loader
MaskImg

المقالات

مقالات ادبية واجتماعية وفنية

طه حسين قارئاً لأدب عصره: قراءة في كتاب (من أدبنا المعاصر)

breakLine
2026-06-08

إبراهيم رسول
ناقد | عراقي

 

يجيءُ هذا الكتاب ضمن مشروعٍ نقديٍّ تنويريٍ, اشتغلَ عليه العميد طه حسين وبقي وفيًا لتقديمه حتّى آخر حياته, فهو واحدٌ من النقاد الذين أثروا بشكلٍ ملحوظ في الساحةِ الثقافية العربيّة وأحدثوا فيها ما أحدثوا من إثاراتٍ كثيرةٍ, بعثت آخرين على الردِّ عليها, فتعصب قومٌ له وتعصب آخرون عليه, ولكن مشروعه حمّال أوجه كثيرة, يستدعي التناول النقدي أنْ يخصّص في جانبٍ معينٍ ويتم الاشتغال عليه قراءةً ونقدًا هكذا تكون الموضوعية في المنهج, وهذه الموضوعية هي التي تُحقق الفائدة والنفع, لهذا, حين نقرأ رأيًا للعميد في الأدب القديم والحياة الثقافية القديمة, يستدعي فينا أو يُثير فينا الرغبة الملحة في قراءة رأيه في أدب عصره, فهو كثيرًا ما يستحضر الثقافة الفرنسية كنوعٍ من الافتخار والاعتزاز, فقد عرفنا ما عرفنا من الثقافة الفرنسية من خلال إعجابه الواضح بها, ولكننا كنّا نأمل أنْ نقرأ رأيه في أدب عصره, فجاءَ هذا الكتاب, ليرضي شغفنا بمعرفة رأي العميد في هذا الأدب الذي يواكبه ويقترب منه, فهو رأيٌ فيه كثيرٌ من النقد وكثيرٌ من الانطباعية أيضًا, وأحسبُ أنّ التوافقَ مستحيلٌ بين الاثنين, لأنَّ للناقد روحًا وذائقةً, لا بُدَّ أنْ تحيد به نحو ما ترغب به تلك الذائقة وهذه حالة طبيعية لكنا نلوم الناقد حين تُهيمن هذه الحالة على المنهج فتزيحه لتحلّ محلّه, وأجدُ أنّ العميدَ وقع فيما لا ينبغي له الوقوع فيه, من خلال ما انتقاه وأعجبه من أدب عصره.
لا يتعامل الكتاب مع الأدب المعاصر بوصفه مادةً للعرضِ أو الوصفِ, بل يتعاملُ معه بوصفه موضوعًا للحكم والتقويم, فهو يكشفُ لنا عن الذائقة النقدية عند العميد, فنعرف ما يستهويه من الأدب سواء القصصي أو الشعري, نعرف هذا من خلال سطوره التي يقدمها كنوعٍ من التقديم والتعريف بما اختاره من كتاب, ولكن ما يحسب على العميد في هذا, أنّ ذائقته في بعضِ الأحيان تنصرف من صرامة المنهج النقدي الذي يشتغل عليه, وتحيد به نحو ما يعجب به, فعلى سبيل المثال, نراه يُعجب أيّما إعجاب برواية بين القصرين لنجيب محفوظ (ويسميها قصة) ويذم أديبًا مثل المتنبي, فهو معجبٌ بهذه اللغة الوسطى التي كتب بها نجيب روايته, حيث يقول: ما رأيك في قصة تتجاوز صفحاتها المئات الأربع وتقرؤها منذ تبدأ إلى أن تنتهي فلا تحس بها ضعفًا ولا تشعر فيها بفتور في أي موقفٍ من مواقفها, ولا تثير فيك إحساساً بأن الكاتب على إطالته قد أدركه شيء من الإعياء أو أصابه شيء من التراخي أو ناله ما ينال الكتاب المطولين من هذا الجهد الذي يدعو إلى شيء من الراحة والتنفس في ذلك. (الكتاب:53), فهذا الرأيُ يمثّل حكمًا نقديًا وانطباعيًا في الوقت ذاته, أو هو أراد أنْ يبرر لانطباعه الشخصي جملة نقدية ليهرب من رأي الذين ينقدونه, وطه حسين ناقد ذكي له عقل راجح, ودبلوماسيٌ ناجح, يستطيع أن يبثّك رؤاه التي لا تتفق مع رؤاك لكنه يقدمها في لُغةٍ مبطنةٍ تظنّها مدحًا وفي الحقيقة هي ذم صريح.
فالعميدُ في هذا الكتاب, شارك مشاركة فاعلة في تفسير وتحليل الأدب المعاصر, لأنَّه مرآة العصر الذي يعيش فيه ولا بُدَّ أنْ يكون له رأيٌ فيه, وأحسبُ رأيه في حرص السوريين على سلامة اللغة وحمايتها من مشكلة العامية والفصحى أبدى فيه رأيًا بديعًا يستحقّ التأييد, وفي الوقت نفسه نراه ينحاز إلى اللهجة المصرية المحببة عند نجيب محفوظ, وأجدهُ يريد أنْ يجعلها لُغةً مقبولةً مفهومةً, لأنّه لم يقدّم غيرها لهجة من لهجات البلدان العربية, فهو يعترفُ بالاستعمار الفرنسي ويصفه بأنّه استعمارٌ حالَ بين التقارب الثقافي بين تونس ومصر, لهذا فهو يستعمل الألفاظ التي لا تُحسب عليه, إنَّه كما أسلفنا يذمك في لغة المدح ويمدحك في لغة الذم, ولعلَّ هذا ما يجعلُ القارئَ يتوقفُ عند كثيرٍ من أحكامه  في هذا الكتاب؛ لأنَّها لا تُقدَّم دائمًا بوصفها نتائجَ انتهى إليها تحليلٌ صارمٌ للنصوص، بل تُقدَّم أحيانًا بوصفها قناعاتٍ راسخةً سبق أنْ استقرَّ عليها ثم راح يلتمس لها ما يؤيدها من الشواهد فيما قرأ من أدب معاصرٍ, وهذا الأمر لا يختصُّ بالدكتور طه حسين وحده، بل هو من طبيعة النقد الأدبي نفسه، غير أنَّ الناقدَ الكبير يُطالَب بأكثر مما يُطالَب به غيره؛ لأنَّ أحكامه لا تبقى حبيسة الكتاب، بل تتحوّل إلى مواقف ثقافيّة يتداولها الناس ويحتجون بها فيما بعد, فتغدو الآراء التي خلص إليها عبارة عن قوانين يحفظها الناس ويكاد أنْ يقلدها المبدع ويفرضها على إبداعهِ.
ومن يقرأ الكتاب قراءةً متأنيةً يلحظُ أنَّ العميدَ لمْ يكنْ معنيًّا بالأدب من حيث هو بناءٌ فنيٌّ خالصٌ فحسب، بل كان ينظر إليه من زاويةٍ حضاريةٍ وثقافيةٍّ أوسع, وهذا ما نجده في كل مشروعه النقدي, فهو يبحثُ عن الأدب القادر على التعبير عن المجتمع، والقادر على أن يكون شاهدًا على عصره، ولذلك وجد في بعض الأعمال الروائية الحديثة ما لم يجده في كثيرٍ من النصوص التي انشغل أصحابها بتحسين اللفظ وإجادة الصنعة. ومن هنا يمكن فهم احتفائه ببعض الأعمال التي رأى فيها صورةً حيّةً للحياة المصرية الحديثة، حتى وإن كان هذا الاحتفاء قد دفعه أحيانًا إلى التغاضي عن بعض ما يمكن أنْ يؤخذ عليها من ملاحظاتٍ فنية لها قيمتها ولها خطرها أيضًا لكنَّ عينَ الرضا تأخذ ما يعجبها وتنفر ما لا ترتضيه.
ومع ذلك فإنَّ قيمةَ الكتاب لا تكمن في اتفاقنا مع أحكامه أو اختلافنا معها، بل في قدرتهِ على إثارةِ الأسئلة النقدية والثقافيّة, فالقارئ لا يخرج منهُ حافظًا لآراء الدكتور طه حسين فحسب، بل يخرج مدفوعًا إلى إعادةِ النظر في تلكَ الآراء ومناقشتها, وهذه من خصائص الكتب النقديّة المهمة؛ إذ إنَّها لا تفرض على القارئ رأيًا نهائيًّا بقدر ما تدفعه إلى المشاركة في صناعة الرأي.
ولذلك أرى أنَّ كتاب (من أدبنا المعاصر) ليس كتابًا في الأدب المعاصر وحده، بل هو كتابٌ في شخصيّة الناقد أيضًا, فمن خلال صفحاته نتعرّف إلى الناقد الذي يُعلي من شأن العقل، وإلى الأديب الذي تحكمه الذائقة، وإلى المثقف الذي يحمل مشروعًا فكريًّا يريد أن يراه حاضرًا في الأدب والحياة. وهذه العناصر كلّها تتجاور في الكتاب، فتمنحه قيمته من جهة، وتجعله عرضةً للنقاش والمراجعة من جهةٍ أخرى.
وإذا كان من حقِّ العميد أنْ يختار من أدب عصره ما يراه جديرًا بالاحتفاء، فإنَّ من حقِّ القارئ أيضًا أنْ يتساءل عن المعايير التي انتهى إليها هذا الاختيار، وأنْ يراجع تلك الأحكام في ضوء ما استقرَّ عليه الذوق الأدبي لاحقًا.
إنَّ الدرسَ الذي نأخذه من هذا الكتاب, أنّ النقدَ ليس رأيًا صارمًا فقط, بل يتداخل هذا الرأي ذائقة فنية أيضًا, وهنا لا ينتهي الحوار بين النص وقارئه سواء أكان القارئ ناقدًا أم قارئًا فحسب, ففي هذا الكتاب تبرزُ قيمة الذائقة إضافة إلى الحكم النقديّ, بل تبرز أيضًا تفوق الذائقة على الحكم في حالات معينةٍ أيضًا, لأننا نحتاجُ أنْ نعرفَ رأي الناقد بعيدًا عن قسوةِ المنهج النقديّ, وهذا ما أخذناه من آراء العميد في هذا الكتاب, الذي يبقى شاهدًا على لحظةٍ ثقافيةٍ  مضت وعلى عقلٍ نقديٍ قرأ أدب عصره كما فهمه ولكنا اليوم يحقّ لنا أنْ نُحاكمَ الناقد محاكمةً نقدية ونبرز له انحيازه لهذه الطائفة من الكتّاب دون غيرهم ولماذا اختار لهم هذا العمل دون غيره من أعمالهم! وفعلنا هذا, يخدمُ الأدب خدمة جليلة, لأنَّه يعيد أهمية الحوار المعرفي بين النصّ والقارئ وفي هذا تتجلّى القيمة الحقيقة للأدب.
وهكذا يغدو النقدُ، في جوهره العميق، ليس سلطةً تُصدر أحكامًا نهائية على النصوص، بل وعيًا تاريخيًّا يقرأ الأدب وهو يقرأ نفسه في الوقت ذاته. فالناقدُ، مهما بدا صارمًا في منطقه، يظلّ ابنَ لحظته، يحملُ ذائقته وأفكاره وانحيازاته دون أن يملك القدرة على التحرّر الكامل منها.
ومن هنا فإنّ قيمة طه حسين لا تتجسّد في كونِه حكمَ على أدب عصره حكمًا نهائيًّا لا يُراجع، بل في كونه فتح باب السؤال حول هذا الأدب، وجعل من القراءة مساحةً للتأمل والمراجعة لا ساحةً للأحكام القطعية. فالأدبُ، في النهاية، ليس ما يُقال عنه فقط، بل هو أيضًا ما يُقال عن القائلين به، وما يكشفه ذلك القول من طبيعة الوعي الذي أنتجه.
ولعلّ هذا ما يجعل كتاب (من أدبنا المعاصر) نصًّا يتجاوز زمنه؛ لأنه لا يقدّم صورةً للأدب بقدر ما يقدّم صورةً لطريقة النظر إليه. وهنا تحديدًا تتجلّى المفارقة: فكلّ محاولةٍ للحكم على الأدب هي، في العمق، حكمٌ على الذات التي تحكم.

 

 

 

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي