مقالات ادبية واجتماعية وفنية
علاء العلاف
كاتب وباحث | عراقي
جمالُ الذاكرة هو جمالُ الأمكنة التي زرعت وترعرعت في وجوهٍ لم ترَ غير الموت المؤجّل، جمالُ الأشياء التي زرعت فينا عناوينَ أشبه بمحطات انتظار؛ ذاكرةٌ لا تغيب عن البصيرة، دائمًا أجد المكان في رائحة الجمال الساكن في القلوب، وكلما فكرت، ازددتُ وجعًا. هذه الحياة، كأنها لحظة عابرة؛ وكلما تذكرت رأيت الوجوه التي اعتدنا عليها، ورأيت جسدًا متألمًا يستعيد في داخلي وجوهًا وأمكنةً لا تغيب، يذكّرني ذلك بمعرض القاهرة للكتاب في ذلك اليوم، حين كان يصطحبني صديقي وارد بدر سالم، كنا نتصفح الكتب بين أجنحة المعرض، إلى أن أثارني كتاب بعنوان «جسدٌ متألم»، تأليف إيلين سكاري. كان الكتاب، بالنسبة إليّ، تأملًا فلسفيًا عميقًا يجعلنا ننظر إلى الحياة من زاوية أخرى، يتضمن الكتاب تحليلًا ثقافيًا وأدبيًا وسياسيًا وفلسفيًا، فضلًا عن أبعاد طبية وتاريخية، ويعتمد على مجموعة واسعة من المصادر التي تشمل الأدب بمختلف أجناسه والفن والتواريخ والوثائق المتعلقة بالتعذيب وسجلات محاكمات الجلادين وكتابات شخصيات مثل كلاوزفيتز وليدل هارت وونستون تشرشل وهنري كيسنجر وما ارتبط بالحروب والمصالح السياسية، تتناول إيلين سكاري الألم الجسدي بوصفه تجربة تكاد تكون غير قابلة للتعبير عنها، وتبحث في قدرته على هدم اللغة وتعطيل قدرتها على نقل التجربة الإنسانية. كما تحلل العواقب التي تنتج عن التعذيب والحروب وكيف يمكن للأنظمة الحاكمة، من خلال ممارساتها العميقة، أن تعمل على تفكيك العالم والإنسان معًا، ثم تأخذنا الكاتبة إلى مساحة أوسع، فتتوقف عند مختلف النشاطات والممارسات التي تهدم العالم، مستندةً إلى نصوص من الكتاب المقدس وإلى أعمال ماركس وغيرها من المصادر الفكرية، والكتاب، في عمقه، لا يكتفي بوصف الألم، بل يحاول أن يتتبع جذوره وأشكاله وآثاره في طبيعة الصنع البشري، أما الكتاب المقدس، فقد ظهر في وقت مبكر نسبيًا في الحضارة التي كفلت له حضوره، ثم ظهرت بعد ذلك، وفي أزمنة متأخرة نسبيًا، كتابات وتأويلات أخرى. ولذلك نجد أن النصوص الأولى تتصفح طبيعة الخلق وما يحيط بها، كأن لا شيء فيها خارج دائرة السؤال والنقاش، في كلٍّ من هذه العوالم نجد مساحة واسعة للتأمل في طبيعة الصنع البشري وفي العلاقة بين الإنسان والألم وبين اللغة والجسد وبين الذاكرة والمكان...
كتاب عميق وثري جدًا، وما أشرت إليه هنا ليس سوى القليل منه لكن ما بقي في ذاكرتي ليس الكتاب وحده، بل رائحة المكان وما يحيط بها من وجوه، فالمكان لا يبقى مكانًا فقط، بل يتحول، بمرور الزمن، إلى ذاكرة تسكننا ووجوه نستعيدها كلما مررنا برائحة تشبهه أو بكتاب يعيد إلينا ذلك اليوم، لهذا أجد المكان في رائحة الجمال الساكن في القلوب؛ لأن بعض الأمكنة لا تغيب حين نغادرها، وبعض الوجوه لا تموت حين يغيب أصحابها، وبعض الكتب لا تنتهي حين نغلق صفحاتها. إنها تبقى فينا مثل ألمٍ قديم أو ذكرى لا تريد أن تغيب.
...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي