loader
MaskImg

المقالات

مقالات ادبية واجتماعية وفنية

عبد الوهاب البياتي/كان كمـن يتـأمّل غيمـةً بعيـدة( في ذكرى رحيله )

breakLine
2026-08-03

                                                 

علي جعفر العلاق | شاعر وناقد عراقي

تعود معرفتي بالشاعر عبد الوهاب البياتي إلى أواسط السبعينات، بعد أن عاد إلى بغداد من حياة المنفى، تلك الحياة التي عاشها مضطراً حيناً، ومختاراً في أحيان أخرى. عندما رأيته للمرة الأولى لم أستطع أن أدقق في ملامحه بعيداً عن ضباب قصائده، أو غبار أسفاره المتواصلة: وجه طفولي غامض، وعينان حزينتان ، ونظرة شاردة على الدوام. لم أكن أراه إلا وهو غارق في تأملاته، أو دخان سجائره، أو رائحة قهوته المرة. وكثيراً ما كنت أتخيله، حين أراه، وكأنه يكتب قصيدة، أو يتأمل البحر، أو يتابع، بعينيه الحزينتين غيمة بعيدة. ولكن مظهره  لا يعكس تماماً طبيعته الحقيقية ؛ التي تختلف ، إلى حد بعيد أحياناً، عما يوحيه مظهره الطفوليّ هذا.
بعد ذلك، وخلال عمله في وزارة الثقافة والإعلام،  دادت فرص لقائي به، خاصة عندما عمل في الهيئة الاستشارية لمجلة الأقلام، التي كنت، آنذاك، محرراً فيها.  بينما كان الناقد عبد الجبار البصري رئيساً لتحريرها، والروائي عبد الرحمن الربيعي سكرتيراً للتحرير، وكان الشاعر سعدي يوسف يعمل في المجلة أيضاً.
كان أول تماس شعري بيني وبينه حين اختارته لجنة تعضيد النشر خبيراً ليقرأ مجموعتي الشعرية الثانية (وطن لطيور الماء) وكان تقريره عن تلك المجموعة إيجابياً إلى حد كبير. ثم تطورت علاقتي به لكنها لم تصل إلى مستوى الصداقة الحقيقية؛ فصداقات كهذه نادرة في حياة البياتي ندرة عجيبة، مع أن الكثير من علاقاته بالآخرين توحي، ظاهرياً، أنها كذلك.
حين سافرت إلى بريطانيا، أواخر السبعينات ، لإكمال دراستي العليا اخترت (المشكلات الفنية في شعر البياتي) موضوعاً لأطروحتي التي أشرف عليها، في جامعة أكستر، المستشرق الإسكتلندي جاك سمارت. وخلال دراستي التقيت البياتي مرات عديدة، في لندن، وفي مدريد ، حين كان يعمل مستشاراً في السفارة العراقية هناك.
                                                    *
كان البياتي موضع خلاف بين الكثير من النقاد والشعراء العرب، فهو، إنساناً، حاد الطبع وذو لسان جارح، أما شاعريته فلم تكن محل إجماع دائماً. ولهذه الأسباب ربما لامني بعض الأصدقاء لأنني اخترت البياتي موضوعاً لرسالة الدكتوراه، وكنت أرى في موقفهم هذا ظلماً كبيراً له، من جهة ، وسبباً كافياً للكتابة عنه من جهة أخرى.
يمتلك البياتي لغة شعرية مميزة، لغة قد تفتقر إلى الصقل والصفاء أحياناً، لكنها حارة ويومية في أحيان كثيرة. كما أن له قدرة عالية على تذويب اليومي والأسطوري في رؤيا متوترة. وكان شديد الاحتفاء بالإنسان في صراعه المجيد، منذ بدء الخليفة، ضد الألم والامتهان. وللبياتي إنجازات لا تخفي في استخدام الأسطورة، والأقنعة الدرامية، والتناصات الحيّة مع الأسلاف.
ويمكن القول، دون مبالغة، إن لطريقة البياتي، أو أسلوبه، سحراً خاصاً على شعراء كثيرين ومن أجيال مختلفة. وفي فترة من الفترات كان القادرون على مقاومة تأثيره قليلين. ولقد ترك البياتي في ذاكرة قرائه صوراً شديدة الجاذبية لمسيرته الطويلة؛ فهو سارق النار، وهو مجنون عائشة، وهو عاشق لارا، وهو شاعر المنفى والمشاكسات.
ومن جهة أخرى كنت أحس بأن حظوة البياتي لدى بعض النقاد قد ألحقت به ضرراً كبيراً لأنها حظوة مصنوعة ، أو مخطط لها في أحيان كثيرة. أي أن البياتي نفسه كان يقف وراءها في الغالب . وكثيراً ما كان النقاد يتهافتون على الكتابة عنه، إما لشهرته، أو للإفادة من نفوذه الثقافي، أو لتجنب أذاه، فقد كان مثل شجرة برية: شائكاً، ومهيباً، وقادراً على الإيذاء. لذلك كانت الكتابات الجادة عنه قليلة إلى حد فاجع وربما يظلّ في مقدمتها ما كتبه كمال أبو ديب، وكمال خير بك، وخلدون الشمعة وبعض كتابات الراحل إحسان عباس.
لقد أردت أن أكتب عملاً يمثلني باعتباري من جيل آخر يختلف عن جيل البياتي: ذائقة ولغة ورؤيا. وقد اتضح لي، بعد ذلك، أن البياتي لم يكن سعيداً تماماً بما كتبته عنه؛ فقد عوّده الكثيرون من نقاده على الاحتفاء به أو تدليله دائماً: كانوا يتلقفون كل ما يكتبه بانبهار وتأليه عجيبين حتى جعلوه يحس بأنه فوق النقد، وأن كل ما يكتبه باهر، وفذ، واستثنائي. وربما لم يجد الأمر كذلك بالنسبة لي، لأنني حاولت الأصغاء بصدق، إلى نصوصه الشعرية وحدها دونما تهريج ودونما مشاكسة أو لؤم أيضاً.
وهكذا ظلت علاقتي بالبياتي تسبح في منطقة غائمة ، إلى أن نشرت لي جريدة (أخبار الأدب) حواراً أجراه معي محررها الصديق مصطفى عبد الله، في بداية التسعينات وكنت أعمل حينذاك أستاذاً في جامعة صنعاء. ومن جملة ما قلت في ذلك الحوار إن البياتي شاعر كبير، وإن له ما للشاعر الكبير من أخطاء. وهنا بدأ يصلني بعض من فاكهته المرة التي كان يفصح عنها في مجالسه الخاصة. لقد كان مؤمناً، وبشكل كاسح، بأنه شاعر فوق الأخطاء، وبأنه فوق مساءلة النقاد أيضاً.
                                                 *
قليلون هم الشعراء الذين يرون أن القصيدة هي وجودهم كله، وأن حياتهم خارج الشعر لا معنى لها. وربما كان البياتي في طليعة هذه القلة، وقد يكون إيمانه بالشعر إلى هذا الحد سبباً في مواقفه الشرسة إزاء الآخرين ممن يرى فيهم خصوماً أو منافسين، أو مصدر خطر على مكانته الشعرية.
وفي معظم الأحيان، لم يكن البياتي يعرف حدوداً لخصوماته تلك؛ فهو يندفع إلى آخر التخوم في مواقفه، دون أن يترك للصلح موضعاً كما يقال. وقد تجلّى ذلك في عداواته التي ظلت راسخة ونهائية حتى وفاته بالنسبة لنـزار قباني، وأدونيس، والفيتوري، وبلند الحيدري، وعبد الرزاق عبد الواحد على سبيل المثال.
للبياتي أساليبه الطريفة والموجعة، أحياناً، في تمرير آرائه أو هجائياته للآخرين. إن أحاديثه مليئة بالإيماءات، والتوريات، والصور التي تعطي لشتائمه مذاقاً خاصاً، مع أنها بالغة المرارة دائماً: فهو قد يتناسى اسم من يتحدث عنه أو إليه رغم شهرته، أو يخطئ في الحقل الذي يمثل اهتمامه الأساسي، أو يشير إليه بعلامة جسدية تضايقه. وإذا كانت مخيلة البياتي قادرة دائماً على تحويل اليومي إلى شعري، فإنها قادرة أيضا على ابتكار الأشكال والصيغ الحسية لشتائمه اللاذعة: فهذا شاعر له شهرة الراقصة، وذاك يشبه حشرة أفريقية، وذلك حصان سقط في بداية الشوط، وهذا ينوح كالمطلّقة، وهؤلاء خراف ضالة ! 
ولهذا يمكن القول أن عبد الوهاب البياتي يمثل ظاهرة هجائية لا تجارى، أو شيزوفرينيا شعرية  تنتظم شعره وشخصيته معا ً: تقبع في قرارة روحه وفي صوره الشعرية، في الجسد وفي اللغة، في المزاج وفي حرفة الكتابة. وهو حين يتحدث لا ينطلق على سجيته، ولا تحسه مرناً ومتدفقاً إلا عندما يطلق العنان لمزاجه الناري، ولسانه القادر على الإيذاء. أما أحاديثه في الشعر، أو عنه، فتبدو أحيانا في منتهى الفقر، والإملال، بل تبعث على الضحك ربما، وهذا الجانب من شخصيته يصلح ليكون واحداً من تناقضاته الكثيرة.
وحين تجالس البياتي فإنك لا تملك إلا الإصغاء إلى خياله الجامح، المفعم بمبالغاته الجميلة ، وفتوحاته النسائية التي تستمتع بها مع إدراكك أنها قد تخلو تماماً من رائحة امرأة حقيقية واحدة.
أذكر مرة أنني كنت معه في مقهى يرتاده كثيراً في مدريد. كان ذلك خلال دراستي في انجلترا، وفي عام 1982 تحديداً. جلسنا إلى طاولة مستقلة، كان يتحدث بثقة مطلقة، عن كل شيء : أسفاره، قصائده، أصدقائه، خصومه، وفتوحاته العاطفية.
فجأة التفت البياتي إلى طاولة قريبة منا كانت تشغلها مجموعة من النساء، كانت بينهن سيدة كثيرة التلفّت إلى البياتي الذي أحس بذلك جيداً، وهنا قال، وبيقين راسخ: هذه مشكلتي مع النساء دائما، أنهن يتابعنني في كل مكان. ثّم جاء النادل ليخبره أن هناك من يطلبه على الهاتف. خلال غيابه القصير عن الطاولة جاءتني السيدة وسألتني لتتأكد من أن الرجل الذي معي هو البياتي وليس رجلاً شبيها به، ثم عادت إلى كرسيّها. أخبرت البياتي بذلك فلم يتحمل الانتظار، ذهب إلى السيدة بلهفة حارقة، تحدث معها قليلاً ثم عاد إلى مكانه متجهماً: قال، دون أن أسأله، وبصوت مثقل بالخيبة: أنها والدة صديقي  المستشرق فيدريكو . لكن الشيء المدهش فيه، حقاً، أن له مخيلة شديدة الحيوية، قادرة على أن تحوّل كل هذه التفاصيل العابرة إلى شعر حقيقي في الغالب.
                                                   *
لقد مر شعر البياتي بتحولات كبرى، لكن هذه التحولات لم تكن تشكل نمواً متجانساً على الدوام، بل كانت تبدو أحياناً وكأنها قفزات مفاجئة. إن من يقارن (سفر الفقر والثورة) أو (الذي يأتي ولا يأتي) أو (الكتابة على الطين) مثلاً بدواوين أخرى مثل (يوميات سياسي محترف) أو (50 قصيدة من برلين) أو (النار والكلمات) يجد نفسه بين ذري خضراء وقيعان كالحة. وهذه التفاوت نجد أحياناً حتى بين قصائد الديوان الواحد، بل ويتجسد في أحيان أخرى، ضمن القصيدة الواحدة.
                                                     *
وكان موت البياتي وجهاً آخر لسيرته العاصفة؛ لقد ظل طوال حياته، في الوطن أو في المنفى، يعبّر عن الإبداع والسلطة في صراعهما الأبدي، ومع ذلك فقد ظلّ هذا الشاعر المثير للجدل ممسكاً بشعرة معاوية إلى فترة متأخرة من رحلته القلقة.
ورغم وداعته الظاهرية، كان البياتي يمثل، بالنسبة للكثيرين، بركاناً قابلاً للانفجار في أية لحظة: بطل لا يجاري في حروب الكلام، وذو مواقف شديدة التطرف. كان له كثير من الحواريين الذين كانوا ينتشرون في العديد من منابر النشر، والمؤسسات الثقافية، وإدارات الصحف والمهرجانات الشعرية على طول العالم العربي وعرضه. وكان يمكنه، أحياناً، أن يستنفر هذه القوات الاحتياطية الناعمة، وفي الوقت الذي يريد، إما للترويج له، أو للفتك بهذا أو ذاك من خصومه!
كيف يمكن لغياب الشاعر أن يكون سببا في حضوره؟
وبناء على ذلك، هل سيسهم رحيل البياتي في إبراز عالمه الشعري بطريقة أكثر صفاء عن ذي قبل؟ وهل أدّى حضوره المادي في السابق، إلى غياب قصائده عن التأمل النقدي الهادىء ؟ أعني بعيداً عن تشنجاته وغبار معاركه؟ بعبارة أخرى: هل حجب البياتي، بحضوره الشخصي، ضوء قصائده عن الآخرين، وحال بينهم وبين استجابتهم لتلك القصائد استجابة حرة، وعميقة؟
ها هو عبد الوهاب البياتي يبتعد عن عالمنا القاسي ممعناً في غيابه الأبدي، عاجزاً عن حماية نفسه، أو الترويج لقصائده أو فتوحاته، ومجرداً من قدرته ، أيضاً، على إلحاق الأذى بقشة أو حصاة. وها هو جسد الشاعر يتنازل، وإلى الأبد، عن تناقضاته وشراسته، ليترك لنا ما يؤكد كونه شاعراً يصعب تكراره في شعرنا العربي : أعني نبرته المميزة، ولغته الخاصة، ورؤاه المفعمة بالأمل والعذاب. والتمرد  . 

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي