومن وهم المثالية الذي يُغذّيه كثيرون ليصنعوا صورة زائفة لأنفسهم.
ثمّة تجاهل واضح في هذا الخطاب لطبيعة مواقع التواصل كمساحات سيولة، تتبدّل فيها المواقف، وتتهشّم العلاقات، وتنشأ العداوات كما تُصنع التحالفات، بكبسة زر. فكيف يمكن الحديث عن (عائلة إلكترونية راقية) بينما البنية الرقمية نفسها تقوم على التفاعل العابر، وعلى إغراء الانفصال السهل والتجاهل الناعم؟
بل إن اللغة نفسها التي يُقال إنها مركز التقدير والتفاعل ليست بريئة ولا معزولة، فهي مشروطة بالهوية، ومحمّلة بالوعي واللاوعي، وتتحوّل في كثير من الأحيان إلى أقنعة بلاغية لا تكشف صاحبها بل تواريه.
هكذا يصبح الخطاب الذي يتغنّى بـ(الرقيّ الإلكتروني) مجرّد وهم أخلاقي، يستعير مفردات الحِكمة دون أن يقدّم حلولًا واقعية، ويتبنّى نزعة عاطفية تخديرية تسعى إلى تجميل واقع افتراضي لا يمكن إصلاحه بالكلمات وحدها.
إن ما نحتاجه اليوم ليس تكرار مقولات مغسولة بالمثالية بل الاعتراف بواقع معقّد تتداخل فيه القيم مع المصالح، والصدق مع التصنّع، والحقيقة مع التمثيل، والذات مع ظلّها الرقمي. عندها فقط يمكن أن يبدأ الوعي النقدي في شق طريقه داخل هذا الضجيج الناعم.

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي