مقالات ادبية واجتماعية وفنية
ناطق فرج
كاتب ومترجم | عراقي
كيف يكون الفشل العسكري نصراً؟
سؤال حيّرني طويلاً، وكلَّما عدتُ إلى واقعةِ كربلاء ازداد حضورَهُ في ذهني. كيف استطاع الإمام الحسين بن علي (عليه السلام) أنْ يحوّلَ هزيمة عسكرية مكتملة الأركان إلى أحد أعظم الانتصارات الأخلاقية والإنسانية في التاريخ؟، وكيف بقيت ذكراه حيّة في ضميرِ البشريةِ بعد أكثر من أربعة عشر قرناً، بينما اندثرت أسماء المنتصرين عسكرياً؟
في الظّاهر، انتهت معركة كربلاء بخسارةٍ عسكرية للحسين وأصحابه. استُشهد القائد، واستُشهد أهل بيته وأنصاره، وانتهت المواجهة لمصلحة السُّلطة التي امتلكت العددَ والعدَّةَ والقوة، لكنَّ التاريخ لا يُكتب دائماً بلغةِ السيوف، ولا تُقاس الانتصارات كلّها بعددِ القتلى أو مساحة الأرضِ التي يُسيطر عليها المنتصر. ثمَّة انتصارات من نوعٍ آخر، انتصارات تغيّرُ الوعي الإنساني وتعيدُ تعريفَ القيمِ وتمنحُ الحياةَ معنى يتجاوزُ حدودَ الزَّمان والمكان.
لقد أنتجت كربلاء معنىً للانتصار لم تستطع كثير من التَّجاربِ البشريَّةِ أن تبلوره بالوضوح نفسه. فالنَّجاح العسكري وحده لا يُجيبُ عن الأسئلةِ الكبرى: لماذا نعيش؟ وما الذي يستحقُّ أن نضحّي من أجله؟ وما قيمة الحياة إذا فُقدت العدالة والكرامة؟ هنا تحديداً تكمنُ فُرادة ثورة الحسين بن علي (عليه السلام). فالمهمة العسكرية بدت فاشلة وفق الحسابات التقليدية، لكنَّ الرِّسالةَ الأخلاقيةَ التي حملتها كانت أكثر رسوخاً وتأثيراً من أي انتصارٍ ميداني مؤقَّت.
لسنواتٍ طويلة كنتُ أضعُ ثورة الحسين في إطار محلّي، في سياق عراقي على وجه التَّحديد؛ ربما بحكم الجغرافيا ووجود كربلاء في العراق، غير أنَّني أدركتُ لاحقاً أنَّ ثورةَ الحسين أكبرُ من أي جغرافيا، وأوسعُ من أيّ هوية ضيقة. فثورته لم تعد حدثاً يخصُّ شعباً أو طائفةً أو بلداً بعينه، بل تحوَّلت إلى رمزٍ إنساني عالمي يجد فيه الأحرار في كلِّ مكانٍ صورةً لمقاومةِ الظُّلم والدِّفاع عن الكرامة.
الحسين هو الإنسان الذي رفض أنْ يمنحَ الشَّر شرعية الصَّمت.
الحسين هو الذي خرج في مواجهةِ الظُّلمِ والفسادِ حين اختار كثيرونَ السَّلامة.
الحسين هو الذي انتصر للمستضعفينَ حين كانَ ثمن الانتصارِ حياتَه وحياة أحبّ النّاس إليه.
والحسين هو الذي دافع عن منظومةٍ من القيمِ الإنسانية كادت أن تُمحى تحت وطأة الاستبداد والخوف.
لقد كسر الحسين حاجزَ الاستسلام للحاكم الظّالم، وأعاد تعريف معنى المسؤولية الأخلاقية تُجاه المجتمع. وأعاد تعريف التَّضحية حين تقدَّم أهل بيته وأنصاره إلى الشهادة قبله، وأعاد تعريف الفداء حين جعل من حياته جسراً تعبر عليه المبادئ إلى المستقبل.
أما الكرامة، فقد منحها تعريفاً خالداً في عبارته الشهيرة: "هيهات منّا الذّلة". لم تكن تلكَ العبارة مجرَّد كلمات قيلت في لحظةِ مواجهةٍ، بل إعلانٌ دائمٌ بأنَّ الإنسانَ يفقدُ إنسانيتَهُ عندما يقبلُ المذلَّة طوعاً، وأنَّ الحريةَ ليست امتيازاً بل شرطاً من شروط الكرامة.
من هنا يُمكنُ فهم معنى الانتصار في كربلاء. لم يكن الانتصار في البقاء الجسدي، بل في بقاء الفكرة. ولم يكن في هزيمة الخصم عسكرياً، بل في هزيمتِهِ أخلاقياً أمام التّاريخ. فالسُّلطة التي انتصرت يوم العاشر من محرَّم ربحت المعركة، لكنَّها خسرت الرواية، بينما خسر الحسين المعركةَ وربح الضَّمير الإنساني.
ولهذا ما زالت كربلاء تُستحضر كلَّما واجه الإنسان طغياناً أو استبداداً أو ظلماً. فالحسين لم ينتصر لأنَّه عاش، بل انتصر لأنَّ القيم التي استُشهد من أجلها بقيت حيّة.. ذلك هو أعظم أشكال الانتصار: أنْ تتحوَّلَ التَّضحية إلى معنى، وأنْ يتحوَّلَ الدَّم إلى رسالة، وأنْ يصبحَ الموتُ من أجلِ الحقيقةِ حياةً متجدِّدة في ضمير الإنسانية.
...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي