loader
MaskImg

المقالات

مقالات ادبية واجتماعية وفنية

طاولة ونافذة

breakLine
2026-07-11

فوز حمزة
كاتبة وقاصة | عراقية

 

كانت تلك المرة الأولى التي يدخل فيها إلى هذا المطعم.
لقد سمع عن وجباته اللذيذة وخدمته التي أشاد بها كل من ارتاده من أصدقائه. عزم على خوض التجربة بناءً واثقًا بآرائهم. الآن وجد ميزةً جديدة جعلته يتأكد أنه لن يندم على اختياره.
اللوحات المعلقة على الجدران البيضاء، وأصص النباتات المختلفة التي زُيّنتْ بها زوايا المكان، والموسيقى الهادئة... كل هذه الأشياء فجّرت داخله إحساسًا مثيرًا، ونادرًا  للغاية.
وقف وسط المطعم  محتارًا كعادته، يبحث عن مكان مناسب. فكّر في طلب المساعدة من النادل، إلّا أن سماع اسمه من أحدهم جعله يتلفت.
كان الصوت قادمًا من شخص يجلس إلى طاولة قرب النافذة. إنه زميل له كان معه في الجامعة.
شعر بلمسات بردٍ لذيذة ومنعشة تسللت إليه من النافذة الكبيرة، فحلقت به لأيام الجامعة، حيث استعادا ذكرياتهما الجميلة.
حسد في سرّه الصديق على حسن اختياره، وتمنى لو كانت له تلك المقدرة على رصد الأشياء الجميلة دون الوقوع في الحيرة والتردد.
تنفس الصعداء بعد تركه أمر اختيار وجبة الطعام لهذا الصديق، عندما أبدى حيرته إزاء الأصناف الكثيرة في القائمة.
-هل تزوجت؟
غيّر سؤال الصديق ألوانه، فبدا كحديقةٍ متساقطة الأوراق في الخريف. وبث في داخله رغبةً في الهرب، لكنه لجم تلك الرغبة، ورسم ابتسامةً ساخرة، فيما كانت عيناه تقول: ليتني لم أفعل!
-نعم، تزوجت.
-وكيف هي زوجتك؟ هل ما زالت جميلة كما كانت أيام الجامعة؟
السؤال الثاني كالرصاصة التي يتلقاها حصان هزيل يترنح، بينما العالم ماثل أمامه.
-لا، تزوجت من إحدى قريبات أمي، فتاة طيبةً نالت موافقة الجميع.
استدار نحو النافذة،  فتقافزت الذكريات أمامه، واعتراه طوفان من الأفكار عاد من بعيد.
الصمت الذي ساد بينهما، منحه وقتًا لاسترداد أنفاسه.
ذكرى حبيبته تمنح الضباب سببًا ليهبط، فيرى نفسه على حقيقتها. أحرق بيده الحبَّ داخل قلبه، فتمكن البرد من عظامه؛ فالحب المحترق لا يدفئ، بل يمنح مزيدًا من الرماد.
حانت منه التفاتة ثانية صوب النافذة، ثمة قط مختبئ خلف شجرة.
-لا بأس.
بهذه الكلمة ختم الصديق حديث الشجون، قبل أن يضع في فمه قطعةً من لحم، ثم عرض عليه العمل معه.
ظل يحدق في طبق الطعام، أمامه قائلًا بعد هنيهة:
-أنا لا أعمل في الهندسة!
-كيف ذلك؟ ألم نتخرج معًا في نفس القسم؟!
شعر بالأسى ينبعث من صلب الكلمات المحترقة في جوفه.
-والدي ارتأى أن  أعمل معه، ولم يترك لي خيارًا آخر.
كان الصمت هذه المرة متفقًا عليه بين الاثنين. شعرا بان الأرض قد امتلأت بالكلمات المتساقطة التي لا طائل منها.
-كيف وجدت الطعام؟
أدرك أن هذا السؤال لم يكن سوى محاولة من الصديق للخروج من النفق الذي دخلا فيه رغبة منهما ، وحين لم يجب، عاود الصديق سؤاله:
-كيف تمضي وقتك؟
-أعصره بين أسناني... 
قالها كمن يحدث نفسه.
نظر إلى أقفاص العصافير الموضوعة عند المدخل، وشعر بأنها مرآة تعكس حياته؛ فهي لا تستخدم إلّا لتزيين المكان وإشاعة روح السلام في نفوس من ينظر إليها، وهذا هو أكبر إنجاز لها.
-هل ما زالت لوحاتك زاهية الألوان؟ كنت رسامًا بارعًا! لطالما حلمتَ بإقامة معرض للوحاتك.
-لم أعد أحلم بشيء.
شبك الصديق كفيه قرب ذقنه، ويقول بعد إطلاقه تنهيدةً قصيرةً:
-الواقع يرسم لك الحدود، بينما الأحلام تمنحك الأجنحة...
يا صديقي، لقد أغلقت على نفسك بابًا من أبواب الحياة! 
شعر كأنه يلاحق القطارات، وعند كل محطة يبدأ بالترنح حين يشعر بأن هذه المدينة ليست هي التي يروم المكوث فيها.
-لم أكن أملك زمام الأمور. كان عليّ اختيار ما يناسبني.
-والحرية يا صديقي، خيار من تلك الخيارات.
بينما أخذ يفكر بكلمات صديقه، ظل يحدق فيما وراء النافذة كأن الحياة التي أضاعها ما زالت تمضي هناك... من دونه.

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي