مقالات ادبية واجتماعية وفنية
د.سعد سرحت
باحث لغوي من العراق
يُعَلِّمُنا ابن فارس أنّ نُعْمِلَ الخيال ونُدخِلَ اللّفظة الرّباعية الأبيّة على مواد المعجم في باب النّحت, وهو عملُ لا يخلو من لَعِبٍ وتحايل على الألفاظ . أذكر حين كنت أقلِّب في مقاييسه بحثًا عن مادة(ح ل ب س) لأجَذِّر لاسم حَلبوس الذي سُئلتُ عنه, فإذا بأبي الحُسين يدخله في باب النَّحت. يقول: ((ومن ذلك الحَلْبس, وهو الشّجاع, وهذا منحوت من حلَسَ وحَبَس فالحِلس: اللازم للشيء لا يفارقه, والحَبْس معروف, فكأنَّه حبسَ نفسَه على قِرنِه وحَلِس به لا يفارقه.))([1]) وأمّا بناؤه على فَعْلُوْل ف(حَلْبوس) فهذا تَحَبُب.
ومن ذلك اسم (حنتوش), لعلّه من حَنَش وحَتَش, والحَنَش معروف وهو الثّعبان,([2]) والحَتْشُ الذي من معانيه التجمّع والاحتشاد, وإدامة النظر إلى الشَّيء,ومنه( حُتِّش فاحْتَتش) ,أي حُرِّش فاحْتَرَش. ([3]) وحاصل ذلك إمّا الثعبان وقد تجمّع على نفسه, وإمّا الثّعبان وقد حُرِّش فاحترش. وكذا(حنتوش) دلع وتحبُّب.
في لقاء تلفزيوني ظهر أحد السِّياسيين على قناة فضائية ينتقد الرّاهن العراقي وسلوكيات السّاسة, ما أنْ حصل أحدهم على امتياز أو منصب إلّا وقد أصابه الكبر والعُجب والخفّة, وقد عبّر السّيد النائب عن هذا بقوله: (يتهرفل) وهي كلمة ريفيّة, بل من الألفاظ التي من شأنها عند النّطق أنْ تميّز ابن الرّيف عن غيره, لذا أخذ السِّياسيون_وإن لم يكونوا من أبناء الرّيف_ يكثرون من تعاطي هذه الألفاظ لغايات رمزيّة, فموارد التّرييف الرّمزية جمّة في عراقنا اليوم!.
هنا سألته محاورة البرنامج ضاحكة: ما معنى يترهفل؟. وقد تلكّأتْ في نطقها. لكنّ السّيد النائب لم يجب إجابة شافية. وعلى أيٍّ, فهذه الكلمة من الكلمات المنحوتة عندنا وإن كنّا لا نستبعد أن تكون هاؤها مزيدة, أو تكون لامها من باب الإلحاق.
الفعل منه(هرفل يتهرفل)، واسم الفاعل منه(متْهرْفُل) على لسان أهل القرى، إذ يُنطق بضمّ الفاء لا بكسرها, والفعل المستعمل عندنا:( تهرفل يهرفل), و(تهرفلَ يتهرفل) لكنِ الأقحاحُ يلفظونه على هذا النحو: (إتِهَرْفَل_يتِّهرْفَل).
في رأيي هي مأخوذة إمّا من مادة(ه ر ف) وأُلحِقت بها اللام، وإمَّا من مادة(رف ل) وزيدت في أولها الهاء، وإن شئت فقل هي نحت(= حاصل جمع "هرف" ب "رفل") وهذا في العربية كثير. وظيفة الإلحاق هنا المبالغة في التقبيح، أو تقبيح الحسن وإبراز العيب فيه، فالعرب إذا أرادت تقبيح المسمّى قبَّحَتِ الاسمَ.
إذا عُدنا ب(تهرفل) إلى مادة(هرف) فإنّ الهرف هو الهذيان إثر عجب المرء بنفسه، أو كثرة المدح بما لا يستحق، والأصل فيه كثرة الصياح ورفع الصوت والهذر.([4]) وحين أرادوا المبالغة في التقبيح ألحقوا به اللام فصار(هرفل).
أمَّا إذا عدنا ب(تهرفل) إلى مادة(رفل) فالرَّفل هو السّعة والوفور والأبهة، ومن ذلك(رفلُ الثّياب) أي تلك التي لها أذيال تُسحل في الأرض، وفي ترفيل الثياب كناية عن العزّ والسؤدد، وقد يراد بالثياب المرفلة التبختر والمرح والأنفة, وقد يراد بالرّفل الأحمق,([5]) من فرط تبختره ومرحه.
إذ يبدو أنّهم حين لحظوا أنّ هذا العزّ مفتعل ليس حقيقة، أو أنّه عزّ بولغ فيه حدّ الإسراف، أرادوا تشنيعه، فزادوا الهاء في أول الكلمة، فقالوا:(هرفل) تعبيرًا عن التصنّع والتظاهر بالعزّ.
ثمة ألفاظ لا تنتظر منك البحث ولا إجالة فكر؛ لأنّها تفسّر ذاتها بذاتها، بل التّفسير والشرح لا يزيدانها إلّا غموضًا وتعقيدًا، فهي مفهومة، وإن كانت دخيلة على ذخيرتك اللغوية.
والحال نفسه مع(هرمش) وهو اسم ريفيّ قحّ,فقبل أيام كنت في مكتب الدكتور نوفل عبَّاس رئيس قسم تربية تكريت ألتمس موافقته على طلبي, زاحمني على على يده أحد الموظفين, وقد غلبني, فالتقط الكتاب من يده قبل كتابي.
وهو يمضي على طلبه ضحك, فقال له: (ما معنى هرمش؟.) قال: (لا أعرف). بادرت بالإجابة على الفور، قلت: هو حاصل جمع(هرم) ب(هرش)... وهذا من باب النّحت, فحسب معرفتي ليس في المعجم العربي أصل لهرمش.
الأقرب, إذن, أنّه نحت من هرم وهرش. فمعنى(هَرِمَ يهرَمُ): بلغ أقصى الكِبَر، كذا يراد بالهرم الغلظة والضخامة.([6])
وأمّا معنى(هرش) ففي الأصل هو تداخل أشياء بأشياء والتباسها، ومنه هرش النبات، لأنه متداخل ملتبس بعضه ببعض. هكذا نفهمه في اللهجة العراقية, وهذا منسجم مع (هرم) التي من تصاريفها الهرمة التي تعني البقلة الحمقاء.([7])
لكنّي هنا غيَّبت مهارشة الكلاب وتحريش بعضها على بعض والإفساد, ([8]) احترامًا للمقام، وإلّا فلا مشاحة في الأسماء، إذ العرب تسمّي بالكلاب واليرابيع والسّباع، فلا اكتراث إذا سمَّت بأوصافها كالهرّ والهرش والحرش, لكني احترمت مشاعر الرجل وراعيت المقام.
على أنّ حاصل اجتماع(هرم) ب(هرش) هو كبر النّبات والتباس هروشه، وثمة نبات جافٍ منبطح يقال له(هرْم) فيه ملوحة، يفترش الأرض، يُشبّهُ به الذّليل من الناس. وقد ذكره الخليل في معجمه.([9])
لكن لعل(هرمشًا) استعير للإنسان إذا كان جافيًا فيه غلظة, وهو يهرش , أي يكثر من الحركة والشّغب.
في لهجات عربية أخرى تسمع(حرمش) فمن معانيه الإفساد و(اللّخبطة). فإذا كان هرمش تحريفًا لحرمش بقلب الحاء هاءً لا أدري، لكنّ الحاء واضحة وليست ثقيلة على اللسان لتُحرف, وقلْ ذلك أيضًا عن(حرمس) الذي هو الصّغير والدّقيق من البقّ.
كذا ليس ببعيد أن يكون تحريفًا للهرماس, وهو الفتي من السّباع وذوات المخلب([10]).
لكنك في جرس هذه الكلمات(هرمش، حرمش، حرمس، هرماس) تتحسّس معنى الشّغب والحرش والتداخل الذي لا يدعو إلى الطمأنينة.
([1]) مقاييس اللغة: مادة( ح ل ب س).
([2]) ينظر: لسان العرب, مادة( ح ن ش).
([3]) ينظر: القاموس المحيط, مادة( ح ت ش).
([4])ينظر: مقاييس اللغة, مادة(ه ر ف).
([5])ينظر: لسان العرب, مادة(ه ر ف).
([6])ينظر: مقاييس اللغة, ولسان العرب, مادة(ع ش ق).
([7])ينظر: لسان العرب, مادة(ه ر ش).
([8])ينظر:مقاييس اللغة,و لسان العرب, مادة( ه ر ش).
([9])ينظر:كتاب العين,مادة(ه ر ش).
([10])ينظر:لسان العرب,مادة(ه ر م س).
...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي