مقالات ادبية واجتماعية وفنية
عمران علي (دوست)/كاتب سوري
ليس شاهو رجلاً.
بل هو الرُّسُغُ الذي نسيه إنليل حين رفع الريح عن كتفي الأرض، فاستحال هيئةً بشريةً تجلس عند فم النار، لتراقب احتراق الأزمنة بدلاً من الحطب.
وليست گولي امرأةً. إنها الشظية الأخيرة من مرآة عشتار، بعدما تهشّمت وهي تعبر بوابات العالم السفلي، فتناثرت ألوانها في وشاحٍ يضم زرقة الطوفان، وصفرة القمح الذي أخفاه دموزي تحت أظافر الفصول، وخضرة الطحلب الذي ينمو على ضلوع الأنهار المنفية.
القرية... ليست قرية.
إنها نَدَبَةٌ جيولوجيةٌ في جبين الخليقة.
حيث المقابر لا تدفن الموتى، بل تُخَمِّرُهم كالنبيذ في جرار البازلت، ليخرجوا بعد قرونٍ أشجاراً تعرف أسماء الذين لم يولدوا بعد.
وعند الحافة السورية من هضبة ماردين، لا تُرسَم الحدود بالأسلاك، بل بأهداب نِرغال حين يغفو، وبشهقة إريشكيجال كلما استعادت روحاً أخطأت طريقها إلى التراب.
هناك...
كل حجرٍ أرشيفٌ منسيٌّ لزلزالٍ لم يقع بعد.
كلُّ حفنةِ طينٍ فَقْرَةٌ مبتورةٌ من إنجيل الأرض الأول.
كلُّ دخانٍ يصعد من الموقد، ليس احتراقاً، بل سلّمٌ تصعد عليه الأبخرةُ لتفاوض الغيم على استرداد نسبها.
أما النار...
فلم تكن ناراً.
كانت المِرْجَلَ الكونيَّ الذي ما زال كِبِل، حدّاد الآلهة، يطرق فيه عظام المعادن، فتتناثر الشراراتُ على هيئة أعوامٍ يسميها البشر تاريخاً.
شاهو لا يحدق في الجمر.
إنه يقرأ في انبعاجاته الكتابةَ التي تركها البرقُ على عظام الجبال قبل أن تُخترَع الأبجدية.
وفي حدقتيه يقيم ذئبٌ أقدمُ من المراعي، لا يعوي، بل يُرتّلُ أسماء القرى التي ابتلعها النسيان، حتى غدت الأسماءُ نفسها طيوراً مهاجرةً لا تعرف أيَّ سماءٍ تؤويها.
وگولي...
كانت تُميل الإبريق كما تُميل الكواكبُ مداراتها.
كلُّ قطرةٍ تغادر فوهته تُعيد ترتيب الأبراج فوق رأس الليل.
كانت تُحرِّك الماء لا بالملعقة، بل بمحورٍ خفيٍّ يربط نبع الخابور بسرّة الكون.
وكان البخارُ يتلوّى فوق رأسها كأن أنزو، طائر العاصفة الأسطوري، فقد جناحيه، فصار يحاول الطيران بلغةٍ لا يفهمها إلا الطين.
الموقد...
ليس تجويفاً في الجدار.
إنه فمُ كور، العالم السفلي، يبتلع الحطب ليقذف الزمن.
والإبريق الأسود ليس إناءً.
إنه قلبُ الليل وقد صُهر في معدن.
والشاي ليس شراباً.
إنه رحيقُ الساعات بعد أن تعصرها الملائكةُ المنسيّة بين أصابعها.
حتى الخبز...
لم يكن خبزاً.
بل القمرُ حين قرر أن يهبط إلى الأرض، فخبزته امرأةٌ مجهولةٌ في التنور الأول، قبل أن تُسمّى النساء أمهات.
والمقابر...
آه، تلك المقابر...
إنها ليست مساكن للموتى.
إنها المكتبةُ التي استعارت منها الآلهةُ ذاكرتها، ثم نسيت أن تعيدها.
كلُّ شاهدِ قبرٍ إصبعٌ يشير إلى السماء، لا ليستدلّ عليها، بل ليُذكّرها بأنها هي أيضاً ستشيخ ذات يوم.
وفي تلك الليلة...
لم يكن شاهو وگولي يشربان الشاي.
كانا يُبطئان دوران الكون، رشفةً بعد رشفة.
كي لا تسقط هضبة ماردين من كتف الأرض.
وكي تبقى الحدود وهماً سياسياً عابراً، أمام الجغرافيا السرمدية التي لا تعترف إلا باللغة التي تتحدث بها النار إلى الطين، والقبور إلى النجوم، والإنسان إلى ظله الأول، يوم كان الآلهةُ ما يزالون يتجادلون حول الاسم الذي سيمنحونه للتراب.
...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي