مقالات ادبية واجتماعية وفنية
د. حسين عبيد شرّاد
ناقد وأكاديمي | عراقي
ليس المعنى معطىً ثابتًا تتيحه اللغة بمجرد وجودها، ولا ثمرةً مباشرة للاستعارة أو للإجابة، وإنما هو حصيلة تفاعل دائم بين اللغة، والاستعارة، والسؤال. فاللغة تمنح الإنسان القدرة على تسمية العالم، والاستعارة تعيد تنظيم الخبرة الإنسانية في صور ذهنية تجعل الواقع أكثر قابلية للفهم، بينما يؤدي السؤال وظيفة اختبار هذه الصور ومراجعتها كلما تبدلت شروط الواقع. ومن ثم فإن إنتاج المعنى ليس فعلًا لغويًا خالصًا، بل عملية ثقافية مستمرة تتجدد بقدر ما تظل أدواتها قابلة للمراجعة.
وتبدأ أزمة الثقافة عندما تفقد هذه الأدوات قدرتها على مراجعة نفسها، لا عندما تتوقف عن العمل. فاللغة تستمر في التداول، والاستعارة تبقى حاضرة في الخطاب، والسؤال لا يختفي من المشهد الفكري، غير أن وظائفها تتحول تدريجيًا من إنتاج المعنى إلى إعادة إنتاجه. وهنا لا يكون الصدأ غيابًا للأداة، بل تغيرًا في وظيفتها؛ إذ تتحول الوسائل التي أُنتجت للكشف عن الواقع إلى وسائل للمحافظة على تفسير واحد له.
تحتل اللغة موقعًا أساسيًا في هذه العملية؛ فهي لا تنقل المعرفة فحسب، بل تسهم في تشكيلها. والكلمات ليست أسماءً محايدة للأشياء، وإنما أدوات يبني بها الإنسان تصنيفاته للعالم، ولذلك فإن تغير اللغة يقود إلى تغير طرائق الفهم. غير أن الكلمات قد تستمر في التداول بعد أن تتغير الشروط التاريخية التي منحتها فاعليتها، فتتحول من أدوات للكشف إلى صيغ مستقرة تُستعاد بحكم العادة أكثر مما تُستعاد بحكم الحاجة المعرفية. وعندئذٍ لا تفقد اللغة قدرتها على التواصل، لكنها تبدأ في فقدان قدرتها على إنتاج معرفة جديدة.
ويتعاظم أثر هذه العملية مع الاستعارة. فقد أعادت اللسانيات المعرفية، ولا سيما مع جورج لايكوف ومارك جونسون، النظر في الاستعارة بوصفها بنيةً مفهومية تشارك في تشكيل التفكير الإنساني، لا مجرد صورة بلاغية تضفي جمالًا على التعبير. فالإنسان، وفق هذا التصور، لا يفكر أولًا ثم يستعير، بل كثيرًا ما يفكر بالاستعارة نفسها، لأنها تنقل خبرته من المحسوس إلى المجرد، وتمنحه إطارًا مفهوميًا لفهم الزمن، والسلطة، والحياة، والهوية، وغيرها من المفاهيم الكبرى.
وقد نقل هذا التصور الاستعارة من هامش البلاغة إلى مركز العملية المعرفية، لكنه ظل معنيًا بكيفية تشكل التفكير بالاستعارة، أكثر من عنايته بما يحدث لها بعد أن تستقر داخل الثقافة عبر الزمن. فالسؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس: كيف تنتج الاستعارة المعنى؟ وإنما: ماذا يحدث عندما تتحول الاستعارة إلى جزء من النظام الثقافي الذي يعيد إنتاج المعنى نفسه؟
لقد عرفت البلاغة واللسانيات مفهوم الاستعارة الميتة، ويُقصد بها الاستعارة التي فقدت أثرها البلاغي نتيجة شيوعها في الاستعمال حتى اندمجت في اللغة اليومية. وهذا توصيف دقيق لتحول لغوي، لكنه لا يفسر تحولًا آخر أشد عمقًا، يتمثل في استمرار الاستعارة في توجيه التفكير، مع تغير طبيعة وظيفتها الثقافية.
ومن هنا يبدو من المفيد، في إطار مفهوم الصدأ الثقافي، التمييز بين الاستعارة الميتة والاستعارة الصدئة. فالاستعارة الميتة مفهوم بلاغي ولساني يصف ما أصاب الصورة اللغوية من ألفة واعتياد، أما الاستعارة الصدئة فهي مفهوم في النقد الثقافي يصف تحولًا يصيب الوظيفة الثقافية للاستعارة. فهي لا تفقد حضورها، ولا تتوقف عن التأثير، بل تظل فاعلة في تشكيل الإدراك، غير أنها تتحول من أداة لإعادة بناء الخبرة الإنسانية إلى آلية لإعادة إنتاج النسق الثقافي.
ولا يتعلق الصدأ هنا بعمر الاستعارة أو بكثرة تداولها، وإنما بالمرحلة التي تبلغها عندما تتحول، بفعل التراكم التاريخي، إلى مجاز كلي يحتكر تفسير الواقع. فالمجاز الكلي ليس صورة بلاغية ممتدة، بل إطار ثقافي شامل تنتظم داخله الرؤية إلى العالم، وتُعاد من خلاله صياغة المفاهيم والقيم وأنماط الفهم. وعندما يستقر هذا المجاز في الوعي الجمعي، يبدأ بتحديد ما يُرى وما يُهمل، وما يُعد حقيقة وما يُستبعد بوصفه شذوذًا.
وعند هذه المرحلة تبدأ الاستعارة في فقدان وظيفتها الأولى. فهي لم تعد تفتح أفقًا جديدًا للفهم، بل أصبحت تحدد حدود هذا الفهم. ولم تعد وسيلة لتأويل الواقع، بل مرجعًا يُفرض على الواقع ذاته. وهنا لا يختفي المجاز، بل يكتسب سلطة أكبر، لأنه يغدو غير مرئي؛ فلا يُنظر إليه بوصفه استعارة، وإنما بوصفه الطريقة الطبيعية الوحيدة لرؤية العالم.
ومن هذا المنطلق، يمكن تعريف الاستعارة الصدئة بأنها: استعارة مفهومية تحولت، بفعل التداول التاريخي، إلى مجاز كلي يحكم إدراك الجماعة للعالم، ثم فقدت قدرتها على استيعاب التحولات الجديدة، مع استمرارها في إعادة إنتاج النسق الثقافي الذي تنتمي إليه. ولذلك فإن الصدأ لا يصيب البناء اللغوي للاستعارة، بل يصيب المجاز الكلي الذي تشكل منها، عندما يتحول من أداة لإنتاج المعنى إلى سلطة تحدد المعاني الممكنة.
إن أخطر ما في الاستعارة الصدئة أنها لا تُقصي الواقع، بل تعيد تأويله وفق منطقها الخاص. فهي تستوعب الأحداث الجديدة، لكنها تُخضعها للإطار القديم، وتفسر المتغيرات بالمفاهيم نفسها، حتى يبدو العالم وكأنه لم يتغير. وبهذا لا يعاد إنتاج الاستعارة وحدها، وإنما يعاد إنتاج النسق الثقافي الكامن فيها، لأن المجاز الكلي يصبح هو المرجع الذي تُقاس به الوقائع، لا العكس.
ومن ثم فإن المشكلة ليست في وجود الاستعارات، ولا في رسوخ المجازات الكلية، فكل ثقافة تحتاج إلى أطر مفهومية تنظم رؤيتها للعالم، وإنما تبدأ المشكلة عندما تكتسب هذه الأطر حصانة ضد المراجعة، فتتحول من أدوات للفهم إلى أدوات تمنع إمكانات الفهم الأخرى. وهنا يبدأ الصدأ الثقافي عمله، لا بإلغاء المعنى، بل بإبقائه أسيرًا للمجاز الكلي الذي فقد قدرته على التجدد
غير أن المجاز الكلي، مهما بلغت قوته، لا يستطيع الاستمرار بذاته، لأنه ليس بناءً لغويًا جامدًا، بل نسقًا ثقافيًا يتجدد عبر الممارسة والتداول. فهو يحتاج دائمًا إلى آليات تضمن انتقاله من جيل إلى آخر، وتعيد ترسيخه كلما تغيرت الوقائع. ولا تؤدي اللغة هذه المهمة وحدها، ولا تكفي الاستعارة المفهومية لتحقيقها، بل يضطلع السؤال بدور حاسم في هذه العملية. فالسؤال لا يختبر المعرفة فحسب، وإنما يحدد أيضًا طبيعة المعرفة التي يُسمح لها بالاستمرار داخل الثقافة.
ولهذا فإن السؤال ليس مجرد أداة للاستفهام، بل آلية لإنتاج المعنى. فكل تحول معرفي كبير بدأ بسؤال كشف حدود إجابة مستقرة، وكل مفهوم جديد نشأ لأن سؤالًا جديدًا فرض نفسه على الواقع. ومن ثم فإن الثقافة لا تتجدد بكثرة ما تنتجه من أجوبة، بل بقدرتها على إعادة إنتاج أسئلتها كلما تغيرت شروط المعرفة.
غير أن السؤال، شأنه شأن اللغة والاستعارة، قد يفقد وظيفته المعرفية من غير أن يفقد حضوره. فهو قد يظل متداولًا في الخطابات، والمناهج، والندوات، والكتابات الفكرية، لكنه لا يعود وسيلةً لاكتشاف المجهول، بل يتحول إلى وسيلة لحماية المعلوم. وهنا لا يختفي السؤال، بل يتغير دوره داخل النسق الثقافي.
ومن هنا يمكن، في إطار مفهوم الصدأ الثقافي، الحديث عن السؤال الصدئ، ويُقصد به السؤال الذي يفقد وظيفته الاستكشافية، ويتحول إلى آلية لإعادة إنتاج المجاز الكلي، بحيث لا يختبره ولا يراجعه، بل يعيد تأكيده في كل مرة يُطرح فيها. فهو سؤال يبدو مفتوحًا من الناحية اللغوية، لكنه مغلق من الناحية المعرفية، لأن بنيته تقود دائمًا إلى النتيجة نفسها.
وعندما يبلغ السؤال هذه المرحلة، يتحول إلى حارس للمجاز الكلي. فبدل أن يكشف حدوده، يعمل على تثبيته، وبدل أن يفتح إمكانات جديدة للتأويل، يضيقها حتى يصبح المجاز الكلي هو الإطار الوحيد الذي تُفهم من خلاله الوقائع. وعندئذٍ لا تعود الثقافة ترى المجاز بوصفه بناءً تاريخيًا قابلًا للمراجعة، بل بوصفه حقيقة مكتملة لا تحتاج إلى مساءلة.
وهنا تبدأ الإجابة في اكتساب سلطة جديدة. فهي لا تنتصر لأنها الأكثر قدرة على تفسير الواقع، بل لأنها أصبحت محمية باللغة، ومسنودة بالاستعارة، ومحروسة بالسؤال نفسه. فلا تُستخدم اللغة لمراجعتها، ولا تُستدعى الاستعارة لتجاوزها، ولا يُطرح السؤال لاختبارها، بل تعمل هذه العناصر جميعًا على إعادة تأكيدها.
ومن ثم فإن انتصار الإجابة لا يعني اكتمال المعرفة، بل قد يكون بداية توقفها. فالإجابة التي لا تعود موضوعًا للسؤال تتحول إلى أصل يُقاس به الواقع، بدل أن يكون الواقع هو المعيار الذي تُقاس به الإجابة. وعندما يحدث ذلك، لا يعود النسق الثقافي بحاجة إلى الدفاع عن نفسه، لأن أدوات التفكير ذاتها أصبحت تعمل على إعادة إنتاجه.
وهكذا تكتمل دورة الصدأ الثقافي. تبدأ اللغة بإعادة إنتاج المفاهيم، وتمنحها الاستعارة صورةً إدراكية، ثم تتسع هذه الصورة حتى تغدو مجازًا كليًا ينظم رؤية الجماعة إلى العالم. وبعد ذلك يتولى السؤال الصدئ حماية هذا المجاز، فتكتسب الإجابة سلطة اليقين، ويغدو النسق الثقافي قادرًا على إعادة إنتاج نفسه من داخل الوعي الجمعي، لا بفعل سلطة خارجية.
ومن هنا لا تكمن خطورة الصدأ الثقافي في وجود الأنساق، فكل ثقافة لا تستغني عن أنساقها، وإنما تكمن في فقدان هذه الأنساق قابليتها للمراجعة. فالنسق الحي هو الذي يسمح للغة بأن تعيد تسمية العالم، وللاستعارة بأن تبتكر مجازات جديدة، وللسؤال بأن يختبر ما استقر من يقين. أما النسق الصدئ فهو الذي يجعل اللغة تكرر، والاستعارة تبرر، والسؤال يحرس، والإجابة تنتصر.
ولذلك فإن تجديد الثقافة لا يتحقق بمجرد استبدال المصطلحات أو تبديل الصور البلاغية، لأن المشكلة ليست في المفردات، بل في البنية التي تمنحها معناها. فربما تغيرت الكلمات، وبقي المجاز الكلي كما هو، وربما تبدلت الاستعارات، واستمر السؤال يؤدي الوظيفة نفسها في حماية النسق. ومن ثم فإن التجديد الحقيقي يبدأ عندما تستعيد اللغة قدرتها على إعادة التسمية، وتستعيد الاستعارة قدرتها على إعادة بناء الخبرة، ويستعيد السؤال وظيفته في مساءلة المجاز الكلي، لا في حراسته.
إن الثقافة التي تتوقف عن مراجعة مجازاتها الكبرى لا تعيش خارج التاريخ، لكنها تبدأ في تفسير التاريخ بأدوات فقدت قدرتها على استيعاب تحولاته. وهنا لا يصبح الصدأ الثقافي مجرد حالة من الجمود، بل يتحول إلى نظام يعيد إنتاج نفسه، لأن اللغة، والاستعارة، والمجاز الكلي، والسؤال، والإجابة، أصبحت جميعها تعمل داخل دائرة واحدة مغلقة.
ويبقى السؤال مفتوحًا:
هل يبدأ الصدأ الثقافي عندما تعجز الثقافة عن إنتاج مجازات كلية جديدة، أم عندما تتحول مجازاتها الكلية القديمة إلى أطر مغلقة تمنع اللغة والاستعارة والسؤال من إعادة اكتشاف العالم؟.
...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي