مقالات ادبية واجتماعية وفنية
ناطق فرج
كاتب ومترجم | عراقي
لعلَّ أغرب ما في معظم القنواتِ الفضائيةِ العربية أنَّ مقدِّمَ البرنامج لا يستضيف أحداً لكي يتحدَّثَ معه، بل يستضيفه لكي يقاطعه!
فما إن يبدأ الضيف بعرض فكرته حتى ينطلق المذيع كعدّاء أولمبي قائلاً: "طيّب... نعم... طيّب... هذه الكلمات لا تعني بالضرورة موافقة المذيع أو استحسانه لما يقوله الضَّيف، بل هي بمثابة إنذار مبكِّر يقول: لقد أطلتَ وسأنتقم منك... أو استعد، سأقاطعك خلال ثوانٍ! ثمَّ يقاطعه بعبارة: اسمح لي! لينتقل مباشرة بالسؤال إلى ضيفٍ آخر، مع أنَّ الضَّيفَ الأوَّل لم يكمل بعد فكرته بشكلٍ تام.
أما الأسئلة فحدِّث ولا حرج. ففي المدارس والجامعات تعلَّمنا أنَّ السُّؤالَ يجب أن يكونَ واضحاً ومحدَّدًا، لكن يبدو أنَّ بعض مقدمي البرامج تخرَّجوا من مدارس مختلفة تماماً؛ إذ يبدأ السُّؤال بتاريخ الدَّولة العثمانية، ويمرُّ على الحرب الباردة، ويتوقَّف عند أسعار النفط، ثم يُختصر ويُختم بسؤال من ثلاث كلمات!
وأحياناً يبلغ طول السُّؤال 250 كلمة، أي ما يعادل صفحة كاملة بحجم (A5)، عندها يضطر الضَّيف إلى استخدام العبارة الشهيرة: «عذراً، لم أسمع السؤال جيداً»، بينما الحقيقة هي أنَّه لم يفهم أين بدأ السؤال وأين انتهى.
أما إذا كان الضَّيفُ يتحدَّث عبر الأقمار الصناعية من بلد بعيد، فإن معاناته تكون مضاعفة. فبالإضافة إلى فارق التوقيت، تأخير الصوت وأحياناً سوء الاتصال، تأتي المقاطعات لتؤكّد له أنَّ كلَّ هذه التضحيات لم تكن كافية. وحين يحاول استعادة خيط حديثه يكتشف أنَّ مقدِّمَ البرنامج انتقل إلى ضيف آخر، أو إلى فاصل إعلاني...
ومن الأمور اللافتة أنَّ بعض البرامج تُخصِّص للضيف عشر دقائق كاملة، غير أنَّ المذيع يستهلك سبع دقائق منها في المقدِّمة والسُّؤال والتعقيب والمقاطعات، ويمنح الضيف ما تبقى من الدقائق القليلة لشرح قضية عمرها ثمانية عقود.
أما كلمة «عاجل» التي تُجمع على «عواجل!» فقد أصبحت كائناً مستقلاً بذاته. لا أحد يعرف من أين تأتي ولا إلى أين تذهب. تظهر فَجأةً، تقطع الحوار، تربك الضَّيف، تثير حماس المذيع، ثمَّ يتَّضح في أحيان كثيرة أنَّ الخبرَ العاجلَ هو إعادة صياغة لخبر كان معروفاً منذ ساعةٍ أو أكثر. وإذا كان العاجل قد ظهر على الشّاشة وقرأه المشاهدون فهو لم يعد عاجلاَ! فما حاجة المذيع إذن لمقاطعة الضُّيوف لقراءة العاجل؟!
المضحك المبكي حقاً هو ظهور كلمة «عاجل» على شريط أحمر أسفل الشاشة. هذا الشريط يظهر بصياغة معينة، ثمّ يختفي، ثمَّ يظهر ثانية بصياغة مختلفة. وما إنْ يظهر هذا الشريط حتى يشعر بعض المذيعين بواجب وطني مقدَّس يفرض عليهم مقاطعة الضَّيف فوراً، حتى لو كان يتحدَّث من قارة أخرى بعد انتظار طويل بسبب فارق التوقيت.
الأكثر طرافة هو أنَّ كلمة «عاجل» أصبحت نجمة الشاشة الأولى. فالعاجل يطارد العاجل، و«العواجل» تزاحم الأخبار نفسها، حتى يخيل للمشاهد أنَّ العالمَ يعيش حالة طوارئ دائمة منذ اختراع البث الفضائي.
ظاهرة المقاطعة لم تعد تقتصر على الضُّيوف، فالمذيع أصبح يقاطع مراسله أيضاً. تخيّل مراسلاً يقف تحت المطر أو وسط زحام أو في منطقة توتر، وبعد أن يبدأ تقريره بثوانٍ يسمع فَجأةً: «شكراً لك فلان الفلاني مراسلنا من ... »، رغم أنَّه لم يصل بعد إلى منتصف التقرير الذي أعدَّه!
وهناك نوع آخر من المذيعين يطرح السُّؤال بصيغة الاتهام لا بصيغة الاستفهام. فيشعر الضَّيف منذ اللَّحظة الأولى أنَّه في جلسةِ تحقيق لا في برنامج حواري. وبعد خمس دقائق من الدِّفاع عن نفسه يكتشف أنه جاء إلى الاستوديو بصفةِ ضيف، لكنَّه تحوَّل إلى متهمٍ دون أن يدري.
الغريب أنَّ بعضَ مقدمي البرامج يعتقدونَ أنَّهم وحدهم مَن يقرِّر مَن يتحدَّث، ومتى يتحدَّث، وكم يتحدَّث. وهم لا يدركون حقيقة أنَّ المشاهدَ لا يجلس أمام الشّاشةِ ليستمع إلى المقاطعات، بل ليستمع إلى الأفكار والآراء.
لذلك فإنَّ ظاهرةَ المقاطعةِ المستمرةِ لم تعد مجرَّد ظاهرة إعلامية مزعجة، بل أصبحت سلوكاً مقيتاً يحتاج إلى مراجعةٍ وتصويب. فالحوار النّاجح لا يقوم على كثرةِ المقاطعات، بل على حسن الاستماع، وهذه مهارة غدت عاجلة أكثر من كلِّ العواجل!
...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي